كانت الكلمات التي قلتها لأمير دي في غاية البساطة:
" صاحب السمو، هذه المنطقة مليئة بالجبال الشاهقة و التلال شديدة الانحدار، لا بد أن هناك طرقًا بديلة يمكننا استخدامها كطرق التفافية، و حتى إن لم نعثر على طريق جانبي، يمكننا التظاهر بأننا نعتزم الالتفاف حول الممر، و إغراء العدو بالمعركة، مما سيُغري العدو بالخروج للقتال، نحن لا نخشى المحاربين الشجعان و الأكفاء، إنما نخشى فقط من يصرّون على الدفاع عن المدينة دون نية في الخروج منها، بدلًا من الاستمرار في حصار المدينة بالقوة، سيكون من الأفضل أن نستدرجهم إلى الخارج، علاوة على ذلك، بما أن تيان وي قائد بارع، فمن غير المرجح أن يرضى بالاكتفاء بالدفاع عن المدينة فحسب "
مع أنني لم أقدم سوى فكرة، إلا أن أمير دي، بصفته قائدًا خبيرًا، فهم الأمر تمامًا فورًا، علاوة على ذلك، كان من المستحيل علينا الاستيلاء على المدينة اليوم، كان من الأفضل العودة إلى معسكرنا لمناقشة الأمر باستفاضة.
بالطبع، الاجتماع التالي، لم أتفوّه بكلمة، كنت لا أزال غير متمرس في الشؤون العسكرية، كنت ماهرًا فقط في تحليل المعلومات الاستخباراتية، معتمدًا على مزيج من خبرتي و معرفتي، إلى جانب ذلك، كان رونغ يوان مستاءً مني بالفعل، ولو واصلت الظهور والتصدر، لكان ذلك بمثابة صبّ الزيت على النار و زيادة في حنقه، كان من الأفضل إهانة رجل نبيل من إهانة شخص حقير، تذكرت هذه الحقيقة جيدًا.
لكن هؤلاء المساعدون كانوا جميعًا أكفاء، قدمت اقتراحًا بسيطًا و تمكنوا من النظر في جميع أنواع السيناريوهات قبل إصلاح أيّ ثغرات ممكنة، توصلوا إلى ثلاث خطط قبل أن يستقروا في النهاية إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ، كلما راقبتهم أكثر، زاد اعجابي لهم، ربما لأن إعجابي كان واضحًا أكثر من اللازم، بدا أن المساعدين أصبحوا محرجين بعض الشيء، حتى النظرات التي رمقني بها رونغ يوان علي أصبحت أكثر لطفًا.
في اليوم التالي، أرسل أمير دي جنودًا في كل الاتجاهات لجمع الحطب، محاولين إيجاد طريق بديل، ثم أمر نصف الجنود المتبقين بالبقاء في خيامهم للراحة، بينما وقف باقي الجنود بثبات في تشكيل مواجه لولاية با، لا يهاجمون و لا يتراجعون، كانوا يتظاهرون أحيانًا بالهجوم، و ما إن ترد الحامية داخل المدينة، حتى ينسحبوا على الفور،
و بعد الظهيرة، كان الجنود الذين استراحوا يتبادلون المواقع مع من كانوا يواجهون ولاية با.
في اليوم الثالث، بدأ جنود تشو الجنوبية، الذين تظاهروا بالهجوم على ولاية با، ينشطون، و إذا لم يكونوا يحفرون الخنادق، كانوا يتدربون و يحفرون لتقوية عظامهم و عضلاتهم، كما دُقّت طبول حرب الجيش أمام المدينة، و كان الجنود يقرعون طبول الحرب و يهتفون كل ساعة.
في اليومين الرابع و الخامس، ازداد إرهاق الحامية وضعفها. ورغم أن ولاية با كانت مدينة استراتيجية مهمة و بوابة لمملكة شو، إلا أن المدينة لم يكن بها سوى عشرة آلاف مدافع بسبب العلاقات الودية بين تشو الجنوبية و شو، و نتيجة لذلك، لم يكن هناك ما يكفي من القوات.
في اليوم السادس، بدأت قوات شو داخل المدينة تشعر بالقلق، و تلقّت عمليات البحث أخبارًا سارة، إذ عثر جنودنا على طريق ضيق يسمح لنا بالالتفاف حول ولاية با.
