الفصل المئة وخمسة : ضد ملك الأرواح [5]

________________________________________

لم يمضِ وقت طويل بعد أن اشتبك أعضاء مجموعته مع سادة الرفقاء الجوّفون، حتى قبض ديون على رمحه والتفت بعيدًا عن جثة سيلاست المحترقة نحو ساحة المعركة. هناك، رأى سيد رفيق أجوف يقترب منه ببطء هو الآخر.

بيد أن عينيه اتسعتا فزعًا وارتعش جسده حين أبصر وجه تلك الهيئة أخيرًا.

كان للفتى نفس الشعر الفضي الجميل، والعينين الرماديتين الثاقبتين، ونفس البشرة السمراء الفريدة التي تميّز ديون.

“أ... أخي؟”

شعر ديون فجأة بوهن في قبضته على رمحه، وهو يحدق في العينين الأجوفتين لأخيه الأصغر.

انهمرت في ذهنه سيول من التساؤلات.

بالطبع، كان يعلم أن أخاه الصغير قد عبر الستار معه أيضًا. فكلاهما كان طالبًا في السنة الأولى وفي الفصل ذاته. حتى إنهما عبرا معًا، لكنهما تفرقا بعد العبور. كان ديون يدعو الأسياد السماويين بصمت كل يوم، متمنيًا ألا يكون أخوه الأصغر قد لاقى سوء حظه، بل وصل إلى بستان الدمى سالمًا.

رؤية أخيه يظهر فجأة أمامه الآن كتابع لمهاجم عشوائي، كانت كحد شفرةٍ مسننة تخترق قلبه.

'كان هذا كابوسًا.'

“ما هذا؟ ما... ما الذي حدث، برايان؟” تمتم ديون بهذيان، وصوته يرتجف وهو يخطو خطوة مترددة نحو الفتى المقترب.

في تلك اللحظة، توقف برايان أثاماس فجأة ووجّه السيف القصير الذي كان يمسكه في يده نحو ديون، مما أجبره على التوقف. ثم تكلم بصوت أجوف ومشوّه.

“مرحباً بك في مدرجي الكبير.”

وما كاد يتفوه بكلماته حتى بدأت زوبعة هائلة من الرمل الناعم تدور حول هيئتي برايان وديون. في اللحظة التالية، ابتلعتهما الرمال واختفيا، ليظهرا فجأة في قلب مدرجٍ هائل.

وقبل أن يتمكن ديون من استيعاب ما حدث، انهالت عليه هتافات الآلاف من المتفرجين الصاخبة.

فتح عينيه ببطء، يحميهما من وهج الشمس المتأججة في العلياء، ثم جال بنظره حول المدرج المألوف.

ثم انتقلت نظرته من الآلاف المحتشدين إلى ساعة رملية عملاقة تحوم في الهواء عاليًا فوق مركز ساحة النزال. كان الرمل بداخلها قد بدأ يتسرب بالفعل. [ ترجمة زيوس] شحب وجه ديون وهو يدرك على الفور أين هو وما الذي يجري.

“لا، يا أخي. توقف عن هذا. استفق! إنه أنا... ديون!” بدأ يتعثر إلى الأمام، والدموع تنهمر على خديه. “ألا تعرفني؟ ماذا حدث لك؟ لمَ تفعل هذا؟!”

لم يُجب برايان، واكتفى بالنظر إلى ديون بينما بدأ درع برونزي ثقيل، وخوذة عالية القمة، وواقي ذراع سميك، ودرع ساقين مصقولة تتجسد فجأة على جسده. ثم دارت دوامة من الرمل وتصلبت حتى تحولت إلى درع دائري، التصق بذراعه اليسرى.

بينما كان هذا يحدث، ظل صوت إينو يتردد في رأس ديون: 'هي، ديون. ديون استمع إليّ. ديون؟'

لكنه كان مفطور القلب وما زال تحت وطأة الصدمة بحيث لم يسمعها.

عندما أصبح برايان مجهّزًا بالكامل، نظر إلى ديون الباكي وأمال رأسه. ثم رفع سيفه القصير وتحدث قائلًا: “هذا نزال حتى الموت. والقاعدة التي وضعتها لهذا النزال هي: ممنوع استخدام المهارات الحصرية.”

