في الجانب الآخر، وتحت ظلال الجبال الرمادية، وقف آرين على حافة منحدرٍ يُشرف على معبر " ڤارون "، حيث يمر الطريق الوحيد المؤدي من ليرفال إلى أطراف أراضي مالفيرن.
كان صامتًا، عيناه تراقبان المدى، ونبضه لا يدلّ على أي توتر. الهواء حوله ثقيل وكأن شيئًا غير مرئي يلتف بجسده. شعره الأبيض كان يلمع تحت ضوء الغروب، والهالة السوداء المحيطة به تتنفس ببطء ككائنٍ حي.
وراءه، ظهر مالفيرن . لم يكن جسدًا، بل ظلًّا يمشي، تنبعث منه همسات خافتة، كأنها نداءات من زمنٍ منسي.
" اقتربوا ،" قال الكيان بصوت خافت. " القبيلة تتحرّك نحونا، هذا وقتك يا آرين اجعلهم يرون من أنت ."
لم يرد آرين، لكنه أغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما وقد اشتعلت الحُمرة في بؤبؤيه، ضاقت كأنها خيوط جمرٍ مستقيمة.
عند معبر "ڤارون"، اصطدمت الجيوش أخيرًا. من جانب، كتائب ليرفال تتقدّم بتنظيم ونار الإيمان في صدورهم. ومن الجانب الآخر، خرجت مخلوقات الظل جنود مالفيرن. ليسوا شياطين تقليديين، بل أجساد ميتة تنهضها إرادة الخراب، أعينهم تتوهج بلون باهت، وحركاتهم تشبه الجنون.
بدأت الحرب بانفجار ضوء ودم.
الفرسان قاتلوا ببسالة، الكهنة استدعوا تعاويذهم النورانية، وقطعوا بعضًا من جحافل مالفيرن. بدا في البداية وكأن النصر ممكن حتى ظهر آرين.
هبط في ساحة القتال كوميض برق، واندلعت هالته في اللحظة ذاتها. وقف وحده أمام عشرات من جنود القبيلة ثم في ومضة، اختفوا.
سيفه لم يُرى، حركته كانت خاطفة، وعيناه كأنهما تتبعان كل خطوة قبل أن تحدث. في ثوانٍ، امتلأت الأرض بالجثث، والناجون يصرخون: "إنه هو! ذو الشعر الأبيض! إنه لعنة الخراب!"
حينها، وصلت ليريا.
رأته.
لم يكن آرين الذي درّبته. كان شيئًا مختلفًا أقرب للغريب، أو للمخلوق.
" آرين !" صرخت باسمه، وهي تتقدم رغم الدمار حولها.
التفت نحوها. في عينيه لحظة تردد.
" ليريا..... ." قالها بهمس، وكأن اسمها يُعيد له شيئًا مفقودًا.
لكن تلك اللحظة لم تدم. أرسل الكيان مالفيرن رسالة في ذهنه: "اختبرها اكسر ما تبقى منك"
اندفع آرين نحوها، لكن ضرباته لم تكن قاتلة. كانت قاسية، نعم، لكنها لا تستهدف القلب أو الرأس. كانت كمن يصرخ من الداخل ويطلب منها أن تردعه.
ليريا قاومت، وانهمرت دموعها. لم تفهم، لكنها شعرت أن ما أمامها ليس عدوًا تمامًا.
" لماذا لم تقتلني ؟" قالت بعد أن سقطت على الأرض متألمة، لكنه لم يُجب.
في الجانب الآخر من ساحة القتال، ظهر مالفيرن بشكل أكثر وضوحًا. تجسد جزء من قوته على هيئة رجلٍ طويل، لا وجه له، وتحيط به دخانٌ أحمر.
تقدم نحوه اثنان من قادة ليرفال، فرسان من النخبة، وضربوه بسيوفهم، لكن الضربات ذابت داخل جسده، كما لو كانوا يضربون ذكرى لا أكثر.
في لحظة، مدّ يده واختفى أحدهم تمامًا. أما الآخر، فقد سقط صارخًا والنار تلتهم روحه قبل جسده.
" هذا مجرد ظل ،" قال مالفيرن. " لم أبدأ بعد ."
بعد أن هدأت المعركة، كان المكان يعج بالأنين والدخان. آرين وقف بصعوبة، جسده أرهق من القوة التي استعارها.
ثم أغمي عليه.
استيقظ على صوتٍ داخلي مألوف. صوتٌ عميق قديم يخرج من أعماق روحه.
"تتعثر كالمعتاد،" قال التنين: "أنت جسدٌ هش يحمل نارًا لا يجب أن تُمنح لبشر. لكنك لست جاهزًا ليس بعد." صمت برهة ثم أكمل: "لن أسمح لمضيفي أن يموت قبل أن أتحرر. خذ هذا ولا تظن أني أعطيتك شيئًا"
وهجٌ عميق خرج من صدر آرين، يكسو عروقه بلونٍ أحمر قاتم، يضيء للحظة ثم يختفي، كما لو كان ومضة من قلب جحيم.
استعاد جسده بعضًا من عافيته، لكنه بقي فاقدًا للوعي. غطته سحابة من الغبار والدم والرماد وبينما الليل يسدل ستاره، اختفى مالفيرن في الدخان، تاركًا خلفه ساحة معركة نصفها موت ونصفها انتظار.
