ا لفصل الأول: الدَّيْن المقدس
كانت السماء تحترق.
لم يكن ذلك مجازًا.
فوق السهول الشمالية لقارة إيدينورا، اشتعلت الغيوم بلون قرمزي قاتم، بينما ارتفعت أعمدة النار إلى ارتفاع الجبال.
الأرض نفسها كانت ترتجف.
الأنهار غيّرت مجاريها.
والهواء امتلأ برائحة الدم والرماد.
في قلب ساحة المعركة وقف آلاف الجنود.
فرسان.
سحرة.
مغامرون.
وحوش متحالفة مع البشر.
جميعهم ينظرون نحو الكارثة القادمة.
نحو الشيء الذي خرج من الشق العملاق في السماء.
شيء لم يكن ينبغي أن يوجد في هذا العالم.
كان طوله يتجاوز أسوار المدن.
عيناه تشبهان شمسين مظلمتين.
وجسده مغطى بقشور سوداء تمتص الضوء نفسه.
كل خطوة يخطوها كانت تترك حفرة عميقة في الأرض.
وكل زئير يطلقه كان يحصد المئات.
ساد اليأس.
لأول مرة منذ بدء الحرب.
بدأ الناس يفقدون الأمل.
أحد الفرسان ركع على ركبتيه.
أحد السحرة ألقى عصاه المكسورة.
حتى القادة الذين اعتادوا مواجهة الموت...
بدت الهزيمة في أعينهم.
حينها...
تقدم رجل واحد.
فارس يرتدي درعًا فضيًا مليئًا بالشقوق.
الدماء تغطي كتفه الأيسر.
وسيفه بالكاد ما زال متماسكًا.
لكن أحدًا لم يتجرأ على السخرية من حالته.
لأن الجميع عرفه.
عرفوا عدد الحروب التي خاضها.
وعدد المعجزات التي صنعها.
وعرفوا أيضًا...
أن ما سيقوم به الآن قد يكون آخر ما يفعله في حياته.
رفع الفارس رأسه نحو الوحش.
وأغمض عينيه.
ثم وضع يده فوق صدره.
وتلا بصوت منخفض:
"يا من تحفظ العهود."
"يا من تزن الحقوق."
"يا من لا تضيع عنده الودائع."
هبّت الرياح.
فتحت عيون الجنود بدهشة.
لقد سمعوا هذه الكلمات من قبل.
قبل سنوات.
بل عشرات السنين.
كانت إحدى النصوص المقدسة المنتشرة في أنحاء العالم.
النصوص التي لا أحد يعرف مؤلفها.
ولا يعرف من أين جاءت.
لكن الجميع يعرف شيئًا واحدًا عنها.
أنها حقيقية.
فتح الفارس عينيه.
وأكمل الترتيل.
هذه المرة بصوت هزّ ساحة المعركة كلها.
"أطلب قرضًا من بنك المانا."
"أطلب قوة تكفي لهزيمة عدو البشرية."
"وأتعهد بالسداد الكامل."
ساد الصمت.
لثانية واحدة فقط.
ثم...
انفجرت السماء.
تدفقت أنهار من الضوء الأبيض من جميع الاتجاهات.
من الأرض.
ومن الهواء.
ومن أعماق العالم.
اندفعت المانا نحوه بجنون.
أضعاف.
بل عشرات أضعاف ما يستطيع أي إنسان احتماله.
ارتجف جسده.
تشققت الأرض تحت قدميه.
وتحولت عيناه إلى نور أبيض ساطع.
شهق الجنود.
أما الوحش...
فقد أطلق زئيرًا غاضبًا لأول مرة.
كأنه شعر بالخطر.
رفع الفارس سيفه.
فاهتزت السماء.
ثم اندفع.
اختفى.
ولم يبقَ سوى خط من الضوء.
ضربة واحدة.
فقط.
شقّت العالم إلى نصفين.
وساد الصمت.
توقف الهواء.
توقفت الأصوات.
وتوقف الزمن وكأنه يراقب النتيجة.
ثم...
انقسم الوحش العملاق من رأسه حتى قدميه.
وتحول إلى غبار أسود حملته الرياح بعيدًا.
انتهت المعركة.
وبدأت صيحات النصر.
بكى الجنود.
سقط بعضهم من شدة الإرهاق.
ورفع آخرون أسلحتهم نحو السماء.
لقد نجوا.
نجوا من كارثة كانت ستبتلع القارة بأكملها.
أما الفارس...
فقد فقد وعيه.
عندما فتح عينيه مجددًا...
كان الليل قد حل.
جلس ببطء فوق سريره.
الأطباء نائمون.
والحراس خارج الغرفة.
أما هو...
فشعر بشيء غريب.
وضع يده فوق صدره.
وأغلق عينيه.
ثم تجمد مكانه.
نقصت المانا.
قليلًا.
لكنها نقصت.
لا بسبب إصابة.
ولا بسبب إرهاق.
بل لأنها...
اختفت.
بهدوء.
وكأن يدًا غير مرئية اقتطعتها.
فهم الأمر فورًا.
واتسعت ابتسامته المتعبة.
همس لنفسه:
"إذن بدأ السداد."
نظر نحو السماء من النافذة.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
شعر بالطمأنينة.
ثم قال بصوت خافت:
"أوفيت بوعدك كعادتك."
"أيها الحاكم المجهول."
وفي مكان ما...
بعيدًا عن أعين البشر جميعًا.
استمر البنك في عمله بصمت.
كما فعل دائمًا.
وكما سيفعل دائمًا.
لأن القروض قد تُمنح.
لكن الديون...
لا تُنسى أبدًا.
لفصل الأول: الدَّيْن المقدس