في الشهر الثامن من السنة التاسعة عشرة من حكم شيان دي، تحالفت تشو الجنوبية مع يونغ العظمى، و أقسم أمير تشي يمينًا مقدسًا (1) نيابةً عن يونغ العظمى، عُيّن أمير دي، تشاو جُوِه، قائدًا عامًا، و بعد تلقيه الأمر، انطلق للقتال، و قبل رحيله، عيّن تشاو جُوِه جيانغ تشى تابعًا عسكريًا ليعمل مستشارًا في الشؤون العسكرية (2)، و خوفًا من هيمنة أمير دي، أمر الملك أيضًا خصي البلاط، وانغ هاي، بالإشراف على الجيش.

— سجلات سلالة تشو الجنوبية ، سيرة جيانغ سو يون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللعنة على تشاو جُوِه! لقد أرادني حقًا أن أخدم في الجيش، كنت أنوي في البداية أن أطلب المساعدة من الآخرين، لكن تشاو جُوِه أصبح الآن قائدًا أعلى (3)، لم أستطع إلا أن أحبس دموعي و أنا أسلم مهامي في أكاديمية هان لين لشخص آخر، و انضممت إلى الجيش المتجه غربًا لغزو شو.

و مع ذلك، شعرت بالارتياح لخبر مرافقة شياو شون زي للجيش أيضًا، قبل مغادرتنا بقليل، أرسل الملك الخصي وانغ هاي، المشرف في مكتب المراسم، للإشراف على الجيش.

مع أن الاستعانة بالخصيان للإشراف على الجيش كانت علامة على سقوط تشو الجنوبية في النهاية، إلا أنني كنت سعيدًا لأن شياو شون زي كان جزءًا من حاشية وانغ هاي من الخصيان، لم يسعني إلا أن أشكر السماء على بركاتها، مع حماية شياو شون زي، ربما لم أكن لأواجه أي مخاطر، لكن من الأفضل أن أجد بعض الحراس لحمايتي أيضًا. كنتُ مستعدًا لمناقشة هذا الأمر مع شياو شون زي. بعد أن أختار بعض المرشحين، كان شياو شون زي سيختبر قدراتهم، لم أكن أنوي أن أكون تحت حماية أشخاص عديمي الفائدة (4).

من أجل غزو شو، انقسم جيش تشو الجنوبي إلى قسمين، سيسافر أحد الجيشين عبر نهر اليانغتسي عبر المضائق الثلاثة بقيادة الماركيز الذي يقمع الأراضي البعيدة، لو شين، و سيقود القائد الأعلى تشاو جُوِه الجيش الآخر شخصيًا، و يسافر برًا إلى ولاية با (5)، سيلتقي الجيشان في لو تشنغ (6)، و بصفتي تابعًا لأمير دي، فقد رافقت جيشه بطبيعة الحال.. لكنني ما زلت أحمل ضغينة، بقيت مختبئًا في عربة مشرف الجيش، وانغ هاي، طوال الرحلة.

كان وانغ هاي زميلًا للخصي وانغ الذي أشرف على مستودعات كتب القصر، لقد عاملني معاملة حسنة للغاية، و كان يذكر باستمرار كيف استفاد الخصي وانغ كثيرًا من الحبوب الطبية التي أعددتها له، فهمت نيته، و وافقت على مساعدة وانغ هاي في تحضير نوع أو نوعين من الحبوب الطبية لاستخدامه الشخصي، اهتم بنا شياو شون زي بطاعة.

كان وانغ هاي راضيًا تمامًا عن شياو شون زي، فابتسم و قال:

" هذا الصغير هو الخادم المتواضع الذي أنقذه سيدي تشوانغ يوان؟ كل شيء في شياو شون زي جيد، باستثناء أمر واحد؛ إنه مجتهد، فصيح، و متعلم، لكنه لا يملك أي نية لتحسين نفسه، سيتنافس الخدم المتواضعون الآخرون حتى النهاية على المهام، و سيفعلون أي شيء ليتمكنوا من خدمة الملك مباشرةً، في المقابل، هذا الصغير مستعد للتخلي عن هذا النوع من المهام المريحة و مرافقتي لتحمل المشاق في الجيش "

لم أستطع إلا أن أنظر إلى شياو شون زي للحظة، و شعرتُ بالذنب، كان هذا الصغير يفكر بي دائمًا، أجاب شياو شون زي مطيعًا:

" لا ينبغي للخصي أن يقول مثل هذه الأشياء، غونغ غونغ (7) و الخصي وانغ قريبان، في الظروف العادية، عندما ترى هذا الخادم المتواضع، عادةً ما تغدق عليه بالمكافآت، هذه المرة، حظي غونغ غونغ باهتمام الملك و عُيّن مشرفًا على الجيش، بمجرد أن ننتصر و نعود إلى العاصمة، سيُكافأ هذا النوع من الخدمة الجليلة، و في الوقت نفسه، سأُكافأ أنا أيضًا، و إلا، فلماذا يقول الناس إن المرء قد يجد الثروة و المجد في الخطر؟ "

