6 - [ الازهار الجميلة تتفتح مرتين ]

[ الازهار الجميلة تتفتح مرتين ]

في ساحة المصنع القديم، كانت الشجرة تنكمش ببطء، جذورها تتراجع إلى التراب كما لو أنها تستسلم.

الظلال التي كانت تخنق المكان انسحبت رويدًا،

وأوراقها الداكنة بدأت تذوب في خيوطٍ من الضوء الوردي، حتى لم يتبقّ منها سوى جذع صغير استقر في الهواء.

تجمّع حولها المطهرون بوجوهٍ متعبة، أجهزة القياس تصدر ألحانًا متذبذبة متقطعة.

أحدهم قال بنبرة مرتاحة

"استقرت الموجات… إنها تتحول، سيدي جورج، إلى وردة."

نظر جورج إلى الوردة الصغيرة التي بدأت تتفتح في قلب الجذع، بتلاتها الحمراء تتلألأ في العتمة بنور وردي مريح.

ابتسم بخفة وقال، بكسل

"جميلة… من كان يظن لمثل هذه الازهار ان تنموا من الاشجار الخبيثة؟"

لكن أحد المطهرين لم يبتسم.

ظلّ يحدق في المؤشرات التي أخذت تتذبذب بلا سبب.

همس بصوتٍ خافت

"هناك خطأ… لا يفترض أن تتجاوز القراءة خمس درجات بعد اكتمال الوردة."

رفع جورج رأسه، حاجباه ينعقدان ببطء.

كانت الوردة تتفتح أكثر… أكثر من اللازم.

الضوء الوردي تحوّل إلى أحمرٍ حادٍّ كالجمر، ثم انكمشت الوردة فجأة، وانفجر منها دخان أسود تصاعد إلى السماء في حركة مفاجئة للجميع.

اهتزّ المكان، البتلات سقطت واحدة تلو الأخرى قبل أن تذوب في رمادٍ يتحول إلى شظايا ظلّ، وفي قلب تلك الشظايا تمددت الجذور مجددًا، تنمو بسرعةٍ غير طبيعية، تتلوّى كالثعابين، تغرس نفسها في الأرض حتى اخترقت طبقاتها.

صرخ أحد المطهرين:

"الطاقة ترتفع! إنها… إنها تتضاعف!"

أما جورج، فتراجع بخطواتٍ بطيئة، عيناه تتسعان أمام المنظر.

كانت الشجرة تعود إلى الحياة، لكنها لم تكن كما كانت من قبل؛ جذعها ازداد سُمكًا حتى شقّ الأرض، وأوراقها صارت سوداء كالليل، تتقطر منها مادة سائلة تشبه الدم، ورائحة الفساد ملأت المكان كأنها تذيب الهواء نفسه.

تمتم أحدهم، صوته يرتجف:

"ليست من المستوى الأول بعد الآن… إنها تصعد… المستوى الثاني… لا، الثالث!"

وفي تلك اللحظة، تعطلة اجهزة القياس...

سكون كثيف خيّم على الساحة، ثم انطلق من قلب الشجرة رياح شديدة اجتاحت ارضية المصنع المدمر، كأنها تُعلن عودتها إلى الحياة.

______________________

في مكانٍ بعيد، على ارتفاع مئات الأمتار في برجٍ زجاجي يطلّ على المدينة، جلس رجلٌ يرتدي معطفًا رماديًّا طويلاً أمام جدارٍ كاملٍ من الشاشات.

كانت البيانات تتدفق كأنه يراقب دقات قلب العالم نفسه.

توقف نبضٌ واحدٌ على الشاشة، ثم انفجرت الأرقام باللون الأحمر.

تمتم الرجل بصوتٍ منخفض، أقرب إلى التفكير منه إلى الكلام:

"ظاهرة ثانية… بعد سبعة ايام فقط... الامر اصبح خطيرا"

مدّ يده، ضغط زرّ الاتصال.

ظهر وجهٌ آليّ على الشاشة.

"اتصال مباشر بعشيرة الخلد. نحتاج الفيلق الثالث… فورًا."

انتظر لحظة، ثم ظهر الردّ، صوت امرأة باردة كأنها صادرة من داخل جليدٍ سائل:

"الخلد الثالث يستجيب. هيلين في الطريق."

______________________

بعد دقائق، شقّ الضوءُ سماءَ المدينة الرمادية.

خمسة خيوطٍ من النور نزلت في صمت، كل خيطٍ ينغلق على هيئة إنسانٍ قبل أن يلمس الأرض.

في المقدمة، كانت هيلين تمشي بخطواتٍ ثابتة،

ملامحها محايدة، لا غضب ولا دهشة.

وقفت أمام الشجرة المتحوّلة،.عينان بنيّتان داكنتان تعكسان ألسنة الضوء الأسود، وخصلات شعرها الأحمر تتطاير بخفةٍ تحت العاصفة الروحية التي تحيط بالمكان.

اقترب جورج منها بخطواتٍ حذرة، صوته خافت

"لم يكن من المفترض أن يحدث هذا. كانت شبه مرساة."

نظرت إليه للحظة، ثم نحو الشجرة العملاقة.

قالت بهدوءٍ غريب، كأنها تصف مشهدًا مألوفًا:

"الفوضى… لا يمكن لها ان تنتهي."