في أعالي مدينة ليرفال، اجتمع الشيوخ على الطاولة المقدسة، يحدّقون في الخرائط، ويتجادلون بين القتال والتفاوض، بين النور والعقل، وبين ليريا وآرين.
أما ليريا، فقد كانت وحيدة، تنظر من شرفتها نحو السماء، تتساءل:
"إن كان هذا هو آرين فمن أنا إذًا؟"
والسكون أجابها، كما لو أن القدر نفسه لم يعد يعرف الإجابة.
وقفت ليريا أمام إيلمارا. وجهها مشوّه بالكدمات، وصدرها يضيق بالأسى.
"رأيته، ولم أستطع لم أستطع إنهاءه." أغمضت عينيها، ودمعة سقطت: "لأن جزءًا منه ما زال آرين الذي أعرفه."
لكن في عيني إيلمارا، لم يعد هناك مجال للتردد.
"الخراب اقترب ونحن لا نملك إلا قلوبًا متصدعة، وسيوفًا لا تعرف الرحمة."
تقدمت جيوش قبيلة ليرفال عبر الأراضي الميتة، وعيونهم تشتعل بالغضب والخوف معًا. كانت الأخبار التي وصلت إلى إيلمارا كالصاعقة، والآن، هي في قلب العاصفة، تقود بنفسها الحملة نحو المنطقة التي شهدت مذبحة .
كان الهواء ثقيلاً، والسماء قاتمة، وكأن الأرض نفسها تعلم ما سيأتي.
وقف آرين في طرف السهل، هادئًا، جامدًا كأنه ظل لا يشعر بالريح ولا الوجود خلفه، تلوح بقايا القرية محترقة، دخانها الأسود يلوّن الأفق.
تقدمت إيلمارا، ممتطية حصانها الفضي، تتقدم الجنود والكهنة، وهالتها تتصاعد كضوء أبيض نقي يشقّ الظلام. توقف الجميع عند رؤيتها تنزل عن حصانها وتتجه وحدها نحو آرين.
"آرين!" صرخت بصوت هزّ الهواء. "إن كنت تملك بقايا من نفسك، فتراجع! لا تجعلني أرفع سيفي عليك."
رفع آرين رأسه ببطء. عيونه كانت حمراء، شعره نصفه قد تلوّن بلون الثلج، والهالة السوداء التي تحيط به كانت مشوشة، نابضة بشيء لا يمكن تفسيره.
"لقد تأخرتِ كثيرًا ،" قال بهدوء مريب. "لم يعد هناك رجوع."
تلاقت أنفاسهما في الفراغ ، ثم فجأة، انفجرت الأرض تحت قدميهما.
اندفع آرين أولاً، سرعته خارقة، لكن إيلمارا كانت قد استعدت سيفها المصنوع من ضوء سماوي ارتطم بسيفه المغطى بظلٍ أسود، وتصاعد الشرر بين قوتين لا تشبهان بعضهما.
ضربات، صرخات، صدى الهالة النقية يواجه الظلام الفاسد. كل تصادم كان يولّد دوياً يفتت الصخور، ويهزّ الجنود الواقفين بدهشة في الأطراف.
إيلمارا أطلقت هالتها كاملة — جناحين من نور خرجا من ظهرها، وعيونها أصبحت بلون الذهب النقي.
" ما هذه القوة ؟!" همس آرين ويتراجع خطوة. لكنه عضّ على شفته، ورفع يده، ومن صدره خرجت موجة سوداء، تشكّلت كأنها شجرة معكوسة، تتفرع من قلبه نحو السماء.
لكنه لم يكن مستعدًا بعد. ضربته إيلمارا في الخاصرة، فاندفع يتدحرج على الأرض، يتناثر دمه فوق التراب.
وقف بصعوبة، يتنفس بعنف، بينما يده تضغط على الجرح. ثم، وقبل أن تهاجمه مجددًا، تمزق الفراغ خلفه.
خرج مالفيرن من ظلال سوداء كثيفة، هادئًا، بوجهه الشاحب وعينيه التي تشبه العدم.
رفع يده ببطء، وقال: " يكفي، إيلمارا "
جمدت في مكانها، عيناها تتسعان عند رؤيته. " مالفيرن "
اقترب، ووضع يده على كتف آرين، ثم نظر نحوها.
" ألم تكوني الأذكى بينهم؟ لماذا تتصرفين كمن يجهل الحقيقة ؟"
شهقت، وسيفها يرتجف في يدها. " أنت كنت خادمه..... أداة الدمار. والآن تقود من جديد ؟"
ضحك مالفيرن بخفة، كأن صوت موته يُغني. " أنا لا أقود, إيلمارا. أنا أُعد المسرح "
ثم، وبغمضة عين، غمر الظلام المكان، واختفى هو وآرين معه.
تقدمت الجنود بعد أن انقشع الظلام، ليجدوا إيلمارا واقفة وحدها، تنظر إلى السماء.
شهقت، فقد كانت عيناها تمتلئ بالدموع.
" أقسم أنني لن أسمح له أن يسقط أكثر من هذا ولو اضطررت لإسقاط نفسي معه. "
وهدأ السهل، كأنه تنفس للمرة الأخيرة قبل أن تُكتب الفوضى من جديد.