ابتسم وانغ هاي ابتسامةً عريضةً، حتى كادت عيناه أن تُغمضا، و بينما كنا نحن الثلاثة نستمتع بالحديث، اقترب أحدُ المُنظِّمين من مقدمة العربة، صاح:

" جيانغ دارين، لقد استدعاك الأمير لمناقشة الشؤون الرسمية "

لم يكن أمامي خيار سوى النزول من العربة، تناولت لجام حصان من أحد حراس القصر المرافقين لوانغ هاي، بعد أن صعدتُ على ظهره، انطلقتُ بخطواتٍ غير متقنة، لم تكن مهاراتي في الركوب جيدة على الإطلاق، و اكتسبتُها بذعرٍ و تسرع، بصعوبة، وصلتُ إلى جوار تشاو جُوِه الراكب، ضممتُ يديَّ، و حييتُ الأمير قائلًا:

"سموّكم، لقد وصل هذا المسؤول المتواضع بناءً على استدعائكم "

عندما رأى تشاو جُوِه مظهري البائس على ظهر الحصان، ابتسم و قال:

" جيانغ دارين، عليك أن تتعلم ركوب الخيل بشكل صحيح، و إلا فسيكون من الصعب عليك مواكبة الجيش "

كدتُ أصرُّ على أسناني من الغيض، لم أكن أرغب في مرافقة الجيش، لكن بما أنني تابع له، لم أستطع إلا أن أخفض رأسي و أرد باحترام،

" هذا المسؤول المتواضع سيفعل ما تأمر به، هل هناك ما يستطيع فعله هذا المسؤول المتواضع؟ أنتظر أوامر سموكم "

ببطء، سمح تشاو جُوِه لحصانه بالتقدم، مشيرًا إليّ أن أتبعه، حثثتُ حصاني، متوترًا، على اللحاق به، بعد أن قطعنا مسافةً جنبًا إلى جنب، سأل تشاو جُوِه:

" ألا يزال جيانغ دارين يحمل ضغينة تجاه هذا الأمير؟ "

تظاهرتُ بالابتسام و أجبتُ:

"هذا المسؤول الحقير لا يجرؤ، هذا المسؤول الحقير يتقاضى راتبه من تشو الجنوبية، كيف أجرؤ على رفض أمر الحكومة؟ "

ابتسم تشاو جُوِه بسخرية، و تابع:

" ليس الأمر أن هذا الأمير يرغب في تعقيد الأمور على دارين، في هذه الحملة ضد شو، يجب أن نحقق أكبر فائدة بأقل تكلفة ممكنة، أمر الحرب يقع ضمن قدرة هذا الأمير و نطاق مسؤوليته، لن أحمّل دارين عناء ذلك، و لكن بعد أن نُخضع شو، يجب أن نتوصل إلى اتفاق مع يونغ العظمى بشأن تقسيم الغنائم، إذا لم يكن لدينا في تلك المرحلة شخص مثل جيانغ دارين، الذي يفهم حقيقة مأزقنا، حكيم و لا يتزعزع، فعلى الأرجع أننا سنعاني بشكل كارثي! لذلك، لا يمكن لهذا الأمير إلا أن يزعج جيانغ دارين "

شعرتُ بالظلم، و فكرتُ: إنهم مجرد قطاع طرق يقسمون الغنائم، على الأرجح لن تنتظروا حتى النصر لتقسيمها.

كأنه يقرأ أفكاري، تابع تشاو جُوِه:

" لقد رأيتُ أيضًا قدرة سيدي و حكمته، يتمنى جُوِه أيضًا أن يستمع إلى تعاليمك و التعلم منك، في هذه المحنة التي تمر بها بلادنا، أتمنى أن يُخصص جيانغ دارين بعض الوقت للتفكير في الشؤون العسكرية، و أن يُساهم في بناء بلدنا "

عندما سمعتُ هذه الكلمات، فكرتُ مليًا و أدركتُ حقيقة كلامه، و لأنني كنتُ أرافق الجيش، فقد كان من الأفضل أن أغتنم الفرصة لأتعلم المزيد عن الشؤون العسكرية، بعد أن توصلتُ إلى هذا الاستنتاج، انحنيتُ انحناءةً، مُشيرًا إلى قبولي اقتراحه، ابتسم تشاو جُوِه ابتسامةً خفيفةً، و أعطى حصانه سوطًا وانطلق مُسرعًا، بدا أن حصاني يريد اللحاق به، فانحرف بجسمه في حركةٍ سريعة، خائفًا، تمايلتُ من جانبٍ إلى آخر، لحسن الحظ، ساعدني أحد حراس تشاو جُوِه الشخصيين على الثبات، احمرّ وجهي خجلًا، و شكرته، مُتعهدًا بتعلم ركوب الخيل على أكمل وجه.

