عاد آرين إلى وعيه وهو يترنّح خارج أطلال المعبد، جسده مغطى بالجروح والرماد، ودمه لا يزال دافئًا من أثر المعركة. كان المعبد قد انهار خلفه، وغبار الانفجار لا يزال يتصاعد من الحجارة القديمة التي غلّفت أحد أختام زوليث.
وقف مالفيرن عند حافة الصخر، ينتظره.
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت مبحوح: "لقد فعلتها. كُسر أول ختم."
اقترب منه آرين بصعوبة، كل خطوة منه تئن.
ردّ مالفيرن بنبرة هادئة، لكنها مشبعة بالقوة: "أنت تقترب من أن تصبح أكثر من مجرد أداة. أنت تصنع العالم الجديد معي."
نظر إليه آرين، في عينيه بقايا إنسان ضائع، وشيء آخر يتصاعد. شيء لا يعرفه بعد.
جلس مالفيرن على صخرة منخفضة، وأشار إليه أن يجلس.
قال: "زوليث لا يريد فقط أن يعود. بل أن يُفهم. أنت لا تعرف، لكن العالم هذا لم يُخلق من نور. وها نحن، نحاول أن نعيده إلى ما كان عليه. ليس خرابًا. بل صدقًا. من دون قناع النور الكاذب."
سكت لحظة، ثم أضاف: "لكن هذا العالم معقد. وسأقدم لك من يمكنها مساعدتك على رؤيته كما هو."
التفت مالفيرن، وقال: "سايليث. تعالي."
من بين ظلال الصخور، خرجت امرأة طويلة، شعرها بلون الفيروز القاتم يتلألأ كوميض بعيداً وسط غسق. كانت ترتدي رداءً رماديًا داكنًا، ملامحها هادئة للغاية، لكن عينيها؟ عيناها كانتا كمرآتين لا ترى فيهما سوى نفسك، مجرّداً من كل قناع.
وقفت أمام آرين بهدوء. ابتسمت، بصوت ناعم يكاد يكون همسًا: "تشرفت برؤيتك أخيرًا، آرين."
لم يرد. فقط حدّق بها.
آرين بينه وبين نفسه "هذه العيون. كأنها تحفر داخلي. ليست جميلة فقط. بل مرعبة، لأنها لا تظهر أي عاطفة. شعرها. فيه بريق غريب، لا هو أزرق ولا أخضر، كأنه لون غير موجود في هذا العالم. كل شيء فيها يدفعني إلى أن اقترب، وأهرب في الوقت ذاته."
قالت سايليث وهي تمشي بجانبه، تكاد تهمس في أذنه: "سمعت أنك من كسر الختم. قوة عظيمة. لكن القوة بلا فهم، تقتل صاحبها أولاً."
أرض "فالأورن"
اجتمعت القبائل الثلاث الكبرى: أوشتاك، تايرول، وإيثرا. وكانت إيلمارا في قلب الدائرة.
وقف أحد الفرسان وألقى الرسالة: "تم كسر أحد الأختام في معبد نيفالا الشرقي."
ساد الصمت، ثم قالت قائدة تايرول بصوت غاضب: "يجب أن نغلق باقي الأختام، نُرسل الحراس، ونحشد كل ما لدينا. ما يحدث ليس مجرد تمرد. إنه انبعاث قديم."
إيلمارا كانت صامتة، تراقب الخريطة أمامها، والخوف ينمو في قلبها، ليس من الأعداء. بل من الحقيقة التي بدأت تتكوّن.
في كهف بعيد
كان الكهف مظلمًا إلا من ضوء مشاعل خافت، والهواء فيه يحمل رائحة مزيج من البخور والدم القديم.
جلست سايليث على صخرة مستوية، ووضعت يديها خلف ظهرها. قالت: "أتعلم؟ لقد رأيت رجالاً أقوياء كثيرين، لكن أغلبهم يسقط؛ لأنهم لم يسألوا أنفسهم: لماذا؟"
تقدمت نحوه بخطى ناعمة، ثم رفعت يدها، ولمست صدره بخفة، مكان الجرح القديم. "هل تحس بهذا الألم؟ إنه ليس من جسدك. بل من داخلك. أنت تحارب شيئًا بداخلك أقوى من أي سيف."