في هذا الوقت، بدأ الجزء الثاني من خطتنا، بدأ جيش تشو الجنوبية بتجميع قواته، مُجهّزًا المشاة و الفرسان استعدادًا لشن هجوم جديد، سرعان ما ساد التوتر في الحامية، و شُوهد رجال إضافيون على الأسوار.
مع حلول الليل، بدأ جنود تشو الجنوبية بالانسحاب بهدوء، اكتشف جواسيس شو ذلك، و استنتجوا سريعًا إلى أن جيش تشو الجنوبية يُجهّزون للالتفاف حول ولاية با، و بالنسبة لجنود شو، كان التفاف العدو حول المدينة بمثابة قطع طريق انسحابهم و خط إمدادهم.
لكن تيان وي الذي كان يمتلك طباعًا حادة و ميلًا للحرب، لم يختر الدفاع الصارم إلا لعدم كفاية عدد قواته، فتشو الجنوبية كانت تمتلك خمسين ألف جندي، وهم من نخبة القوات، مما وضع ضغطًا كبيرًا على تيان وي.
في الأيام القليلة الماضية، لاحظ وجود خطبما،ا ناقش الأمر مرارًا مع مرؤوسيه، و اتفق الجميع على أن جيش تشو الجنوبية ستقوم حتمًا بالالتفاف حول ولاية با.
و قد اقترح بعض الجنرالات أنه في حال التفاف جيش العدو، ينبغي مهاجمتهم من الخلف.
و إن دُمّر جيش تشو الجنوبية، فإن ضباط و جنود ولاية با سيُكافؤون، أما إن فشلوا، فسيتعرضون للعقاب.
و قد زرع هذا الأمر ظلالًا من الشك و الخوف في قلوب المدافعين عن المدينة.
أخيرًا، أصدر تيان وي الأمر بمهاجمة قوات إمداداا تشو الجنوبية، بينما كان جيش تشو الجنوبية لا يزال يلتف حول ولاية با.
بالنسبة لقوات تشو الجنوبية البالغة خمسين ألفًا و التي سلكت الطريق الجانبي، فقد كانت وتيرة تقدمهم بطيئة جدًا، لم يمضِ وقت طويل حتى تمكن تيان وي من اللحاق بهم، صاح بصوت جهوري، و هو يلوح بالسيف العريض في يده:
" أيها اللصوص من تشو الجنوبية! إلى أين تظنون أنفسكم ذاهبين؟ "
و بينما كان يزمجر، قاد خمسة آلاف فارسٍ مُهاجمًا مؤخرة جيش تشو الجنوبية كالسيف، تشتت جيش تشو الجنوبية و بدأوا في الفرار، عندها أمر تيان وي مرؤوسيه بحرق عربات الإمداد، في لحظة، اشتعلت النيران من كل جانب، وسط النيران، ضحك تيان وي بصوتٍ عالٍ. أصدر الأمر بمواصلة الهجوم، عازمًا على القضاء على جيش تشو الجنوبية تمامًا.
في تلك اللحظة، كشفت قوات تشو الجنوبية المتفرقة عن فرقة من المشاة ذوي الدروع البيضاء، تتقدم بثبات نحو تيان وي، شعر تيان وي بالقشعريرة في جسده، فقد تعرف على هذه الفرقة من الجنود: أنها الحرس الشخصي لأمير دي، و المكلفين عادةً بحماية مركز الجيش، ظهورهم هنا - هل كان هذا فخًا؟
فحص تيان وي محيطه، كانت النيران التي تحرق عربات الإمداد قد انطفأت بالفعل، خلف المشاة المتقدمين، استطاع تيان وي رؤية راية تحمل الحرف "تشاو" مطرز عليه تنين، كان تيان وي قلقًا و متوترًا، إذا كان هذا كمينًا، فإن النتيجة الوحيدة ستكون الهزيمة.
لكنه سرعان ما تملكه الطمع، كان الجنود أمامه هم الحراس الشخصيون لأمير دي، هذا يعني أن أمير دي كان على الأرجح قريب و كانت لديه الفرصة لاغتيال أمير دي، غير قادر على مقاومة هذا النوع من الإغراء، أصدر تيان وي الأمر بالتقدم.