---

وضعتُ الفرشاة جانبًا، و دلكتُ كتفيَّ، كنتُ أتعامل مع الشؤون العسكرية منذ أن خيّمنا، بعد حديثي مع تشاو جُوِه، بدأتُ بالمشاركة في معالجة هذه الأمور.

لم يمضِ وقت طويل قبل أن أتحول من مبتدئ تمامًا إلى شخص بارع و متمرس. تعلمتُ كيفية إقامة المعسكر، و كيفية تنظيم جيش و هيكلته، و كيفية المكافأة و العقاب وفقًا لذلك، كان الأهم هو التعامل مع الوثائق و التنظيم السليم لتقارير الاستخبارات.

و بالمقارنة مع عملي في أكاديمية هان لين، كانت هذه الأمور العسكرية بنفس الصعوبة، كان من بين أتباع تشاو جُوِه عالم كونفوشيوسي من هي شان يُدعى رونغ يوان، و كان يحظى بتقدير كبير، كان كثيرًا ما يكون بجانب تشاو جُوِه يُقدم له المشورة، كان المساعدون الآخرون يتعاملون مع بقية الأمور المملة و المتنوعة، نتيجة لمشاركتي، خفّ عبء العمل عن كاهلهم، خاصةً أنني تمكنتُ من التكيف بسرعة على نظامهم في توثيق المعلومات.

بفضل ذاكرتي الفوتوغرافية و حكمتي الثاقبة، سرعان ما أصبحت موضع تقدير كبير، لا سيّما في تحليل التقارير الاستخباراتية.

في البداية، أرادوا مني فقط أن أجرّب، غير مدركين أن تحليل قطع من بعض المعلومات الاستخباراتية المتفرقة (8) هو تخصصي، لم أكن مضطرًا لتدوين أي ملاحظات، و بغض النظر عن مدى صعوبة التقارير الاستخباراتية، كنتُ أستطيع فهم سياقها بمجرد قراءتها مرة واحدة.

نتيجةً لذلك، قرر هؤلاء المساعدون إسناد جميع تحليلات المعلومات الاستخباراتية إليّ، و طلبوا مني تنظيم التقارير لينظر فيها تشاو جُوِه، و لم أصبح من أهم مساعدي تشاو جُوِه، بعد رونغ يوان فقط؛ إلا بعد هذه المرحلة.

نظرتُ إلى لون السماء، فأدركتُ أن الليل قد حلّ منذ زمن، و لأن الجيش لا يزال بحاجة إلى التقدم غدًا، جمعتُ بسرعة تقارير الاستخبارات المُنظّمة، مُستعدًا لتسليمها إلى رونغ يوان، شعرتُ ببعض العطش، فأخذتُ إبريق الشاي من على الطاولة، كان فارغًا بالفعل، هززتُ رأسي بأسف، في تلك اللحظة، سمعتُ سعالًا خفيفًا من خارج الخيمة قبل أن يدخل شياو شون زي حاملًا صندوق طعام، قال بنبرة محايدة:

" جيانغ دارين، يعلم مُشرف الجيش وانغ أنك مشغولٌ بالشؤون العسكرية، لقد طلب مني أن أحضر لك بعض وجبات منتصف الليل، و أراد مني أيضًا أن أشكرك على تزويده بالدواء أمس "

من نبرة صوت شياو شون زي، عرفتُ أن هناك آخرين خارج خيمتي، فأجبتُ مبتسمًا:

" أرجو أن تُقدِّم شكري لمشرف الجيش وانغ نيابةً عني، في الحقيقة، مُشرف الجيش مُعتادٌ على العيش في القصر، في الأيام القليلة الماضية، كان مُنهكًا و لم يستطع النوم جيدًا، مما أضرَّ بجسده، من المفترض أن يُساعده الدواء الذي أعطيته على النوم و يُتيح له استعادة طاقته بسرعة "

بعد وضع صندوق الطعام على الطاولة، قال شياو شون زي،

" دارين، من فضلك تناول الطعام بينما لا يزال دافئًا "

هززتُ رأسي، و أجبتُ:

" أحتاجُ أولًا إلى تسليم بعض الوثائق، عليكَ أن تعود و ترتاح، غدًا، سيُكمل الجيشُ مسيرته "

دفع شياو شون زي ورقة صغيرة مطوية في يدي قبل أن ينحني و يغادر.