اقتربت أكثر، همست قرب أذنه: "أستطيع أن أساعدك على فهمه. لكن فقط إن كنت مستعدًا. أن ترى نفسك الحقيقية."
ظلّ الصمت يعمّ الكهف. آرين جلس على الأرض، يحدّق في النار الصغيرة التي أشعلتها سايليث، وهي تتراقص كأنها تهمس بشيء لا يُفهم.
كان لا يزال يشعر بوخز أناملها على صدره، وكلماتها ترنّ في ذهنه. "أستطيع أن أريك نفسك الحقيقية."
رفع عينيه نحوها، كانت تنظر إليه بابتسامة خفيفة، أشبه بابتسامة شخص يعرف أكثر مما يقول.
قال: "ماذا تقصدين بكلامك؟ من أنا؟"
ردّت بهدوء، تميل برأسها كأنها تراقب طفلًا يتعلم أول خطواته: "أنت مشروع غير مكتمل. مخلوق بين نارين… نورٍ لم يكتمل، وظلامٍ لم يُستوعب."
اقتربت أكثر، جلست مقابله. "مالفيرن يرى فيك أداة. لكني أرى فيك فرصة. لعهد جديد، لا تحكمه الآلهة ولا الأشباح. بل إرادتك."
ارتبك آرين، شعر بشيء يتفجر في داخله. "ولِمَ تساعدينني؟ ما الذي تريدينه مني؟"
ضحكت سايليث، ضحكة قصيرة مثل كسرة زجاج: "حين يأتي الوقت، ستفهم."
ثم نهضت، وغادرت الغرفة الحجرية تاركة آرين وحده مع أسئلته. ومع النار التي بدأت تتغير ألوانها إلى أزرق داكن، كأنها تعكس أعماقه.
من جهة أخرى – في قاعة الأحجار السبعة، أرض قبيلة إيثرا
كانت القاعة تئنّ بأصوات السيوف والصرخات. التدريب على أشدّه. إيلمارا كانت تُشرف بنفسها على تمارين ليريا، التي أخذت تحمل السيف بقوة أكبر الآن، لكن نظراتها لا تزال تائهة.
قالت إيلمارا، وهي تمسك يدها وتصحّح وقفتها: "القتال لا يكون فقط بالعضلات، بل بالنية. النية هي ما تفصل بين القاتل والمحارب."
نظرت إليها ليريا بعينين دامعتين. "هل يمكن أن أنقذه؟"
توقفت إيلمارا، نظرت لها طويلًا. ثم قالت: "يمكنك فقط أن تواجهيه. والباقي. ليس بيدك."
في قلعة الظلال – مقر مالفيرن
كان مالفيرن يقف أمام مرآة سوداء، يرى فيها وجهًا غريبًا يتشكّل. قال بصوت منخفض: "الختم كُسر. وبدأ الحلم يتحقق."
ردّ عليه صوت زوليث، قادم من عمق المرآة، رخيمًا كالرعد الميت: "البوابة القادمة في الجنوب. ووقت الطوفان يقترب."
أغلق مالفيرن قبضته، وقال: "سأُرسل آرين. دعه يُنزف. دعه يُحترق. فهو لا يزال يحتاج أن يُكسَر قبل أن يُستَخدم."
نعود إلى الكهف – منتصف الليل
آرين كان نائمًا، يتقلب وهو يرى كوابيس متداخلة: أشباح من ماضيه، وجه والدته، أصدقائه القدامى، ليريا تنظر إليه بخوف… ثم مالفيرن، يتكلم باسم زوليث… ثم أخيرًا، وجه سايليث، تهمس: "هل تريد أن ترى الحقيقة؟"
استيقظ وهو يتصبب عرقًا.
كان الضوء الأزرق لا يزال ينبعث من النار… وسايليث تقف في زاوية الكهف، تراقبه دون أن تتكلم.