على الرغم من تفوق فرسان تيان وي، إلا أن مشاة تشو الجنوبية كانوا مدربين على قتال الفرسان، ركع الصف الأول و مدّوا رماحهم إلى الأمام لمواجهة الفرسان، و خلفهم، صقل الجنود أقواسهم و أطلقوا السهام، و استغلوا ضيق الممر لإعاقة هجوم تيان وي، بعد اشتباكٍ طويل، أدرك تيان وي استحالة النصر، فأمر بالانسحاب.
استطاع فرسان شو أن ينسحبوا بسرعة و يبتعدوا عن ميدان القتال، لم يمض وقت طويل حتى صاروا بعيدين، ابتهج تيان وي، كان هذا، على أقل تقدير، انتصارًا صغيرًا.
لكن ما أن انسحبوا اثنا عشر لي، تعرضوا لهجوم مفاجئ من قبل قوات تشو الجنوبية من كلا الجانبين، حوصر تيان وي في المنتصف، و لم يكن بإمكانه سوى أن يأمر قواته بالركض في الممر و مواصلة الانسحاب، كان تيان وي خائفًا، على مدى اثنا عشر لي، تعرضوا لكمين مستمر من قِبل قوات تشو الجنوبية، وعلى الرغم من عدم وجود الكثير من جنود تشو الجنوبية، إلا أنهم أطلقوا النار على الفرسان المنسحبين من داخل الغابات الكثيفة أو خلف الصخور الكبيرة، إذا لم يكن هذا واديًا جبليًا؛ فمن المحتمل أن يكون قد تم إبادة عدة آلاف من الجيش التابع لتيان وي، استغرق الأمر أكثر من ساعة قبل أن يلمح تيان وي أخيرًا ولاية با، لم يتبق لديه سوى ثلاثة آلاف فارس.
بمجرد وصوله إلى المدينة، رأى تيان وي راية شو الحمراء النارية تُنزل من الأسوار، بينما كانت راية التنين الصفراء لأمير دي تُرفع ببطء، راقب تيان وي جنود شو على الأسوار يُقطعون، و في وسط ومضات السيوف الباردة، لمح تيان وي شخصًا بدا في غير مكانه تمامًا، بدا ذلك الشخص، الذي كان يرتدي رداءً خفيفًا، و كأنه عالم شاب، و كان يحدّق فيه مباشرة بعينين ملؤهما الشفقة، وسط الدماء و النيران، كانت ملابسه نظيفة تمامًا، وقف على قمة الأسوار، و مع ذلك بدا أن هناك مسافة تفصله عن جنود تشو الجنوبية الآخرين، بدا و كأنه طيف من أشباح ساحة معركة.
-
قبل انتهاء الحصار، تسلّقتُ أسوار المدينة، هذه المرة، بناءً على نصيحتي، خلّف جيش تشو الجنوبية عشرة آلاف رجل، كان هذا أمرًا خطر ببالي بعد المؤتمر و أنا أقرأ الكتيبات العسكرية قبل أن أنام مباشرةً، و وافق عليه أمير دي بسرعة.
بينما كنا نحفر الخنادق، حفرنا أيضًا عددًا من الحفر الكبيرة، و في الوقت نفسه الذي كنا نتظاهر بالالتفاف حول ولاية با، اختبأ عشرة آلاف جندي داخل الحفر.
كانت الحفر مغطاة بالقماش المشمع و عليها طبقة من التراب، لم يلحظ جواسيس العدو سوى أن معسكراتنا كانت خالية، دون أن ينتبهوا إلى تلك الحفر التي استخدمناها لإخفاء الجنود.
بعد أن قاد تيان وي فرسانه خارج المدينة، استغللنا تراخي الحامية و شننا هجومًا على الفور، هُزم المدافعون المتهاونون بسرعة.
تسلّقتُ الأسوار لأشهدَ نهايةَ هذه المعركة، و لأنني كنتُ خارج المدينة مع المساعدون الآخرين، تظاهرتُ بالقلق من انتقام تيان وي بقواته ممن ينتظرون في الخارج، لهذا السبب، دخلنا المدينة تحت حراسة مشددة لحمايتنا من أي متخلفين، ثم تسلّقتُ الأسوار بحجة مراقبة ما يجري في الخارج.