و بينما كنتُ أفتح الورقة، قرأتُ الكلمات المكتوبة:

" من الصعب الذهاب و الإياب داخل الجيش، تشاو جُوِه يمتلك العديد من المتمرسين في الفنون القتالية، يبدو أن رونغ يوان يغار من دارين، اليوم، أخبر تشاو جُوِه أن دارين مُقرّب جدًا من أمير تشي، و من المُرجّح أن يكون مُتواطئًا، و حرصًا على سلامته، لا ينبغي السماح لدارين بالتعامل مع الوثائق العسكرية المهمة، صدق تشاو جُوِه كلامه نوعًا ما "

ابتسمتُ ابتسامةً عابرة، كان من الصعب تجنّب هذا النوع من المواقف، ظهوري المفاجئ (9) أثار قلق رونغ يوان، مع ذلك، لم يكن مهمًا إن نجحت افتراءاته.

لم أكن مهتمًا بتولي منصبٍ مهمٍّ عند أمير دي، خرجتُ من الخيمة، برفقة جنديٍّ مُكلّفٍ بي، توجهتُ إلى خيمة رونغ يوان، مُسلّمًا الوثائق، تلقّاها، مُلقيًا كلماتٍ مُشجّعة كما لو كان يثق بي و يُقدّرني.

كان الأمر في الواقع مسألة عدم الحكم على الكتاب من غلافه (10)، تنهدتُ في داخلي و أنا أغادر خيمته، كان الجوّ باردًا في الخارج.

بعد نصف شهر من التقدم، وصل الجيش إلى حدود مملكة شو، نجحت حصاراتنا اللاحقة، لكن بعد عشرة أيام، وصلنا إلى ولاية با، في البداية، كنت أشك في ضعف دفاعات شو.. لاحقًا، علمت أن شو لم يكن لديها ما يكفي من القوات للدفاع في كل مكان، و لم يكن بإمكانها سوى تحصين المناطق المهمة ذات التضاريس الوعرة أو الممرات الجبلية. أما ولاية با، فكانت أول حاجز رئيسي لجيشنا، بعد ولاية با، كان هناك طريق وعر و خطير، به عشرون ممرًا، جميعها سهلة الدفاع و يصعب مهاجمتها (11)، ستبدأ الحرب الحقيقية قريبًا.

في اليوم الثالث و العشرين من الشهر الثامن، وصل جيش تشو الجنوبي إلى ولاية با، كنتُ راكبًا حصانًا مطيعًا اختاره أمير دي خصيصًا، و تأملتُ أسوار المدينة العالية و الواسعة، على الأسوار، كان هناك بحر من السيوف و الرماح، وقف عدد لا يحصى من جنود شو، جميعهم مهيبون، وقفوا على الأسوار، من النظرة الأولى، استطعت أن أُدرك أنهم جيش من النخبة.

كان أمير دي يقف في مقدمة جيش تشو الجنوبي، ممسكًا بلجام جواده، متأملًا أسوار المدينة بحذر، في الأعلى، وسط الجنود، وقف جنرال يرتدي درعًا أحمر.. مما رأيتُ، استنتجتُ أنه كان في الخمسين من عمره تقريبًا، كان يتمتع بمظهر جريء، و كان قصير القامة، و له لحية تغطي ذقنه و شفته العليا، صاح ذلك الشخص بصوت عالٍ،

" تشو الجنوبية و مملكة شو خاصتي حلفاء! لماذا كسرتم هذا التحالف دون سبب و جئتم لمهاجمتنا؟ "

ضحك أمير دي ضحكة خفيفة قبل أن يرد بصوت مرتفع،

" تسيطر مملكة شو على جزء صغير من الأرض و تقيم نظامًا مستقلاً، اليوم، أسست يونغ العظمى إمبراطوريتها في السهول الوسطى و مع ذلك ترفض شو تقديم طاعتها، ما هي نواياكم؟ إن تشو الجنوبية تابعة ليونغ العظمى و قد أُمرت بالهجوم، أولاً، أنا أتبع أوامر الإمبراطور.. ثانيًا، لقد جئت للانتقام لسنوات من تنمر شو، استمعوا جيدًا، يا محاربي تشو الجنوبية! تعتمد مملكة شو على جغرافيتها المواتية لإساءة معاملة مواطني حدودنا باستمرار، إنهم يستخدمون التجارة لرفع الأسعار من جانب واحد من أجل نهب أموال شعبنا، اليوم، حشدت تشو الجنوبية هذا الجيش و خرجت لهزيمة شو والانتقام! "

