[ اكادمية المستيقظين ]
سواحل الرماد الغربي…
إحدى المعاقل الأربعة للبشر على هذا الكوكب الممزّق بين الخوف والبقاء.
منذ قرون، كان البشر يملكون سبع قارات… ستًّا منها فقط تُذكر في الخرائط.
قارات، شعوب، ثقافات، ومعتقدات مختلفة…
لكن كل ذلك تغيّر حين هبطت أول شجرة خبيثة على الأرض.
منها انفتحت أول بوّابة، وتدفّقت منها كائنات لا مكان لها في عالم البشر.
وحوشٌ من لحمٍ وعظامٍ سوداء، جاعت منذ الأزل، فوجدت في البشر وليمتها الأولى.
لم تصمد الأسلحة أمامها، لا الرصاص، ولا الفولاذ، ولا حتى النار.
سالت أنهار الدماء، وذُبحت المدن كما تُذبح الأنعام.
وفي ذروة اليأس... ظهر أول مستيقظ.
تلاه آخرون.
رجال ونساء حطموا قوانين الجسد، وامتزجت أرواحهم بشيءٍ غريبٍ لا يُشبه البشر.
عبر القرون التالية، ووسط الخسائر والمجازر، بدأ الناس يفهمون.
فهموا أن عصرهم السلمي قد انتهى.
أن الأرض التي عرفوها احترقت إلى الأبد.
وأن ما تبقّى ليس سوى عصر الفوضى.
توالت الاكتشافات… وتكشّفت الحقيقة الملعونة:
أن تلك الأشجار الخبيثة لم تكن مجرد طفيليات من عالم آخر، بل بوابات إلى أرضٍ أكبر… أرضٍ سُمّيت فيما بعد بـ عالم الفوضى.
عالمٌ شاسع لم يستطع البشر سوى اقتحام خُمسِه…
أما الأربعة أخماس الباقية، فما زالت مجهولة…
مليئة بأرواحٍ وكائناتٍ لا يمكن للعقل أن يتخيّلها.
ثمّ حدث ما لم يكن في الحسبان.
اندمجت اليابسة كلّها، ذابت القارات في جسدٍ واحدٍ ضخم.
الجليد التصق بالصحراء، والغابات التهمت المدن.
سقطت الحدود، وذابت الحضارات، وتوحّد البشر أخيرًا… لا بالمحبة، بل بالنجاة.
ومن رحم الخراب، وُلد عصر اللغة الواحدة ...
الإنجليزية القديمة، آخر ما تبقّى من حضارة العالم القديم.
حتى البحار لم تنجُ من ذلك الاندماج.
تحولت المحيطات إلى ساحلين فقط: الساحل الشرقي… والساحل الغربي.
كل ساحلٍ يحوي معقلين للبشرية.
وفي الغرب، حيث الرماد يغطي الأرض، وُجد معقل ساحل الرماد الغربي، موطن هان، في أقصى الجنوب من ذلك الساحل الموحش.
ذلك المعقل، تحت راية الحكومة وبعض العشائر العظمى، ضمّ ثلاثين مدينة مترابطة كعُقدٍ من الفولاذ.
وفي مركزه، قامت المدينة المركزية... القلب النابض للحكومة، والمقر الأعظم للسلطة.
هناك تتجمع قوة الحكومة في المعقل، وهناك تُدار الحروب، وهناك أيضًا تتجمّع الأحلام.
في هذا الصباح الرمادي، كانت حافلة ضخمة تشقّ طريقها نحو تلك المدينة العريقة… تحمل على متنها العشرات من الفتيان والفتيات، أعمارهم لم تتجاوز السادسة عشرة.
كلهم ذاهبون نحو مصيرٍ مجهول، نحو الاختبار الأول في حياتهم، نحو البداية التي لا عودة بعدها الي ما كنت عليه قبلها.
ومن بين المقاعد، جلس هان، يحدّق بصمتٍ من خلف زجاج الحافلة المبتلّ بندى الفجر، كأنه يرى من خلاله لا الطريق… بل ما تبقى من نفسه.
داخل الحافلة المعدنية التي كانت تهتز مع كل مطبٍّ في الطريق، ساد صمت غريب.
وجوه الصبية كانت متعبة، معظمهم من أبناء المدينة الجانبية التابعة لمدينة الربيع الزاهي... أولئك الذين لا يملكون سوى أحلامٍ باردة وأيادٍ خشنة.
لم يكن في الحافلة أي وجهٍ من أبناء الطبقة الثرية،
فمن الطبيعي أن لا يجلس الفقراء إلى جوار أبناء المدن العليا…
الأغنياء بالتأكيد سبقوهم منذ أيام، ربما في طائراتٍ أنيقة أو عرباتٍ سريعة تنزلق في الهواء، بينما نحن... كما فكّر هان... نتدحرج داخل هذه الخردة الصدئة التي تشبه نعشًا جماعيًا متحركًا.
أمال رأسه إلى النافذة، الزجاج المغبّش كان يعكس وجهه الشاحب كأنه صورة باهتة من زمنٍ مضى.
لم يكن يشعر بشيء… لا خوف، لا حماس، لا فضول.
