في القصر الأعلى لقبيلة ليرفال، اجتمع الشيوخ حول طاولة من الحجارة السوداء، تتوسطها شعلة أبدية لا تنطفئ. كان الجو ساكنًا، حتى دخل أحد الكشّافين مسرعًا، وجهه شاحب، ملطّخ بدماء وطراب.

صرخ وهو يركع: "كارثة مذبحة في منطقة إيردين الجنوبية! الجثث في كل مكان نساء، أطفال، لا ناجين!"

ساد صمت ثقيل، ثم نهض الشيخ الأكبر ببطء، صوته كان كالنصل: "من فعلها؟"

رفع الكشاف عينيه المرتعشتين وقال: "لم نرَ القاتل، لكن آثار أقدام شيطانية، وهالة مظلمة غريبة. جنود الكيان كانوا هناك، لكنّ شيئاً آخر شيء أقوى."

ارتفعت همسات الغضب. أحد القادة ضرب الطاولة وقال: "هذه إهانة لقبيلتنا يجب أن نرد فوراً!"

بلا تردد، أُرسلت فرقة من نخبة محاربي ليرفال، مزوّدين بتعاويذ مضادة للهالات السوداء، إلى موقع المجزرة

وصل الجنود، وانتشرت أصوات خطاهم في الأرض الصامتة. الجثث مبعثرة، رائحة الموت تفوح. أحد القادة انحنى على جثة طفل، قبض على سيفه وهو يهمس: "سأجعلكم تدفعون."

فجأة، تحرّك ظل بين الأنقاض. أطلق أحدهم سهمًا لكنه لم يصب أحداً. ثم ظهرت أصوات خافتة ضحكات.

جنود الكيان كانوا يراقبون.

اندلع القتال، وسرعان ما اشتعلت الأرض بنيران السحر وتصدّعت الصخور تحت أقدام المحاربين. استطاع مقاتلو ليرفال قتل بعض الشياطين، لكنهم لاحظوا شيئاً غريباً...

"أين قائدهم؟ من يقود هؤلاء؟"

فجأة، انشق الهواء ظهر "الكيان"، عباءته السوداء تتمايل مع الريح، ووجهه مخفي تحت قناع مجوّف. اقترب من ساحة المعركة، ثم نظر خلفه وقال:

"حان دورك "

الرياح توقفت للحظة. ظهر "الكيان" أمام أنظار جنود ليرفال، وخلفه كان ظل يتقدّم ببطء، خطواته ثقيلة كأن الأرض ترفض أن تحمله.

اقترب أحد قادة ليرفال، رجل ذو شعر فضي وعينين كالسيوف، ثم شهق بشدة حين رأى وجه الكيان.

"أنت...... مالفيرن؟" صوته كان مزيجاً من غضب ودهشة

ضحك الكيان، ضحكة خافتة تحمل سمّاً ومرارة: "لم أتوقع أن تبقى حيًا يا راجِن لكنك كنت دائمًا عنيدًا"

صرخ القائد راجن: "كنت خادمًا للعهد الأول كيف تنقلب؟! ألم تقسم على حماية التوازن؟!"

اقترب مالفيرن خطوة, وقال بصوت بارد: "أقسمت لحمايته ولقد عاد."

وقبل أن يُكمل، انشقّ الظل خلفه فجأة، وانطلق شيء بسرعة البرق نحو الجنود.

كان آرين.

وجهه لا يظهر بوضوح، مغطى بظل قاتم، لكنه كان يركض لا، يطير! وسيفه يسحب معه شرراً أسود، وعيناه بدأت تتحوّل. شعره بدأ يتوهج بين الأحمر والفضي لم يستقر، لكنه كان يتغير .

أحد الجنود حاول التصدي، فُصل جسده نصفين قبل أن يلمح حتى السيف.

"إنه ليس بشريًا!"

صرخ آخر، لكن الصراخ اختفى بسرعة.

بين لحظة وأخرى، توقفت أجساد كثيرة، سقطت أرضاً. ثم

آرين وقف في وسط الدماء، عيناه حمراوان بالكامل، بؤبؤاه كشقّين عاموديين كعيون التنين، وهالة مظلمة تتفجّر من جسده.

جنود ليرفال بدأوا بالهرب، مرعوبين، لكن آرين قال بصوت عميق، مشوّه، كأنه صوتان في جسد واحد:

"أنتم لم تروا بعد من أنا"

وواصل الهجوم. قتلهم بسرعة مخيفة، البعض انهار، البعض فرّ، لكن ثلاثة فقط نجوا وعادوا ركضاً لإبلاغ الشيوخ

حين سقط آرين بعد انتهاء القتال، ركع على ركبتيه، ينزف، أنفاسه تحترق أغلق عينيه.

ومن داخله نهض صوت.

"لازلت فاشلاً، آرين لكني لن أسمح لك بالموت بعد."