بعد أن انتهى من الكلام، رفع سوطه، صاح جيش تشو الجنوبي بصوت واحد و دقّت الطبول دويًّا كالرعد، و بدأت وحدة من ألف رجل في الصياح و التقدم، حمل كل جندي سيفًا و درعًا، يحمي السلالم أثناء اندفاعهم نحو أسوار المدينة، مستغلين حقيقة أن الرماة على الجدار لا يمكنهم إطلاق النار مباشرة إلى الأسفل، فسارعوا إلى وضع السلالم على الجدار و بدأوا في التسلق، و في ذات الوقت، دفع عشرون إلى ثلاثون جنديًا آخرين كبشًا ضخمًا (12) أمام بوابات المدينة و بدأوا في دق البوابات، بعد بضع ضربات فقط، دوّت الطبول أعلى الأسوار، و بدأت موجة من جذوع الأشجار و الصخور في السقوط، تم تدمير السلالم و الكبش، مما تسبب في سقوط عدد من جنود تشو الجنوبيين من ارتفاع شاهق، و تناثرت أجسادهم على الأرض.

انتابني التوتر عندما رأيتُ ذلك، لكنني رأيتُ الآخرين - أمير دي، و الجنرالات، و التابعين الآخرين - هادئين و ساكنين دون أيِّ علامة على القلق، بعد ذلك بقليل، قُرع جرسٌ للإشارة إلى الانسحاب، فعاد الجنود المهاجمون تدريجيًا.

كنتُ أراقبهم عن كثب، لم تكن الغالبية العظمى من الجنود قد بدأت بعدُ بصعود السلالم، و نتيجةً لذلك، كان عدد القتلى و الجرحى أقل بكثير مما توقعتُ.

بعد برهة، شنّ جيش تشو الجنوبية هجومًا ثانيًا، بينما بدأت حامية المدينة بصدّهم.

في هذا اليوم، شنّ جيش تشو الجنوبية عشرين هجومًا، لكن جميعها كانت فاترة و غير حاسمة (13)، كما كانت الحامية بدورها حذرة للغاية، و لم تُبدّد كل صخورها و جذوع أشجارها عبثًا، و مع اقتراب الليل، شنّ جيش تشو الجنوبية هجومًا شرسًا بدا لا يُقهر (14)، تسلّق الجنود السلالم بشجاعة، و تمكّنوا من تثبيت أقدامهم على أسوار المدينة، و اندلعت معركة دامية على أسوار المدينة، لكن في النهاية دُحِرت قوات تشو الجنوبية.

بينما كنت أراقب كل هذا يتكشف أمامي، انتابني الذعر، من المحتمل هجمات اليوم ستكلفنا ألفين أو ثلاثة آلاف رجل، مع أن خسائرنا لم تكن فادحة، إلا أن هذا الأسلوب المهيب و المرعب تركني منزعجًا، في تلك الليلة، تقلبت في فراشي قلقًا، كنت أعلم أن خسائر الحصار ستزداد فداحةً، و قد علمتُ أن هناك المزيد من أسوار المماثلة التي يجب علينا اقتحامها، إذا تطلبت كل مدينة مثل هذه الخسائر الجسيمة، فستكون النتيجة النهائية ستكون بائسة للغاية.

في اليوم التالي، كان الحصار شديد القسوة، ما إن أشرقت الشمس حتى دفع الجنود عشرات المجانيق الكبيرة للأمام، و بأمر واحد، بدأوا بقذف الصخور الضخمة على أسوار المدينة، و بما أن أسوار ولاية با كانت عالية و سميكة، فلم تهتز.. غير أن الصخور المهشمة و المتكسرة بدأت تتطاير فوق أسوار المدينة، و بدأت صيحات حراس المدينة تهتز و تتراجع، أرجعتُ نظري، فشاهدتُ الصخور الضخمة تسحق و تُمزق عددًا لا يُحصى من المدافعين.

رأيتُ المدافعين يغامرون بحياتهم وسط الصخور المتطايرة للرد على النيران، كانت المجانيق على الأسوار قوية للغاية، و رغم صعوبة التصويب، إلا أن الصخور التي أطلقوها لم تُدمر سوى نصف مجانيقنا، لكنها ألحقت أيضًا خسائر فادحة بصفوفنا، إذ سحقت و سوّت العديد من الرجال بالأرض، بدأت الجثث تتراكم، و رغم أن المعركة بين المجانيق لم تستمر سوى حوالي ثلاثين دقيقة، إلا أن يداي و قدماي كانتا متجمدتين من شدة الخوف، امتلأت عيناي بالدم و اللحم، كان بصري قويًا جدًا، لدرجة أنني استطعت أن أرى ملامح الكآبة و الحزن على وجوه الجنود لحظة موتهم، و على الأرجح بسبب نقص الصخور، تباطأ معدل إطلاق المجانيق حتى توقف تمامًا في النهاية.