فقط فراغٌ متدلٍ في صدره، يصفع كل فكرة تمر بعقله.
حتى أصوات الضحك الخافتة بين المقاعد كانت تبدو بعيدة… بعيدة جدًا.
ثم فجأة، توقفت الحافلة.
ارتجّت الأجساد، وسقطت حقيبة أحدهم، وصوت الفرامل الحادّ اخترق أذنيه كصرخةٍ قصيرة أيقظته من دوّامة شروده.
رفع نظره نحو النافذة... وهناك، خلف الضباب الصباحي، ارتسم المشهد أمامه.
جدار أبيض هائل يقف كأنه قطعة من الغيم المتجمد،
تعلوه أبراج ملساء تتلألأ تحت ضوء الشمس الأولى.
وفي أعلاه، كان يرفرف علم الحكومة ... أسدٌ فضيٌّ يجلس شامخًا، وفوقه إنسانٌ يحمل سيفًا عظيمًا يستند على كتفه.
شعار القوة والسيطرة.
رمزٌ لهيمنةٍ لا تنتمي لمعظم الفقراء الجالسين في الحافلة، بل لأولئك الذين يقطنون في القصور خلف الجدران.
شعر هان بوخزةٍ غريبة في صدره، لم يعرف إن كانت غضبًا، أم رغبة في الضحك، أم مجرد تعبٍ قديم لم يختفِ بعد.
أغمض عينيه، وتنهد ببطء، ثم تمتم بصوتٍ خافت لا يسمعه أحد:
"ها قد وصلنا."
كانت قلعة الأكاديمية ترتفع أمامهم، بيضاء كالعظمة… باردة كالموت.
انفتح باب الحافلة بصوتٍ معدني حادّ، وصعدت رائحة المعدن والزيت والعرق إلى الهواء البارد.
سادت لحظة صمت، قبل أن يعلو صوتٌ قوي من الخارج:
"الكل ينزل بترتيب المقاعد، لا أحد يتحرك قبل الإشارة!"
كان الصوت حادًا كالسوط، يجرح الأذن بثقةٍ لا تحتمل النقاش.
التفت الطلاب نحو مصدر الصوت ... رجل طويل يرتدي معطفًا رماديًا داكنًا، عليه شارة الحكومة المذهبة، وسيفٌ قصير يتدلّى من خصره بخط مستقيم لا مجال للزخرفة فيه.
عيناه رماديتان، جامدتان كصخر البحر، وفي صدره بطاقة سوداء كتب عليها:
"الملازم أروِن... قسم التهيئة الميدانية."
بدأ النزول واحدًا تلو الآخر.
كانت الأرض مرصوفة بحجارة رمادية نظيفة، والمكان منظم بطريقةٍ مريبة... لا صوت، لا حركة غير مدروسة.
كل شيء كان يخبرهم أنهم دخلوا عالمًا جديدًا… عالمًا لا يُخطئ.
تقدّم أروِن بخطواتٍ ثابتة، وقف أمامهم صفًا واحدًا، ونظر إليهم جميعًا بنظرةٍ طويلة جعلت أنفاسهم تثقل.
"من هذه اللحظة ولمدة بقائكم في الاكادمية حتي اختبار الاستيقاظ، أنتم لستم أبناء الشوارع ولا أحفاد الفقراء. أنتم مرشحون للاستيقاظ. الأكاديمية لا تعرف الرحمة، ولا تضييع الوقت. من لا يثبت أنه يستحق العيش زاعلموا... انه لن يغادر هذا المكان كما دخل."
لم يقل أحد شيئًا.
الرياح كانت تمر بين صفوفهم كأنها تختبر صبرهم.
هان كان في آخر الصف، رأسه منخفض قليلًا،
وعيناه تتأملان الظلال الممتدة على الأرض.
كل ظلٍّ بدا له كأنه يملك حياةً خاصة به، كأنهم جميعًا نسخ باهتة تسير نحو مصيرٍ لا يمكن الهرب منه.
رفع أروِن يده، فتحت البوابة الضخمة للأكاديمية بصوتٍ عميق يشبه دويّ الطبول.
ومن خلفها، بدت ساحةٌ واسعة تتلألأ أرضها الرمادية تحت ضوء النهار، تتفرع منها طرقٌ طويلة نحو أبنيةٍ عالية وأبراجٍ يكسوها الزجاج الأسود.
"تحركوا في صفٍّ واحد نحو الساحة الرئيسية، وستتلقون التعليمات من الضابط المسؤول عنكم."
بدأت الأقدام تخطو على الأرض بإيقاعٍ واحد، وصوتها يتردد في الممرات كأنها جنازة منضبطة الإيقاع.
هان لم يرفع رأسه حتى مرّ من تحت الظلال الثقيلة للبوابة، وحين رفع عينيه أخيرًا، رأى فوقها كلماتٍ منقوشة بخطٍ فضيّ:
"من يسير إلى الداخل... لا يعود كما كان."
توقف لحظة.
'ما هذا التحزلق' سخر هان في داخل نفسه.
لم يعرف إن كان هذا تهديدًا… أم وعدًا.