ابتسم شياو شون زي، و أرسل حارسين ملكيين لمرافقتي، على الرغم من أن هذين الحارسين كانا مُكلّفين بحماية مشرف الجيش وانغ هاي، إلا أن وانغ هاي كان يعلم أن شياو شون زي كان فنانًا قتاليًا ماهرًا و كان على علاقة وثيقة بي، فوافق.
مما أخبرني به شياو شون زي، كانت مهارات هذين الحارسين في الفنون القتالية أفضل من المتوسط، و كانا قادرين على حمايتي حتى تصل تعزيزات جنود تشو الجنوبية.
سرت عبر بحر الدماء، حريصًا على ألا يلطخ الدم ملابسي، و لكن بسبب نهر الدم عند قدمي، أصبحت حذائي غارقة بالدم، كنت محظوظًا، مع ذلك، كانت ملابسي غير ملطخة، و بحلول الوقت الذي تحملت فيه الروائح و الصراخ، وصعدت إلى الأسوار، كان آخر جنود شو يُقضى عليهم، نظرت إلى أسفل و لمحت فرسان شو العائدين.
حدق الجنرال ذو الدرع الأحمر في المدينة بنظرة فارغة، و خلفه، كان الدخان و الغبار يتصاعدان، مما تنبأ باقتراب قوات تشو الجنوبية.
و فجأة، صاح الجنرال ذو الدرع الأحمر بأمر و هاجم بفرسانه،ثم راقبتُ م هؤلاء الفرسان و هم يُحاصرون أولاً، و يُنهكون، ثم يُهزمون في النهاية، و من بعيد، رأيتُ الجنرال ذو الدرع الأحمر يسلّ سيفه و يقطع حلقه، و هو يلعن قبل أن يُفارق الحياة.
ارتجفتُ من الداخل، لقد كانت الحرب شيئًا مختلفًا تمامًا عمّا تُصوّره كتب التاريخ، التي تصفها بأسلوب سهل و خفيف، في نظر عشرة آلاف جندي من مملكة شو الذين يُحرسون ولاية با، كنا عدوًا خبيثًا يُريد قتلهم و سرقة مدنهم و أراضيهم، لكن ماذا كان يُفترض بنا أن نفعل؟ في تلك اللحظة، كنتُ أحتقر هذه الحرب بشدة، لتحقيق مصالح يونغ العظمى و تشو الجنوبية، لا بد من إبادة مملكة شو، هل كان الأمر يستحق حقًا أن يُسفك نهر من الدماء لإسعاد من هم "بالأعلى".
بعد ذلك، مرضتُ، أصابني الدم و الصراخ المُريع بالغثيان، فأفقدني النوم و الأكل، خلال الزحف القسري للجيش، تفاقم مرضي تدريجيًا، لاحقًا، في إحدى الأمسيات، زارني شياو شون زي. رفعني و قال:
" أفهم سبب مرضك، كُفّ عن هذا التعاطف الرخيص، لقد أصبحنا أعداء، نحن في حرب، إن خسرنا، سنموت و لن نعود إلى ديارنا، ما الفضائل التقليدية؟¹ ما الروابط الاجتماعية الأربعة؟² كل ما أعرفه أن عليّ أن أبقى على قيد الحياة، من أجلك، يجب أن أبقى حيًا، ماذا عنك؟ على الأقل، يجب أن تبقى حيًا من أجلي، تذكّر، لقد أنقذت حياتي، و إن لم تسمح لي بردّ هذا الجميل، فلن أسمح لك بأن تموت بالتأكيد "
كأنني في غيبوبة، نظرتُ إلى الدموع التي انهمرت على وجه شياو شون زي، و أجبتُ:
" شياو شون زي، أخي، أعلم أنك تُعاملني كأخٍ حقيقي، لكنني أُتنمر عليك باستمرار، و مع ذلك تُواصل رعايتي و حمايتي، أنا على وشك الموت، لا تحزن، لستَ مدينًا لي بشيء "
صفعني شياو شون زي بشراسة و وبخني قائلًا:
" لماذا تعتقد أنني أتبعك؟ لم تحتقرني يومًا و تعاملني كإنسان، أنت معلمي، لقد ساعدتني على تعلم فنون القتال، بدونك، لن يلتفت إليّ أحد و لو لمرة، لو متُّ، لاتبعتك، سنظل إخوة في الحياة القادمة، كي تظلَّ دائمًا بجانبي "
تدفقت دموعي بحرية، هذا صحيح، كيف يمكن أن أموت؟ لا يزال لدي أخ، إذا مت، فسيكون شياو شون زي وحيدًا، لطالما عرفت أن شياو شون زي كان يأتي لرؤيتي باستمرار لأنني عاملته كشخص، شخص من لحم و دم.