دفع جنود تشو الجنوبية أبراج الحصار للأمام، حاملين السلالم و هم يجددون الهجوم، على الرغم من أن أبراج الحصار كانت أقصر من أسوار المدينة، إلا أنها كانت مرتفعة بما يكفي لصد نيران السور المرتدة، طارت سهام لا تُحصى عبر السماء في أقواس جميلة قبل أن تخترق اللحم و الدم، بدأت دماء الجانبين تختلط فوق أسوار المدينة، و مع تقدم جنود تشو الجنوبية للهجوم، قوبلوا بالزيت و الجير (15).

وبينما كان جنود تشو ينهارون تحت الضغط، ظهرت فجأة مشاعل لا حصر لها على السور و أُلقيت إلى الأسفل، فتحولت المنطقة تحت الأسوار إلى بحر من النيران، لم يتمكن من الفرار إلا عدد قليل من الجنود الرشيقين و السريعين، بينما حاصرت النيران الباقون و احترقوا حتى الموت، كان المشهد مروعًا (16)، كانت الصراخات البائسة لأولئك الذين وقعوا في الداخل تهز العالم بأسره.

عندما رأيتُ هذا، كرهتُ بشدة حدة حواسي، لم أستطع تحمّل ذلك، فما كان عليّ سوى إدارة حصاني و الاندفاع نحو الخلف، وجدتُ مكانًا منعزلًا و تقيأتُ حتى ذقتُ مرارةً في فمي، عندما استقمتُ، لمحتُ شياو شون زي بزيّه المدّرع واقفًا أمام حصاني، قدّم لي قربة ماء لأغسل فمي، و بعد أن هدأت نفسي، سألتُه:

" لماذا أتيت؟ ألا يجب أن ترافق الخصي وانغ؟ "

أجاب شياو شون زي بصوتٍ خافت:

" أخبرتُ الخصي أنني لا أريد أن أجهل ما تبدو عليه الحرب، فجئتُ لألقي نظرة، كان الخصي وانغ قلقًا أيضًا، فوافق على طلبي "

نظرت إلى ساحة المعركة البعيدة، أجبتُ بصوتٍ خائفٍ:

" الأمر مرعِبٌ للغاية، يجب أن أغادر "

بينما كنتُ على وشكِ حثِّ حصاني على الانطلاق، أمسك شياو شون زي بلجام حصاني و أوقفني،

" دارين، لا يجب عليك ذلك، رغم جهلي، إلا أنني أعلم أنه لو تصرف دارين بجبنٍ الآن، لما استطعتَ رفع رأسك عاليًا أمام ضباط الجيش و الجنود، علاوةً على ذلك، قد يضطر دارين بعد اليوم إلى خوض الحرب، هل ستختبئ في كل مرة؟ "

شعرتُ بالخزي بعد سماع كلماته، بالمقارنة مع شياو شون زي، كانت إرادتي أقل حزمًا بكثير، نظرتُ إليه نظرة امتنان، و حثثتُ حصاني على العودة إلى الخطوط الأمامية، عندما عدتُ إلى جانب تشاو جُوِه، نظر الضباط و الخدم المرافقون المحيطون به إلى وجهي الشاحب باستحسان، قال تشاو جُوِه بنبرة إيجابية:

"سو يون يتمتع بشجاعة كبيرة، عندما خاض هذا الأمير أول معركة، لم يكن رد فعلي يُضاهي رد فعلك، سيتحسن كل شيء بعد أن تخوض معارك عديدة "

انحنيت له من فوق سرج جوادي، متسائلاً:

" صاحب السمو، هذا المسؤول المتواضع لا يفهم الشؤون العسكرية، لكن يبدو أن حصارنا لا يسير على ما يرام بشكل خاص؟ "

بابتسامة متكلفة، وافقني تشاو جُوِه:

" أنت محق، ولاية با من أهمّ دفاعات مملكة شو الاستراتيجية، قائدها جنرال بارع و جنودها شجعان، تحصينات المدينة و إمداداتها وفيرة، و من الصعب الاستيلاء عليها، هذا الأمير قلقٌ للغاية، لحسن الحظ، ستكون السيطرة على المدن العشرين التالية أو نحو ذلك أسهل "

" ثم، في رأيّ سموّكم، كم من الوقت سيستغرق الاستيلاء عليها؟ "

واصلتُ السؤال.

