ساد الصمت على أطلال السهل المحترق بعد انسحاب آرين ومالفيرن، وكأن الرياح ذاتها ترفض أن تتنفس بين الجثث المتناثرة. كانت رائحة الحديد والرماد تعانق الهواء، بينما وقفت إيلمارا، مغطاة بدماء المعركة، تنظر إلى الأفق بعينين تملؤهما المرارة.
همس أحد القادة بجانبها "خسرنا الكثير" ، وهو يمسح سيفه المرتجف. لم ترد، فقط نظرت إلى الأرض تحت قدميها، حيث تجمّد دم أحد فرسانها المخلصين، وكأن الأرض رفضت ابتلاعه، لتبقي العار حيًا
جلس مجلس القبيلة في الليلة التالية وسط خيمة العرش، وجوههم متجهمة، وبعضهم يصرخ غاضبًا، وآخرون يبكون على من فقدوا. قالت إحدى القائدات "إنه لم يعد آرين.... ما واجهناه هناك شيء آخر." ردّ آخر "وهذا الآخر، اسمه مالفيرن، أليس كذلك؟ ذاك الذي نطق به التنين؟"
قبل أن يرد أحدهم، دخل رسول بسرعة يلهث، يحمل راية السلام وتحته ختم ثلاث قبائل: أوشتاك، تايرول، وإيثرا. فتح الرسالة، وقرأها بصوت مرتفع.
"إلى شعب ليرفال، لقد بلغنا ما حلّ بأرضكم. نحن لم نعد نرى الخطر قابعًا في أرضكم وحدكم، بل في هذا العالم بأسره. نقف إلى جانبكم، ونُرسل مددنا من الرجال والسلاح، وسننضم إلى حملتكم القادمة ضد الخراب القادم."
ساد الهمس بين القادة، ورفعت إيلمارا رأسها، وميض أمل خافت، كجمرة في رماد قلبها المحترق.
لكنها لم تكن مطمئنة في تلك الليلة، انفردت بنفسها في قاعة المخطوطات القديمة. أشعلت مشاعل الزيت، وبدأت تسحب الكتب القديمة من الرفوف. كتب نُهي عن قراءتها، ولفائف محجوبة ختمها الشيوخ القدامى.
" مالفيرن …" تمتمت. "اسم لا يظهر صدفة."
بدأت صفحات غبارية تكشف أسرارًا مظلمة: عن كائنات خدمة التنانين الأولى، عن كيان قُطع جسده بين الأزمنة وسُجن في أبعاد مظلمة، وعن نبوءة تحذر من "الظل الذي يعود بهيئة البشر" .
وكانت ليريا تنظف سيفها بصمت. يداها ترتجفان، وقلبها لا يزال متعلقًا بوجه آرين رغم كل شيء. "أنت ما زلت هناك تحت كل هذا الظلام." قالت بصوت مكسور، ثم حملت سلاحها وخرجت، تنوي أن تضع حدًا لهذا الصراع — حتى لو كلّفها ذلك حياتها.
تتجمّع القبائل في أرض تُدعى "فالأورن" ، وتبدأ الاستعداد لمعركة قادمة، لكن ما لا يعلمونه، أن مالفرين بدأ بكسر أول أختام سجنه
جذور الظلام
[مئات السنين قبل الأحداث الحالية]
الظلام كان سميكًا، يبتلع كل شعاع ضوء يحاول اختراقه. بين أنقاض معبد قديم مطمور تحت طبقات من الرماد والزمن، كان الشاب اليافع " مالفيرن " يسير بخطى واهنة، وجهه مغطى بالتراب والدم، وعيناه تعكسان انكسارًا تامًا.
كانت هذه الأرض تُعرف يومًا بـ" نيفالأور "، العاصمة الروحية لقبائل البشر القديمة، لكنها الآن خراب تام. خلفه، سقطت مدينته، قبيلته، أحباؤه، ودفن كل شيء تحت أقدام الجبابرة، بقيادة "التنين الأعظم".
سقط على ركبتيه أمام تمثال حجري ضخم مكسور لرأس تنين، ولكن حتى التمثال نفسه بدا وكأنه ما يزال يراقب.
قال مالفيرن، بصوت متشقق "لم يلبوا النداء… تركوني وحيدًا… الجميع… حتى الآلهة صمتت."
لكن في ذلك الصمت جاء صوت. ليس عبر الأذن، بل عبر العظم، الروح، الدم.
"هل تريد أن تفهم؟ هل تريد القوة؟"
ارتج جسده. "من؟"
"أنا ما يبقى بعد انطفاء كل شيء. أنا النار الأولى واكتمالها. أنا من يسجد له الإنس والملائكة والشياطين. أنا التنين…"
ظهر ظل ضخم خلف التمثال، كأنه صُنع من رماد ودم ونسيج الأحلام المحطمة.
اقترب مالفيرن، تردد، ثم سجد أمام الظل.
"علمني. اجعلني خادمك. فقط لا تتركني ضعيفًا مجددًا"
ضحك الظل، وكان لصدى ضحكته وقع الكارثة.
"ستصبح أكثر من خادم. ستكون البوابة التي أعود من خلالها."
انغرست أنياب الظلام في صدر مالفيرن، وصرخ. الدم انفجر من عينيه، جلده تشقق، لكن عقله… فتح. رأى العالم كما يراه التنين:
"الخراب هو الأصل."
"أنت تفهم الآن، مالفيرن وسيأتي اليوم الذي تفتح فيه الكتاب، ويعود الدخان ليخنق النور"
صمت التنين لحظة، ثم انحنى الظل فوق جسد مالفيرن الهالك، وهمس في أذنه
"احفظ اسمي يا عبد النار فحين يُقال، ترجف الجبال وتبكي النجوم."
"أنا زُولَيث."
[نعود إلى الحاضر]
جلس مالفيرن فوق برج صخري في حدود منطقة "تايرول"، بجانب جسد آرين المغمى عليه.
نظر إلى الأفق، ثم همس "اقتربت اللحظة، سيدي. اقتربت كثيرًا. وما كُتب بالدم... لا يُمحى بالنسيان."