لم أعتبره أبدًا خصيًا متواضعًا أو شخصًا وضيع، همف! مملكة شو لم تكن شيئًا، لم يكن لموت شعبها أيّ علاقة بي، ناهيك عن مملكة شو، حتى لو تم تدمير تشو الجنوبية، فلن يهمني ذلك على الإطلاق.
خلال هذه الأيام القليلة الماضية، بينما كنت مريضًا بشكل خطير، بخلاف شياو شون زي وأطباء الجيش، لم أرَ أي شخص آخر، على الرغم من أن أمير دي جاء لرؤيتي مرتين في وقت مبكر، إلا أنه سرعان ما نسيني.
بصعوبة، دفعت نفسي للوقوف بشكل مستقيم و أمرت،
" أحضر لي حبتين من زجاجة الخزف الأبيض في حقيبتي "
اتبع شياو شون زي أوامري على الفور، بصعوبة، تناولتُ حبتين و قلتُ:
" سأرتاح قليلًا. غدًا صباحًا، حضّروا لي فطورًا فاخرًا "
بعد ثلاثة أيام قضيتها في غيبوبة، استيقظت أخيرًا و تمكنت من تناول الفطور الذي أحضره لي شياو شون زي، خرجت من خيمتي و نظرت إلى السماء الصافية الخالية من الغيوم، مددت ذراعيّ و تنشّقت الهواء بعمق، ثم قلت لشياو شون زي أن يُبلِغ مشرف الجيش وانغ بأني سأسافر في عربته لأني بالكاد تعافيت.
خلال الأيام الاثنا عشر التي قضيتها مريضًا و طريح الفراش، سار تقدم تشو الجنوبية بسلاسة نسبية، كان الاستيلاء على ولاية با ضربة موجعة لثقة الحصون الصغيرة على طول الطريق، باستخدام استراتيجية الهجمات العنيفة و الخداع الناعم، كان تقدم جيشنا أسرع مما توقعنا، لم نكن نعرف كيف كان أداء يونغ العظمى على جبهتهم، إذ لم نتلقَّ أي معلومات عن الموضوع.
في الأيام التالية، وبسبب تعافيّ الحديث، لم تُسند إليّ الكثير من المهام، استثمرت أوقات الفراغ في كتابة القصائد، لم أُضِف شيئًا آخر، و رغم أن أمير دي جاء معتذرًا لزيارتي، رفضت أن أغفر له، فقد كان يعاملني كشخص مهم في البداية، و لكن بمجرد مرضي، سارع إلى نبذي، و نتيجة لذلك، عبّرت عن امتناني بلا مبالاة.
و لأنني كنت دائمًا برفقة مشرف الجيش وانغ، لم يكن عليّ القلق من أن يُصعِّب أمير دي الأمور عليّ، لقد كنت ضيق الأفق حقًا، ماذا في ذلك؟
بفضل هذا التقدم، وصلت جيوش تشو الجنوبية إلى مشارف لو تشنغ، حيث انضمت إلى الأسطول البحري الذي سبقها إلى هناك، كانت لو تشنغ تُعد خط الدفاع الحامي لعاصمة مملكة شو، تشنغدو، و قد تمركز فيها جيش قوامه خمسون ألف جندي من شو، قاد الجنرال الشهير وي شيان عشرين ألف جندي متمركزين عند سفوح الجبال أمام لو تشنغ، بينما تولّى الجنرال الأكبر لونغ بو قيادة حامية المدينة المكوّنة من ثلاثين ألف جندي.