بعد بعض الحسابات، أجاب تشاو جُوِه،

" سيكون من الجيد جدًا أن نتمكن من الاستيلاء على ولاية با في غضون نصف شهر "

حسبتُ أيضًا، تقدّمُ جيش يونغ العظمى من ممر يانغ بينغ عبر دونغ تشوان لمهاجمة ممر جيا مينغ سيتطلب منهم أيضًا مهاجمة مواقع عصيّة عديدة، لكن جيش يونغ العظمى كان مُستعدًا جيدًا، إذا أرادت تشو الجنوبية أن تستغلّ الفرصة و تسبقها، فعلينا أن نلجأ إلى الحيلة، بدأتُ أُراجع المعلومات التي قرأتها سابقًا في ذهني، كيف يُمكننا حل هذهِ المشكلة المُلحّة؟

لم أستطع التفكير في شيء، بدأتُ أراجع معلومات ولاية با واحدة تلو الأخرى، حدّقتُ في الأفق، مركّزًا على الجنرال المدرع بالأحمر و هو يُصدر الأوامر من أعلى أسوار المدينة، تحت قيادته، كانت تحصينات المدينة مُحكمة، كلما عثرت قوات تشو الجنوبية على ثغرة، كان يُلاحظها فورًا و يستغلها بلا هوادة.

انتظر لحظة... شخص يلاحق الثغرات بلا رحمة... تذكرت فجأة بعض المعلومات عن قائد الحامية: تيان وي، معروف بانضباطه العسكري الصارم، جنرال شجاع و بارع، مُتقن في الدفاع عن المدن، و قادر على الصمود كما لو كان جبلًا، و يُجيد خصوصًا شنَّ الغارات و مهاجمة معسكرات العدو.

لا عجب أن أمير دي أقام تحصينات معسكرنا بهذه الصرامة و الدقة، كان خصمنا شخصًا بارعًا في مداهمة المعسكرات.

ببطء، بدأت خطة ماكرة تتشكل في ذهني، هل ستنجح؟ بعد التفكير مليًّا، حثثت حصاني إلى جانب أمير دي و أبلغته بخطتي بصوت خافت، في البداية كان مترددًا، لكنه أصبح مفتونًا و مهتمًا تدريجيًا، بعد برهة، ابتسم ابتسامة خفيفة و أومأ برأسه موافِقًا، قبل أن يأمر جيشنا بالتراجع، و هكذا انتهى اليوم الأكثر دموية في معركة ولاية با.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش – المصطلحات الصينية:

(1)

歃血为盟, sha xue wei meng – حرفيًا؛ شرب الدم لتكوين عهد، يُلطخ الفم بالدم ليُنشئ عهداً، مصطلح؛ يُستخدم لوصف عهد أو ميثاق يُبرم بجدية وولاء مطلق بين طرفين أو أكثر، وغالبًا ما يكون في ظروف خطيرة أو مصيرية، كتحالفات الحرب أو الاتفاقات السرية. في العصور القديمة، كان الناس يقطعون عهداً فيما بينهم عبر مزج دمائهم أو شرب دم الأضحية دلالة على أن هذا العهد لا يُنكث، و من يخونه يُعد آثمًا أو خائنًا يستحق العقوبة.

(2)

幕僚, mu liao – مصطلح؛ يُستخدم للإشارة إلى الموظفين المقربين من المسؤولين أو القادة، يعملون كمستشارين شخصيين، وغالبًا ما يقدّمون الدعم في صنع القرار، صياغة السياسات، و التحليل الاستراتيجي، يُستخدم المصطلح في السياقات السياسية و العسكرية، و أحيانًا في الشركات، ويقابل تقريبًا مفهومي "المستشار السياسي" أو "السكرتير الخاص ذو الطابع الاستشاري"

(3)

一人之下,万人之上, yi ren zhi xia, wan ren zhi shang – حرفيًا؛ تحت شخصٍ واحد، و فوق عشرة آلاف شخص، تُستخدم هذه العبارة لوصف شخص يشغل مرتبة عالية جدًا في الهرم الاجتماعي أو السياسي، بحيث لا يعلوه سوى الإمبراطور (أو القائد الأعلى)، بينما يكون أعلى شأنًا من سائر الناس؛ هو الثاني في السلطة بعد الحاكم، و له مكانة سامية لا يضاهيه فيها أحد سوى من في القمة؛ شخص يملك سلطة شبه مطلقة في بيئة معينة.

(4)

酒囊饭袋, jiu nang fan dai – حرفيًا؛ كيس خمر و كيس أرز، تُستخدم هذه العبارة لوصف شخص عديم الفائدة، لا يجيد سوى الأكل والشرب، أي أنه يعيش لأجل الملذات فقط دون أي كفاءة أو مهارة. هي إهانة شائعة قديمة، يُقصد بها شخص: بلا فكر أو موهبة، لا يُجيد أي عمل نافع، وجوده أشبه بعبء على من حوله.

(5)

巴州, Ba zhou, با تشو – سيتشوان الشرقية و تشونغ تشينغ في العصر الحديث.

(6)

لو تشنغ – غوانغ هان في العصر الحديث.

(7)

公公, gong gong – عبارة تستخدم للإشارة إلى الخصيان.