ظهر ظل على شكل تنين خلفه، ليس بكامل جسده فقط عينه الحمراء العملاقة وابتسامة ساخرة.

"خذ هذا القليل وابقَ حياً، حتى يحين وقت انبعاثي."

انتقلت شرارة حمراء من داخله، ثم سقط آرين مغشياً عليه. اختفت الهالة، عاد شعره كما كان، وعيناه أغلقتا.

في قاعة الاجتماعات المقدسة في قلب أراضي قبيلة ليرفال، احتشد كبار القادة والشيوخ حول المذبح الحجري، تتطاير شرارات الغضب في أعينهم، وألسنة اللهب تتراقص داخل المشاعل القديمة التي لم تُطفأ منذ قرون.

دخل أحد الكشافة راكضًا، ووجهه مغطى بالغبار والدماء.

قال بصوت متقطع: "المنطقة الغربية دُمّرت. سكانها قُتلوا بلا رحمة، ووجدنا آثار طاقة شيطانية مروّعة لم يبقَ سوى حفنة من الناجين."

تقدمت القائدة

إيلمارا

، بعينيها المتوهجتين بالغضب والذهول: "من فعل هذا؟ هل هم بقايا شياطين الفوضى؟"

هز الكشاف رأسه وقال ببطء: "ليسوا وحدهم كان بينهم بشرٌ مشوهون، يتصرفون كأنهم أدوات في يد كيان واحد وسمعنا أحدهم يهمس باسمه قالوا:

مالفيرن أمر بذلك

."

ساد صمت ثقيل في القاعة، كأن الزمن توقّف للحظة.

همس أحد الشيوخ، وصوته يخرج من خلف اللحية البيضاء المرتجفة: "مالفيرن هل عاد؟ ذاك الذي خُتم خارج الزمن؟ خادم التنين الأعظم؟"

ضربت إيلمارا يدها على الطاولة: "إذا كان هذا صحيحًا، فنحن لا نواجه مجرّد تهديد عابر نحن نواجه عودة الخراب نفسه."

رفعت نظرها، وقالت بنبرة حازمة: "اجمعوا الفُرسان، استدعوا كهنة الضوء، وابحثوا عن هذا المسمّى آرين إن كان أداة بيد مالفيرن، فلن أتردد في إنهائه، حتى لو تمزق قلبي."

عند ليريا

في قاعة المخطوطات، كانت ليريا تقرأ تقريرًا وصل للتو. يدها بدأت ترتجف، والدمعة نزلت دون أن تشعر.

همست لنفسها: "هل هل فعلاً هذا هو آرين؟"

نظرت من النافذة، قلبها مثقل. شيء في داخلها بدأ يتكسّر.

"هل يجب أن أقتله؟ لكن لماذا قلبي يرتجف؟"

(عبور الظل)

كان الفجر لم يشرق بعد حينما صدحت الأبواق في أرجاء العاصمة، نذير حرب لا يقبل التأجيل. في ساحة التجمع الكبرى، اصطفت وحدات فرسان النور بأرديتهم البيضاء، وسيوفهم التي تنبعث منها هالة ذهبية خفيفة. خلفهم، وقفت كتيبة كهنة الضوء، يحملون عصي الطقوس، ويهمسون بتعاويذ حماية على أرواحهم.

خطت إيلمارا إلى مقدّمة الصفوف، وجهها لا يزال يحمل آثار الصدمة من الاجتماع الأخير. "لا رحمة اليوم، ولا تردد. إن كان آرين حقًا خادماً للخراب، فسنقطعه من الجذر، قبل أن ينمو إلى لعنة أبدية."

وسط الجنود، تقدّمت ليريا وجهها شاحب، وعيونها محمرة من قلة النوم. أمسكت بخنجرها، ثم رفعت رأسها لتقول بصوتٍ خافت، لكن واضح: "أنا قادمة."

نظرت إليها إيلمارا بحدة: "هذا ليس وقت العاطفة، ليريا. إذا واجهتيي لا تترددي."

لكن ليريا لم تُجب. في أعماقها، اشتدّ الصراع: بين من دربته، ومن كانت تؤمن بأنه سيصير منقذًا وبين ما رأت من أخبار ودمار، وآخرها أنباء من ناجين عن فتى بشعر أبيض وعينين من لهب يحمل الموت في خطواته، والشك في صمته.

مع أول خيوط الشمس، تحرّكت الحملة.

غادرت جحافل ليرفال بوابات العاصمة، تشقّ الطريق نحو معبر "ڤارون" (غابة كثيفة تقع على الحدود بين أراضي ليرفال والخراب القديم)، وتبدأ معركة لن يُنسى صداها في الأزمنة القادمة

2025/05/12 · 20 مشاهدة · 927 كلمة
SKARS
نادي الروايات - 2026