بادرت قوات تشو الجنوبية المشتركة، البرية و البحرية، إلى شنّ هجوم سريع على مضيق نهر فو شوي، حيث دافعت الحامية ببسالة لعدة أيام قبل أن تتخلى عن الموقع و تتراجع، مما أتاح للقوات المشتركة التمركز في المضيق، كان أمير دي يعلم أن المعركة القادمة ستكون طويلة و شرسة، فاكتفى بنشر قوات دفاعية بحذر، و أمر الأسطول البحري بدوريات متواصلة في نهر فو شوي لعزل لو تشنغ عن أي تعزيزات محتملة.
و لأن بوابة لو تشنغ الشمالية تطلّ على نهر فو شوي و البوابة الجنوبية مُقابل الجبال، استخدم أمير دي أسطوله لنقل جيشه لمهاجمة لو تشنغ من الشرق و الغرب، لكن في مواجهة دعم وي شيان الخارجي، لم تتمكن قوات تشو الجنوبية من تحقيق أي تقدم يُذكر رغم عدة أيام من القتال الدامي، و لمّا رأى أمير دي إرهاق جنوده، قرر سحب قواته، و باستثناء بعض التحركات البحرية، أعاد تنظيم قواته على ضفاف فو شوي استعدادًا لجولة جديدة، و رغم بعدنا عن تشو الجنوبية، إلا أننا كنا نعتمد على خط الإمداد البحري و موارد سيتشوان الوفيرة، مما مكّننا من الحفاظ على الإمدادات دون نقص، و مع ذلك، وصلت الحرب إلى طريق مسدود.
في اليوم السابع والعشرين من الشهر الحادي عشر، تلقينا أخيرًا أخبارًا بشأن جبهة يونغ العظمى.
أرسل يونغ العظمى، أمير يونغ، لي تشي، على رأس مائتي ألف جندي، و بما أنهم رشوا قائد حامية ممر يانغ بينغ، فقد تمكنوا بسهولة من الاستيلاء على الممر، قاتلت يونغ العظمى و فازت باستمرار في العديد من المعارك، مستخدمةً شهرين فقط للاستيلاء على نان تشنغ، على الرغم من أن منطقة سيتشوان الشرقية³ كانت أيضًا جزءًا من مملكة شو، إلا أن الغالبية العظمى من ازدهار سيتشوان كانت تقع في المنطقة الغربية⁴، و نتيجة لذلك، كان سكان منطقة سيتشوان الشرقية مستائين، عندما دخل لي تشي المنطقة، تأكد من أن جنوده لم يرتكبوا أيّ مخالفات⁵، دمر بسرعة أي قوات متبقية من شو و طهر المنطقة أيضًا من أي قطاع طرق، لم تمضِ ثلاثة أشهر حتى كانت سيتشوان الشرقية قد استُتبّ فيها الأمن بالكامل.
بعد ذلك، قاد لي تشي جيشه باتجاه ممر جيا منغ، و لو سقط ذلك الممر، فلن يبقى أي حاجز يفصل بين جيش يونغ العظمى و تشنغدو.
في مواجهة الأعداء على جبهتين، وجد ملك شو، منغ يون، نفسه في حالة طوارئ حيث لم تكن لديه قوات كافية للدفاع عن كل شيء، فوضع تسعون ألف جندي يدافعون عن ممر جيا منغ⁶، ثم أرسل عشرين ألف جندي لتعزيز الدفاع عن لو تشنغ، و نتيجة لذلك، لم يكن لدى تشنغدو أي حماية.
في اليوم الثاني عشر من الشهر الحادي عشر، دخلت التعزيزات المكونة من عشرين ألف جندي لو تشنغ بمساعدة لونغ بو و وي شيان.
عندما رأى أمير دي التقرير، أصبح وجهه داكنًا، حتى لو تراجعت يونغ العظمى، فإن سيطرتهم على ممر يانغ بينغ تضمن سيطرتهم على منطقة هان تشونغ، بينما إذا لم يستول على لو تشنغ، فلن تكون هناك طريقة للدفاع ضد جيش شو، لم يرغب في التراجع إلى ولاية با، لأن ذلك سيعني التخلي عن جميع الأراضي التي استولى عليها.
