في الخامس عشر من رجب لعام 1450 هـ، حدث للعالم ما لم يخطر على قلب بشر...

في ذاك التاريخ، انكسر الستار الفاصل بين الواقع والخيال. استيقظ البشر ليجدوا أنهم لم يعودوا حكام هذا الكوكب؛ كل ما ظنوه مجرد خرافاتٍ وحكايات أطفال في كتب التراث طفت إلى السطح وتجسدت أمام أعيانهم حقيقةً حية.

تسبب الظهور الأول لتلك الكائنات في إبادة أعدادٍ لا تُحصى من البشر. وفي محاولات البشرية البائسة لصد تلك الوحوش، استخدموا أعتى أسلحتهم الحديثة من رصاص وصواريخ، لكنها لم تُحدث في جلود الأساطير قطرة ألمٍ واحدة.

وظل الحال كذلك، إلى أن استيقظت في دماء البعض قدراتٌ خارقة استُمدت من أساطير وأسلحة وقوى قديمة. حينها فقط، انقلبت مجريات الحرب، ووجد البشر أخيراً موطئ قدمٍ للدفاع عن وجودهم... وهكذا مرت مئة عامٍ كاملة من الصمود البشري.

«رنين... رنين...»

في غرفةٍ واسعة تشي تفاصيلها الفارهة بأن صاحبها ينتمي لعائلةٍ ذات نفوذٍ وثقل، كان يستلقي غارقاً في نومه، قبل أن تمتد يده بآلية ليطفئ صوت المنبه المزعج.

تنهد بضيق ومسح وجهه ببطء:

— «ياه... يا له من يومٍ متعب... لحظة، ناديت الأكاديمية!»

التقط هاتفه بسرعة وفحص الشاشة، ثم أطلق زفيراً هادئاً وهو يرى التاريخ:

— «لم أتأخر بعد...»

قام من سريره متجهاً إلى الحمام، وما هي إلا دقائق حتى خرج مجدداً ليجهز لباسه. ارتدى ثوباً أبيض ناصعاً، ثم لثّم وجهه بالشماغ ببراعة، فلم يعد يظهر منه سوى عينيه النافذتين ذات اللون الأزرق الصافي. أخذ حوائجه وأغراضه التي يحتاجها، ثم خطى خارج المنزل.

عند الباب الخارجي، كان هناك جندي يرتدي زيه الرسمي بانتظاره، وما إن رآه حتى قال:

— «والدك كلمني لأقوم بتوصيلك يا باسل.»

رد عليه باسل بنبرة هادئة ومتحفظة من خلف لثامه:

— «ألا يرى أبي أنني أستطيع الاعتماد على نفسي؟ خاصة وأنني ضابط...»

ابتسم الجندي وهو يصحح له زَعْمه:

— «طالب ضابط! لست ضابطاً رسمياً حتى تتخرج من الأكاديمية العسكرية. هيا بنا، لا نملك الوقت كله... تعال يا باسل.»

سار باسل خلفه وهو يضغط على أسنانه حنقاً، متشكياً في صمته. صعد السيارة وانطلقت بهما عبر شوارع المدينة.

ظل باسل يطالع من خلال الزجاج المظلل، يتأمل المباني المتطورة السامقة والجزر الطائرة التي تسبح في السماء... عالمٌ مختلف تماماً عن كل ما عرفه التاريخ القديم، أثرٌ حيّ لذلك الحدث العظيم الذي وقع قبل مئة عام، فغيّر تضاريس الأرض وجعلها لا تشبه أي شيءٍ مضى.

مخلوقاتٌ مثل «النسناس» أو «حمارة القايلة»—التي كانت مجرد خرافاتٍ يُستحال وجودها—أصبحت اليوم حقائق تجوب الأرض.

— «باسل... باسل! استيقظ!»

جاءه صوت الجندي ليرده فجأة من غياهب تأمله، وكان الجندي قد ترجل بالفعل ليفتح له باب السيارة.

ترجل باسل بخطوات ثابتة، ورفع رأسه ليتأمل الصرح العظيم الممتد أمامه: الأكاديمية.

كان المكان يغصّ بازدحامٍ هائل من الطلاب الوافدين من مختلف أنحاء العالم للتنافس والدراسة في أكبر أكاديمية عسكرية على وجه الأرض، والموجودة في قلب أكبر إمبراطورية تحكم العالم اليوم بعد أن ظهرت القدرات الوراثية الخارقة حصراً في أبنائها—وهي قدرات تختلف عن المهارات المكتسبة كالمبارزة والفراسة كونها نابعة من أساطير عربية خالصة... الإمبراطورية السعودية.

توجه باسل نحو أقرب مدخل للدخول إلى الأكاديمية. التفت يميناً فرأى جمعاً غفيراً من الطلاب يتسامرون بحماسٍ بالغة. تنهد بأسى وهو يرقبهم، وتذكر الثقل الكبير الملقى على عاتقه كونه ابن رجلٍ بذاك النفوذ والقامة... لكنه سرعان ما أبعد تلك الأفكار، مركزاً على هدفه الأسمى: أن يتجاوز أباه ويصبح أفضل منه.

