[داخل كهفٍ مظلم في جبال "تايرول"]

فتح آرين عينيه ببطء. كل شيء كان مشوشًا. رؤى متداخلة من معركة مضت، وجوه غاضبة، صرخات، نار. ثم ظلام.

حاول النهوض، لكن جسده خانَه، كأن كل عظمة فيه تعاقبُه على ما فعل. نهض قليلًا مستندًا إلى صخرة، يتنفس بصعوبة.

صوت خطوات.

ثم ظهر. مالفيرن ، يخرج من ظلال الجدار ككابوس حيّ، وجهه صارم، عينيه تقدحان شررًا.

"كنت أراهن عليك، يا آرين. وها أنت تخذلني أمام مجرد بشرية تُمسك سيفًا بيدٍ مرتجفة." قالها بصوت حاد، كمن يجلد بصمت.

حاول آرين أن يتكلم، لكنه فقط زمّ شفتيه، ينظر له بعينين داميتين. ثم قال:

"لستُ أنت. لا أستمدّ قوتي من صدى كائن مدفون في الرماد."

اقترب مالفرن، قبضته تهتز، لكن ما إن حاول آرين الإمساك به، اختفى. وظهر خلفه.

"أنت لا تزال ضعيفًا. أسير قلبك."

استدار آرين ببطء، وقال بصوت ساخر: "وهل أنت حر؟ أم مجرد عبد لتنينٍ يخاف أن يُنطق اسمه مرتين؟"

توقّف مالفرن، للحظة كأن الشرارة خمدت. ثم مد يده، وألقى بكيسٍ صغير أمامه.

"خذ هذه. ستعيد لك جزءًا من قوتك. ستحتاجها" ثم أدار ظهره، صوته انخفض: "لدي مهمة لك. لكن ليس الآن."

[في سهل "فالأورن" – مخيم القبائل المتحدة]

اجتمعت القبائل الثلاث: أوشتاك، تايرول، وإيثرا . خريطة ضخمة كانت مفروشة على الأرض، تحيط بها عشرات القادة، يخططون، يتجادلون، يرسمون محاور الهجوم، ونقاط الدفاع.

في الزاوية، كانت إيلمارا تمسك سيفين خشبيين، تدرّب ليريا بقسوة وانضباط.

ضربة، صد، دوران. ثم قالت:

"تردّدك سيقتلك. السيف لا يرحم من يشك في نفسه."

ردّت ليريا، تتنفس بثقل: " أنا لا أتردد… أنا فقط أحاول ألا أراه ."

"آرين انتهى." قالت إيلمارا ببرود. "من تبقّى ليس هو. واجهي الحقيقة، أو ستصبحين ضحية لها ."

صمت، ثم اندفع السيفان مجددًا.

[في كهف الظلال – مقر مالفرن]

جلس مالفيرن في قاعة ضخمة محفورة في عمق الجبل، أمامه كتب قديمة، وخرائط تتبع نقاط الختم.

اقترب آرين، وقد بدا أكثر تماسكًا، لكن نظراته لا تزال مشوشة.

"لقد حان الوقت لتثبت أنك أكثر من ظلٍّ مكسور."

أعطاه مالفيرن قطعة حجر محفورة بعلامة غريبة.

"اذهب إلى معبد 'نار إيفار'. هناك واحد من الأختام الخمسة. كسْره. سيكون أولى خطواتنا نحو العودة."

" وماذا يوجد خلف الختم ؟" سأل آرين، عينيه تضيقان.

" شيء… يشبهك. " قال مالفيرن بابتسامة باهتة.

خرج آرين من القاعة، والظلال خلفه تهمس باسمه.

[جبل معزول – جنوب مملكة تايرول]

وقف آرين أمام بوابة المعبد. بناءٌ أسود هائل نُحت من حجرٍ لا يشبه أي حجر آخر، ينبض بطاقة خافتة، وكأن الجدران نفسها تتنفس.

معبد " نار إيفار " – أحد الأماكن المحرّمة التي قيل أن الآلهة نسيت اسمها، لكن الأرض لم تنسَ الخوف منها.

أدار آرين قطعة الحجر بيده، وقد بدأ يشعر باهتزاز غريب من أعماق روحه كلما اقترب من البوابة.

وقبل أن يخطو، سمع صوتًا أجشًا: " ارجع ."

ظهر أول الحراس… "آشرا" – كيان مغطى بدرع طقسيٍ أسود، وجهه مغطى بقناعٍ معدني، يتصاعد منه دخان أحمر. يحمل رمحًا طويلًا، ينتهي بشفرة لها ثلاث رؤوس.

قال بصوت بارد: " هذه الأرض ليست لك. لا تنتمي لها، ولا لك الحق بلمس الأختام ."

آرين لم يرد، فقط أخرج سيفه، عينيه تقدحان ظلامًا.

اندفع "آشرا" بقوة، وضربته الأولى كانت كفيلة بشق الأرض، لكن آرين صدّها، تراجع خطوتين، ثم تحرّك بخفة لا تشبه البشر.

اشتعلت المعركة.

كل ضربة تصدر صدىً كأنها تدق على جدار العالم القديم. الرمح كاد يمزق صدر آرين أكثر من مرة، لكن الغضب في داخله كان يغلي، يقوده أكثر مما يفعل العقل.

ثم… عندما أُنهك "آشرا"، تراجع، وظهر خلفه حارسان آخران.

"توغرا" – أنثى ضخمة بعين واحدة، تحمل فأسًا نُحت من حجرٍ أسود، وكل خطوة منها تُحدث شقوقًا بالأرض.

و "زينو" – كائن طيفيّ، يشبه شبحًا ملفوفًا في طبقات من الضوء الأسود، لا يتحرك كالبشر، بل يطفو بين الهواء كصوت صلاةٍ قديمة منسية.

قال "زين" بصوت مزدوج: " إن كسر الختم… سيوقظ ما لا ينبغي له أن يصحو ."

ردّ آرين، وهو يجر سيفه فوق الأرض: " ليست مشكلتي ما ينبغي وما لا ينبغي… لقد اختارني الظل ."

وانطلقت الجولة الثانية.

دارت المعركة في بهو المعبد، جدرانه تنزف نورًا أرجوانيًا مع كل صرخة. لوهلة، لم يعد آرين إنسانًا. تحرك كأنه ظل متجسد. سيفه يُمزق، وعيناه تلمعان بكراهية مطلقة.

في النهاية، سقط الحراس الثلاثة واحدًا تلو الآخر.

وقف آرين، ينزف من كتفه، سيفه ملطخ بروح من لا يموت.

ثم… اقترب من بوابة حجرية مزينة بنقوش تنين مقلوب، يحيط به خمس نجومٍ مشقوقة.

مد يده المرتجفة، ووضع حجر الظل في المركز.

الهواء انكسر.

الأرض اهتزت.

صوت زئير بعيد. قادم من أعماق لم تُسمع منذ قرون.

بدأت البوابة تتشقق، والختم الأول. تحطّم.

2025/05/13 · 14 مشاهدة · 716 كلمة
SKARS
نادي الروايات - 2026