و نتيجة لذلك، كانت تشو الجنوبية أكثر حرصًا على الهجوم، و لكن بعد المواجهة لعدة أيام، لم يكن هناك تقدم يُذكر، كيف يمكن أن لا يسبب له هذا قلقًا؟ كان العزاء هو أن تعزيزاتنا قد وصلت أيضًا، مما زاد من إجمالي قوتنا إلى تسعين ألف رجل، على الأقل لن نضطر إلى التراجع مهزومين، في ظل هذه الظروف، وفي مواجهة الهجوم المزدوج من يونغ العظمى و تشو الجنوبية، ستسقط شو بالتأكيد، كانت المشكلة هي أن تشو الجنوبية قد لا تحصل على تشنغدو في النهاية.
بالنسبة لي، فقد مرّت هذه الأيام القليلة بهدوء تام، باستثناء وقت تناول الطعام، كنت أتجول في كل مكان، و بالطبع، نظرًا لوجود جواسيس و مُغتالين من شو، كنتُ حذرًا ألا أبتعد كثيرًا عن المعسكر علاوة على ذلك، لم أستطع الاسترخاء كثيرًا، و إلاّ أثار ذلك حسد الآخرين، على أي حال، لم أستطع التدخل، استغلّ رونغ يوان مرضي، و تولى مهامي، قائلًا إنني ما زلتُ مريضًا في الفراش، لكنني لم أبالِ بذلك، على أي حال، لم يكن من المتوقع أن نخسر في هذه المعركة القادمة.
استغللتُ وقت فراغي، و انتهزتُ الفرصة للتحدث مع شياو شون زي حول إيجاد حراس شخصيين، فكّر شياو شون زي مليًا، و وجد الأمر صعبًا للغاية، لم يكن يعرف الكثير من المقاتلين الماهرين ليُعرّفني عليهم، و حسب قوله، فقد قُتِل جميع المقاتلين المهرة الذين قاتلهم، بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون هؤلاء الحراس مخلصين، كان هذا أكثر صعوبة، اقترح عليّ اختيار خصيٍّ ليتخذه تلميذًا له و يُدرّبه لحمايتي لاحقًا، رفضتُ هذا الاقتراح، أحد الأسباب هو أن هذا الاقتراح سيستغرق وقتًا طويلًا، السبب الآخر هو أن الخصيان لا يستطيعون مغادرة القصر باستمرار، فكّر شياو شون زي قليلًا، ثم اقترح:
" ماذا عن هذا؟ بعد بضع سنوات، سأتظاهر بالموت و أغادر القصر لأبقى بجانبك "
كنتُ قد قررتُ في البداية أن أومئ برأسي، لكنني أدركتُ أن الأمور ستُصبح مُعقدة إذا تم التعرف على شياو شون زي، قلتُ بصراحة:
" ما رأيكَ في هذا؟ أنا مُستعدٌّ للاستقالة عند عودتي إلى العاصمة، بما أنكَ لا تُحبّذ العيش في القصر، يمكننا أن نغادر معًا و نجوب العالم⁷ "
بعد أن فكّر شياو شون زي في الأمر، أجاب بسعادة:
" ليست فكرة سيئة. لطالما رغبتُ في السفر إلى كل مكان، لقد سئمت من جيان يي منذ زمن، إلى أين نذهب؟ "
بعد تفكير، أجبتُ:
" على أي حال، مملكة شو ستُدمر، إذا حافظت يونغ العظمى و تشو الجنوبية على السلام، يُمكننا الذهاب إلى يونغ العظمى، بمجرد اندلاع الحرب بينهما، يُمكننا الذهاب إلى هان الشمالية، إذا خاضت يونغ العظمى حربًا مع هان الشمالية، يُمكننا العودة إلى تشو الجنوبية، على مدى العقود القليلة القادمة، لدينا متسع من الوقت للسفر في كل مكان، إذا سئمنا السفر في أي وقت، يُمكننا إيجاد مكان نستقر فيه "
كان وجه شياو شون زي مليئًا بالشوق و الحماس.
بينما كنا نخطط لمستقبلنا، انقضّ شياو شون زي فجأةً و دون سابق إنذار على شجيرات الفِناء، كانت صورته الظلية كصورة شيطان، رشيقةً لا مثيل لها، من بين الشجيرات، انطلقت صورة ظلية رمادية، اندمجت الصورتان الظليتان قبل أن تنفصلا، تراجع شياو شون زي بضع تشانغ⁸ قبل أن يستدير، منقلّبًا في الهواء، ثم انقضّ مرة أخرى، قاوم الآخر على عجل، لكن شياو شون زي ضربه في صدره و سقط أرضًا.