(8)

只言片语, zhi yan pian yu – مصطلح صيني تقليدي يُستخدم للإشارة إلى كلمات أو عبارات متناثرة، قصيرة، أو غير مكتملة، يستخدم للإشارة إلى أن ما تم التعبير عنه لا يُمثل الصورة الكاملة، بل مجرد لمحات أو أجزاء مجتزأة من المعنى أو الحقيقة.

(9)

异军突起, yi jun tu qi – حرفيًا؛ جيش غريب ينهض فجأة، مصطلح؛ يُستخدم للإشارة إلى ظهور مفاجئ لقوة أو شخص من خارج السياق أو من خارج القوى المعتادة، يبرز بقوة ويُحدث تأثيرًا كبيرًا؛ يدل على شخص أو جهة ظهرت من خارج التوقعات أو من خارج التيار السائد، و حققت إنجازًا بارزًا أو شهرة مفاجئة.

(10)

人不可貌相, Ren bu ke mao xiang – مصطلح؛ لا يمكنك الحكم على الشخص من خلال مظهره، مثل صيني شهير، و يشبه في معناه المثل العربي ذاته، يُستخدم للتحذير من التسرع في إطلاق الأحكام على الناس بناءً على الشكل فقط.

(11)

关, جوان – يشير إلى الحصون المستخدمة للدفاع عن المواقع الاستراتيجية، و التي عادة ما تكون سهلة الدفاع عنها و يصعب مهاجمتها بسبب التضاريس الوعرة الطبيعية.

(12)

破城槌, po cheng chui – الكبش؛ أداة حربية صينية قديمة، مصطلح؛ مطرقة تحطيم المدن، و هي جذع خشبي ضخم أو عمود معدني يُستخدم لكسر أبواب و أسوار الحصون أثناء الهجمات. كان يُشغّله مجموعة من الجنود الذين يدفعونه بقوة متكررة نحو الهدف، و غالبًا ما يكون مغطى بغطاء لحمايته من المقذوفات.

(13)

浅尝辄止, qian chang zhe zhi – مصطلح؛ يُستخدم لوصف شخص يجرّب شيئًا قليلًا ثم يتوقف بسرعة، دون تعمّق أو استمرارية؛ يحاول بنصف قلب؛ يبدأ و لا يُكمل؛ يتذوق القليل ثم يتوقف؛ يعبّر عن التردد، أو ضعف العزيمة، أو القيام بالأمور بنصف قلب دون الاستمرار فيها أو التعمق.

(14)

如火如荼, ru huo ru tu – حرفيًا؛ مثل النار و الهشيم، مصطلح؛ يُستخدم لوصف حالة شديدة الحماسة، أو نشاط في ذروته، أو وضع يشتعل بقوة و لا يمكن وقفه؛ يُستخدم للدلالة على أن شيئًا ما يحدث بقوة و زخم وحيوية كبيرة، و غالبًا يُقال عن المعارك، المشاريع، الأحداث، أو حتى المشاعر حين تكون في أوجها.

(15)

生石灰, sheng shi hui – في هذا السياق، يُقصد بـ"الجير" المادة الكاوية المعروفة باسم الجير الحي و هو مسحوق أبيض يتفاعل بعنف مع الماء مُطلقًا حرارة شديدة، مما يسبب حروقًا و اختناقًا عند استخدامه في المعارك و لم يُقصد بها الفاكهة الحمضية أو الزيوت الغذائية، بل المادة الكلسية المستخدمة كسلاح دفاعي عند رشها بـ(الزيت 油) و إشعالها، ما يجعلها أداة فعالة لردع المهاجمين من فوق الأسوار.

(16)

惨不忍睹, can bu ren du – حرفيًا؛ مأساوي لدرجة لا يُحتمل النظر إليه، مصطلح؛ يُستخدم لوصف مشهد مروع للغاية تفوق طاقة التحمل البشري؛ فظيع لدرجة أن الإنسان لا يستطيع تحمّل النظر إليه؛ يدل على أن المنظر مؤلم أو كارثي جدًا سواء كان دمارًا، فوضى، عنفًا، أو حتى إخفاقًا شديدًا لدرجة أن المشاهد لا يستطيع مشاهدته دون الشعور بالألم أو النفور؛ مشهد مأساوي لا يُحتمل؛ فظيع إلى حد لا يمكن النظر إليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة المترجمة:

أود إعلامكم بأنني من الآن فصاعدًا سأستخدم كتابة "تشى" بالألف المقصورة بدلًا من "تشي" بالياء في اسم البطل جيانغ تشى، وذلك لأن الاسم يُكتب بالصينية 江哲، و يُكتب بالإنجليزية Jiang Zhe، مما يجعل النطق الصحيح أقرب إلى "تشى" أو "تشه" من "تشي".

2025/08/03 · 61 مشاهدة · 4043 كلمة
Serena
نادي الروايات - 2026