في هذه اللحظة، بدأت إينو بالذعر. حتى ديون تجمد، وقد غلب عليه الرعب فجأة.

كان هذا المدرج بأكمله هو قدرة رفيق برايان، وتُدعى ساحة المصارع.

كانت قدرة رفيقه تخلق مدرجًا هائلاً في بعد منفصل، حيث يمكنه جر خصمه إليه. كما أتاحت له قدرة الرفيق وضع قاعدة واحدة في كل مرة يجلب فيها خصمًا إلى هناك. وكما هو الحال مع جميع قدرات الرفيق، كانت السلطة والقوانين المتعلقة بها نهائية، لذا، كانت الطريقة الوحيدة للخروج من ساحة المصارع هي إما الفوز بالمبارزة أو أن يختار برايان طردك بنفسه.

مثل معظم قدرات الرفيق، كان ثمن استخدام هذه القدرة يُدفَع بعد التفعيل، وهذا ما جعله قادرًا على استخدامها الآن. كان الثمن الذي دفعه برايان لاستخدام ساحة المصارع هو أنه بعد انتهائه من النزال وخروجه من الساحة، ستصل جميع احتياجاته الجسدية إلى أقصى حدها. فسيشتهي الطعام والماء وشهواته الجسدية دفعة واحدة ليوم كامل، لدرجة فقدان عقله ككلب مسعور.

كانت إينو وديون يعلمان شيئًا عن قدرته، فقد سبق له أن أحضرهما إلى ساحة المصارع ليريهما قدرة رفيقه. حينها، كانت الساعة الرملية الضخمة المعلقة في الهواء فوق المدرج لا تزال ثابتة.

شرح برايان أنها لا تبدأ في التحرك إلا بعد تحديد نزال حتى الموت. فإن لم يتمكن الخصم من قتله قبل نفاد الرمل، سيموت الخصم تلقائيًا.

وبما أن الساعة الرملية كانت تستنزف حاليًا، وقد أعلن برايان عن نزال حتى الموت، فقد كان واضحًا أنه ليس على ديون قتل أخيه للبقاء على قيد الحياة فحسب، بل عليه أن يفعل ذلك قبل نفاد الرمل المعلق في الأعلى.

لكن المشكلة كانت...

لم يستطع ديون أن يجبر نفسه على قتل أخيه الأصغر الذي أقسم على حمايته.

“لا... لا، لا... لا يمكن أن يحدث هذا،” تمتم ديون، وصوته متقطعًا وهو يتراجع خطوةً مترنحة.

بدأت أفكاره المتوترة تتحول من التساؤل عمّا حدث لأخيه بالضبط، إلى ما يجب عليه فعله لإخراجه من هذه الحالة.

“أنا... أه... أحتاج لإيجاد طريقة لإيقاظك من هذا،” تمتم لنفسه بهستيريا.

بما أنه لم يكن يعرف الطبيعة الدقيقة لقوة يامي، فقد ظن على الأرجح أن أخاه كان تحت تأثير نوع من قدرات التحكم بالعقل... أو شيء مشابه.

حقيقة أن أخاه قد رحل حقًا... وأن أخاه الآن مجرد روح مشتتة بلا وعي لم تخطر بباله إطلاقًا.

حتى فجأة، خبت جميع الهتافات في ساحة النزال. تجمد الآلاف من المتفرجين المنحنين في المدرجات، وكأن الزمن قد توقف، وسيطر صمت ثقيل على المكان.

ثم رن صوت أنثوي فجأة في أرجاء ساحة النزال الواسعة: “ديون...”

عند سماع الصوت، جالت عينا ديون في الأرجاء بهستيريا. ثم نظر إلى الأعلى نحو المنصة العالية. “أتلك أنتِ، لانيسترا من لودوس سانجوينيس؟”

كانت لانيسترا من لودوس سانجوينيس هي لقب رفيقة برايان. وبالنظر إلى المتفرجين في المدرجات والساعة الرملية في الأعلى التي تجمدت جميعها، أدرك ديون فورًا أن هذا من فعلها.

“ما هذا؟ أخبريني، ما الذي يحدث لبرايان!”

لم يكد يصرخ بذلك حتى رن الصوت مرة أخرى على الفور، متحدثًا بسرعة فائقة: “استمع لما سأقوله باهتمام. برايان قد رحل. عليك قتله. عليك قتلنا.”