ثم رفعت يدها، وبدأت السماء من فوقهم تتشقق.

______________________

بعيدًا عن كل تلك الفوضى.

كانت حافلة ضخمة تقف أمام أحد المجمعات السكنية في المدينة الجانبية لمدينة الربيع الزاهي، إحدى المدن الثلاثين التي تمتد على حافة ما يُعرف بـ سواحل الرماد الغربي.

كانت الشمس تودّع السماء ببطء، والضوء البرتقالي ينساب على نوافذ الحافلة كظلّ ثقيل يراقب الرحيل.

في الخارج، وقف عدد من الحراس، أسلحتهم جاهزة، ووجوههم صارمة لا تعرف التعبير.

كان صمتهم مرعبًا أكثر من أي صوت.

داخل الحافلة، كانت المقاعد ممتلئة بشبابٍ لا تتجاوز أعمارهم السادسة عشرة، أو أقلّ بشهور.

وجوه مختلفة، لكن يجمعها توتر خافت، وأعين تحاول إخفاء الخوف خلف الحماس الزائف.

ضحكات قصيرة، كلمات مشوشة، أيدي تلتف حول الحقائب كأنها تمسك الأمل ذاته.

في المقعد الثالث قرب النافذة، جلس فتى لا يشبه أحدًا منهم.

كان هان ساكنًا، مائل الجسد قليلًا نحو الزجاج، ينظر إلى الخارج بعينين فارغتين من كل بريق، كأنهما غارقتان في شيء بعيد لا يُرى.

ملامحه هادئة، لكنها لا تميل إلى الهدوء، بل إلى الإرهاق.

شفتاه لا تتحركان، ونَفَسه بطيء، يخرج كأن كل زفيرٍ يحمل ثقلاً لا يُحتمل.

مدّ كفّه ببطء على ركبته، قبض عليها بشدة، كمن يحاول الإمساك بشيء يتلاشى داخله.

ثم أغلق عينيه، وفجأة تسلّل صدى صوتٍ ناعمٍ من ذاكرته... صوت أمه.

"بُني... عد سالمًا، أرجوك."

كانت تلك الجملة آخر ما سمعه منها قبل أن يغادر البيت.

لم تكن نبرةً حزينة، بل مرتجفة قليلًا، كأنها تحاول أن تبقى قوية لأجله.

حينها لم يلتفت كثيرًا خشية ان يعد بما لا يستطيع الوفاء به، لم يردّ حتى، فقط اكتفى بإيماءة صغيرة وهو يغادر الباب، لكنه الآن... الآن فقط، أدرك كم كان ذلك الصوت هشًّا، وكم كان العالم قاسيًا منذ أن خفت.

مرت صورة وجهها في ذهنه... إميليا بابتسامتها الباهتة التي كانت تختبئ خلف التعب، وعينيها اللتين تشبهان السماء قبل المطر.

كانت دائمًا تقول له إن الغد لن يكون مثل الأمس.

لكن كان يعرف في قرارة نفسه ان الأمس لن يرحل أبدًا، والغد لن يأت.

أحنى رأسه قليلًا، نظر إلى انعكاس وجهه في زجاج النافذة.

وجهه بدا غريبًا عليه، شاحبًا أكثر مما تذكّره، كأنه ازداد نحافة عما كان عليه في المصنع، بجانب جسد والده البارد.

مرّ أسبوع واحد فقط، لكنه بدا وكأنه عام كامل تعذب فيه من الم الفقد.

شدّ قبضته أكثر، والذكريات تتكاثف في رأسه كضباب ثقيل.

هو الآن في طريقه إلى الدورة التأهيلية لـ اختبار الاستيقاظ، المرحلة التي ستقرر من سيبقى إنسانًا، ومن سيصبح "مستيقظًا" ... ومن لن يعود أبدًا.

نظر حوله إلى بقية الشباب؛ أصواتهم كانت بعيدة، متقطعة، كأنها تأتي من عالم آخر.

بعضهم يبتسم بثقة، وآخرون يحاولون إخفاء الخوف بالضحك، بينما هو... لا يشعر بشيء.

الفراغ داخله أعمق من أن يُملأ بأي وعد أو خوف.

رفع بصره نحو السماء من خلف الزجاج، وراقب المدينة تبتعد، تذوب مبانيها الصغيرة في الغبار الذهبي..

بين أنفاسه الخافتة، همس لنفسه دون صوت:

'سأعود… أمي.'

لكن الكلمات لم تصل إلى شفتيه.

في تلك اللحظة، تحركت الحافلة ببطء نحو الطريق الطويل المؤدي إلى المجهول.

كانت أنفاس هان تختلط بصوت المحرك، كأنها بداية فصلٍ جديد من حياةٍ لم يخترها، بداية طريقٍ سيبتلع فيه كل معني للإنسانية وسيختبر معني الألم الحقيقي في هذا الطريق.

طريقٍ لا يعرف نهايته والي اي مدي ستتصاعد الاحداث فيه ولكن لا مفر له من خوضه.

وهكذا... غادرت الحافلة مدينة الربيع الزاهي، حاملةً معها مئات الآمال في العودة والارتقاء في السلم المجتمعي، وشخص واحد كانت هذه فرصته الأخيرة للنجاة من هذا العالم.

2026/01/12 · 12 مشاهدة · 1034 كلمة
Jacob
نادي الروايات - 2026