دخل باسل إلى الساحة الداخلية، فوجد مئة طالبٍ يقفون في طوابير منتظمة ينظرون إلى شخصٍ اعتلى المنبر يخطب فيهم قائلاً بنبرة جهورية:

— «أنتم أبناء المستقبل! الوحوش والسحرة لن يقفوا في طريقكم... منكم من يحمل قدراتٍ وراثية، ولكن لا تجعلوا ذلك يبعث الشعور بالدونية في نفوس الآخرين، فالعمل الجاد قادرٌ على ردم الفجوات بينكم، فلا تجعلوا الفروق الفردية سبباً لتدمير مستقبلكم!»

وقف باسل في الطابور غير مهتمٍ بكلام الخطيب، بل يعلوه الضجر وهو ينتظر بفارغ الصبر أن ينتهي هذا الرجل من حديثه الذي رآه أطول مما ينبغي!

بعد أن أنهى الخطيب كلمته، توجّه الطلاب جميعًا إلى الفصول الموضّحة في بطاقاتهم التعريفية الإلكترونية، والتي وصلتهم على هواتفهم قبل قدومهم إلى الأكاديمية.

توجّه باسل إلى فصله وجلس في المقعد الأخير؛ فبفضل قدرته الوراثية الفريدة —عينَي الزرقاء التي انحدرت إليه من سلالة "زرقاء اليمامة" أسطورة الرؤية— كان يستطيع رؤية كل شيء بوضوح ومن مسافات شاسعة، دون أن يزعجه أحد.

وبجواره، كان يجلس طالبٌ ضخم البنية، لو وهلته الأولى لظننتَ أنه من جيل العمالقة. التفت النظرة نحو باسل وقال بنبرة واثقة:

— «السلام عليكم. يبدو أنك من أصحاب القدرات الخارقة أيضًا؟ قدرتي هي "العملقة"، ماذا عنك؟»

أجابه باسل ببساطة شديدة:

— «انظر إلى عينَيّ وستعرف.»

قسّم العملاق ملامحه مستغربًا:

— «عيناك؟ ما بهما عيناك؟»

صفع باسل جبهته بقلة صبر متأففًا:

— «زرقاء يا أحمق! يا صاحب الراس العضلي!»

ردّ العملاق بفضول:

— «وما المثير في كونها زرقاء؟»

تنهّد باسل موضحًا:

— «هذه هي قدرتي أصلًا! عينان خارقتان تمكنانني من الرؤية لأبعاد شاسعة، وتتبّع حركة الأعداء، بل وحتى الاختراق والرؤية ما خلف الجدران.»

ابتسم العملاق بمهابة وهو يهز رأسه:

— «أها! فهمت الآن.. عيون خارقة إذن! ما اسمك؟ أنا عنتر.»

رد باسل بزفرة خفيفة:

— «اسمي باسل.. وأرجو ألا تنساه بعقلك الفارغ هذا.»

وفجأة، قاطع حديثهما صوتُ فتحٍ قويّ ومباغت للباب!

دخل رجلٌ طوال القامة، عريض المنكبين، ذو لحية كثيفة وملامح حادة. كانت عيناه تحملان قسوة وحشية توحي بأنه قادر على قتلك بنظرة واحدة فقط! كان تجسيدًا حيًّا للهيبة والصرامة.

صاح بصوت جَهوريّ يُرعد في أرجاء القاعة:

— «قفوا جميعًا! إلى ملاعب التدريب فضلًا وسريعًا!»

رفع أحد الطلاب يده مستفسرًا ب تردد:

— «ولكن يا أستاذ—»

قاطعه الأستاذ بنبرة قاطعة كالحديد:

— «صمتًا! لم نأتِ إلى هنا للعب أو الجدال. اصطفوا بسرعة وبنظام ودون أدنى صوت!»

انطلق الطلاب في خطٍّ منتظم نحو ملعب التدريب، واصطفوا كما أُمروا. وقف الأستاذ أمامهم، ونظر إليهم بتفحص قبل أن يطرح سؤاله الأول:

— «ماذا تعرفون عن الثلاث العظام؟»

رفع طالبٌ يرتدي نظارات يده بحماس، وظهر عليه الذكاء والاجتهاد قائلاً:

— «هي: المبارزة، والفراسة، وتتبع الأثر!»

رد الأستاذ بنبرة باردة كالثلج:

— «صحيح.. المبارزة، الفراسة، وتتبع الأثر. ولكن، لماذا هذه الثلاث بالذات؟ ولماذا نحتاج لتعلّم بقيتها؟»

صمت قليلاً ليترك كلامه يترسب في أذهانهم، ثم واصل:

— «بعضكم يظن أن المبارزة هي كل شيء.. لكن فكروا فيها: حين تخرج للصيد، تحتاج إلى ثلاثة أمور أساسية: أن تجد مكان الفريسة أولاً عبر تتبع الأثر، وأن تقرأ تحركاتها ونواياها ثانيًا عبر الفراسة، ثم تقضي عليها أخيرًا عبر المبارزة. هنا في الأكاديمية لا مكان للتساهل؛ فحياتكم تعتمد على هذه العلوم. والان.. ستتواجهون في مبارزات ثنائية فورًا!»

ارتفعت يد طالب آخر متسائلاً باستغراب وضيق:

— «أليس هذا غير عادل؟ قد نُحاط بمواجهة أشخاص تدربوا من قبل، أو يملكون قدرات وراثية قوية!»

نظر إليه الأستاذ بثبات، ولم ترمش له عين، بل أردف بنبرة أبرد من السابقة:

— «ومذ متى كانت الحياة عادلة أصلًا؟»

2026/07/21 · 6 مشاهدة · 1049 كلمة
faidsk
نادي الروايات - 2026