“ما... ماذا؟! ما الذي تقصدين...” قاطعها ديون.

لكن الصوت استمر بسرعة أكبر. “لقد اقترب ذاك الطالب الغريب من مجموعتنا. سمحنا له بالانضمام إلينا، فقط ليهجم علينا بينما كنا مصابين بعد معركة مع بعض المخلوقات. لا أعلم ما فعله، لكني لم أعد أشعر ببرايان. برايان والجميع رحلوا. الجميع الآن تحت سيطرته. لا تستطيع الرفيقات قتل حامليها، ولذلك نحن عالقات مع حاملينا رغم أنهم لا يملكون أي وعي. من فضلك، يجب أن تنهي هذا... يجب أن تنهي...”

كانت لا تزال تتحدث بيأس عندما تحدث برايان... أو بالأحرى يامي من خلال برايان، فجأة قاطعًا إياها: “هي، ما الذي تظنين أنك تفعلينه؟”

رفع نظره نحو المنصة وتحدث مرة أخرى بنفس الطريقة المقشعرّة للبدن: “اخرسي أيتها الحقيرة.”

في اللحظة التي تحدث فيها، اظلمت عيناه وعاد كل شيء في ساحة النزال إلى الحياة. عادت هتافات الحشد بكامل قوتها، وبدأ الرمل في الساعة الرملية في الأعلى يتدفق مرة أخرى. ثم حول نظره مرة أخرى نحو ديون، الذي كان متجمدًا في مكانه، وعقله يكافح لاستيعاب كل شيء.

في تلك اللحظة، سقطت قطعة قماش بيضاء فجأة في ساحة النزال من المنصة. وما إن لامست الرمال، حتى انقض برايان عليه.

'ديون!'

صرخة إينو المذعورة أيقظت ديون لحظيًا من ذهوله، واتسعت عيناه وهو يدور متفاديًا النصل. بيد أن برايان لم يفوت الفرصة وضربه بالدرع، قاذفًا ديون على الرمال.

'هي، استفق يا ديون!'

صرخت إينو بينما كان ديون يتراجع على ظهره، يلفظ الرمل من فمه.

'أرجوك... ديون، استمع إليّ. عليك أن تسيطر على نفسك. لقد سمعت ما قالته، برايان قد رحل. إن لم تسيطر على نفسك، فسنموت كلانا.'

أنزل برايان سيفه القصير مرة أخرى. هذه المرة، كان قريبًا جدًا من القضاء على ديون. تمكن ديون بالكاد من التدحرج جانبًا، فدفن النصل نفسه عميقًا في الأرض، مطلقًا الرمال في الهواء.

“آه!” لهث ديون وهو يحاول النهوض على ركبة واحدة بعد التدحرج، لكن برايان عاوده السحق بالدرع، مرسلًا إياه يتدحرج إلى الخلف ويتقلب في التراب.

“ماذا علي أن أفعل، إينو؟” تمتم ديون مخنوقًا وهو يحاول الزحف. كانت عيناه غير مركزتين ووجهه مغطى بالدم والأوساخ. بدأت الدموع ترسم مسارات عبر التراب على خديه وهو ينظر إلى القشرة الفارغة لأخيه. “لا أستطيع... لا أستطيع...”

كان لا يزال ينتحب عندما صرخت إينو فجأة: 'الغضب. هذا ما عليك فعله. إذا كان أخوك قد رحل حقًا، فلتطلق غضبك على الطالب الذي فعل هذا. انتقم لأخيك.'

ازداد صوتها حدة: 'لكن قبل ذلك، عليك أن تنجو.'

_________________________________

ما تقرأه هنا حكايةٌ من خيال المؤلف، للمتعة لا للاعتقاد.

وفي رمضان، اجعل قلبك للقرآن أولًا، وصلاتك في وقتها، واذكر الله كثيرًا… ثم اقرأ ما شئت في فراغك. بارك الله أيامكم ولياليكم — زيوس

------

قناتي في التليجرام لنشر اخر اخبار رواياتي واعمالي الجديدة تفوتكم!

ومن خلالها تستطيع طلب رواية مني لترجمتها! معرف القناة: @mn38k

2026/03/23 · 56 مشاهدة · 1334 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026