عندما رأيتُ شياو شون زي يُومئ إليّ، اقتربتُ منه بخفة، كان شابًا في العشرين من عمره، بمظهرٍ عاديّ، يختفي بسهولة بين الحشود، كان يرتدي زيّ جنديّ من تشو الجنوبية، لكنني لاحظتُ أن الزيّ لم يكن بالمقاس المناسب، بالإضافة إلى ذلك، شممتُ رائحة دم خفيفة. كان هذا الرجل جاسوسًا لمملكة شو، في الظروف العادية، كان عليّ تسليمه لسببين: أولًا، لكسب الفضل؛ وثانيًا، كواجب، لكنني لم أُرِد أن يعلم أمير دي بما قلتُه سابقًا، تولّدت فيّ رغبةٌ في القتل على الفور، نظرتُ إلى شياو شون زي.
فهم شياو شون زي نظرتي، فرفع كفّه و استعدّ لضرب الرجل على رأسه.
فتح الرجل عينيه بصعوبة، فرأى أفعال شياو شون زي، تدحرج بصعوبة، ضحك شياو شون زي ضحكة حادة، و حرّك كفه، و استمر في ضرب رأس الرجل، عندما رأيت الحزن و السخط في عينيّ الرجل، لم أعرف السبب، لكنني أمرته:
" كفّ يدك "
وصلت راحة يد شياوشونزي إلى رأس الرجل عندما سمعني أنادي، سحب كفه فجأةً، و تراجع إلى جانبي، قلتُ بجدية:
" يا أخي، يجب أن أقتلك! إذا كانت لديك أي رغبات أخيرة، فسأحققها لك "
و بدت على وجهه تعبيرات عاطفية، و قال الرجل بصوت خافت:
" أرجوك أطلق سراح زوجتي "
لقد صُدمتُ! متى سرقتُ زوجته؟ لا يبدو أنني فعلتُ شيئًا كهذا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحوظة:
يا رفاق، لا تخلطوا بين أسماء أمراء يونغ العظمى:
أمير تشي: لي شيان (الأمير السادس).
أمير يونغ: لي تشي (الأمير الثاني).
أمير تشي (لي شيان) هو مبعوث يونغ العظمى إلى تشو الجنوبية، وقد كانت له تفاعلات مباشرة مع بطلنا جيانغ تشى.
أما أمير يونغ (لي تشي) فلم يُذكر إلا في الفصل السادس حين رُويت بطولاته، ثم ظهر اسمه مجددًا في هذا الفصل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش – المصطلحات الصينية:
(1)
仁义道德, ren yi dao de – مصطلح، حرفيًا. الرحمة، والواجب، واللياقة، والنزاهة؛ الفضائل التقليدية (غالبًا ما تستخدم بطريقة ساخرة و نفاقية)
(2)
礼仪廉耻, li yi lian chi – الروابط الاجتماعية الأربعة (四) الشعور باللياقة والعدالة والنزاهة والشرف.
(3)
دونج تشوان، حرفيًا منطقة سيتشوان الشرقية؛ تشير إلى المنطقة المحيطة بهان زونغ التي تعد اليوم جزءًا من مقاطعة شان شي.
(4)
西川, Xi chuan – حرفيًا منطقة غرب سيتشوان؛ يشير إلى سيتشوان.
(5)
秋毫无犯, qiu hao wu fan – مصطلح صيني يعني حرفيًا "لا يُؤذى حتى ريش الخريف"، في إشارة إلى الامتناع التام عن إلحاق الضرر، ولو بشيء تافه جدًا. يُستخدم غالبًا لوصف الانضباط العسكري الشديد، حيث لا يرتكب الجنود أي مخالفة، و لو كانت بسيطة، و لا يمسون شيئًا من ممتلكات المدنيين.
(6)
捉襟见肘، zhuo jin jian zhou – حرفيًا؛ شد طيات صدر السترة يكشف المرفقين؛ مقيد بالمال، غير قادر على تلبية احتياجاته.
(7)
浪迹天涯, lang ji tian ya – حرفيًا؛ التجوال في كل مكان؛ السفر حول العالم.
(8)
丈, zhang –تشانغ؛ وحدة قياس صينية (حوالي 3.3 أمتار)