نظر إليه الأستاذ بثباتٍ، ولم ترمش له عين، بل أردف بنبرةٍ أبرد من السابقة:

— «ومُذ متى كانت الحياة عادلةً أصلًا؟»

بدأ الطلاب يتبادلون النظرات بحسرة؛ فقد أدركوا أنهم أمام معلمٍ صارم سيعكّر عليهم درجاتهم في الأكاديمية. إلا أن بعضهم كان يعلم مسبقاً أن القسوة أمرٌ محتوم؛ فهذه أكبر أكاديمية ضباطٍ في الإمبراطورية، والموجودة في العاصمة الرياض.

أما أصحاب القدرات الموروثة، فلم يهتموا إطلاقاً بما قاله المعلم، بل تجرأ بعضهم على التثاؤب بضجر؛ إذ كانوا واثقين كل الثقة من تفوقهم في هذه المبارزات. فجميعهم ينتمون لعائلاتٍ عريقة، وتدربوا على القتال منذ نعومة أظفارهم.

قال الأستاذ بنبرة حازمة:

— «انتبهوا!»

ثم أشار بيده إلى طالبين: أحدهما من أصحاب القدرات الموروثة، والآخر طالبٌ عادي.

شخصت عينَا الطالب العادي وهو يرتعد خوفاً وصدمة، يهمس لنفسه:

— «سيتم سحقي حتماً! إنه ريان... صاحب قدرة السرعة الموروثة، وأفضل طالبٍ في مدرسته!»

أما ريان، فمال بوجهه وعَبَس قائلاً بازدراء:

— «يا له من جبان...»

قاطعهم الأستاذ بصرامة:

— «صمتاً! اذهبا والتقطا أسلحتكما الخشبية التي تريدانها من البراميل هناك.»

أشار الأستاذ بيده إلى الزاوية، فتقدّم ريان واختار خنجرين خشبين، بينما أخذ الطالب العادي رمحاً، ثم وقفا وجهين لوجه داخل الحلبة.

لم يستغرق الأمر من ريان أدنى جهد؛ إذ لم يكد الخصم يتحرك حتى اختفى ريان من أمامه وظهر فجأةً خلف ظهره. بتلويحةٍ بسيطة وسريعة بخنجره الخشبي، أسقط الطالب العادي أرضاً!

وقال ريان بنبرةٍ مليئة بقلة الصبر:

— «لماذا يتوجب عليّ الدراسة في نفس المكان مع هذا الضعيف الجبان؟»

واستمرت النزالات متتابعة، حتى حدث ما أثار الحماس في القاعة بأكملها: مواجهة بين اثنين من أصحاب القدرات الموروثة... عنتر ضد خالد.

وقف الاثنان أمام بعضهما في منتصف الحلبة. وفجأة، نطق خالد بكلماتٍ صدمت جميع الحاضرين وهو يبتسم ابتسامةً يعلوها الجنون:

— «تعال واضربني... يلا تعال!»

ثم أردف يستفز خصمه بنبرةٍ ساحرة:

— «يا ذا الرأس الفارغ!»

اشتعل غضب عنتر وهتف بحنق:

— «أنست صديقاً لي حتى تتجرأ وتتحدث معي بهذه الطريقة؟!»

تساءل بقية الطلاب في ذهول عن سر هذا التهور والجنون الذي يبديه طالبٌ يمتلك قدرةً مجهولة؛ كيف يتجرأ على استفزاز عنتر، صاحب «قدرة العملقة» المرعبة؟!

اندفع عنتر بنحوٍ أهوج حاملاً بفأسه الخشبي العملاق. في المقابل، لم يتحرك خالد إنشاً واحداً؛ ظل واقفاً في مكانه ممسكاً بسيفه. طوّح عنتر بالفأس بقوة هائلة بهدف كسر يد خالد، ولم يبدِ خالد أي محاولة للدفاع عن نفسه... فتهشمت عظام يده أمام مرأى الجميع!

ساد الذهول الساحة، لكن الصدمة الحقيقية كانت في ردة فعل خالد؛ فلم يتأوه، ولم تصدر منه أي نأمة ألم، بل اندفعت منه ضحكةٌ هستيرية هزت القاعة!

انصدم الجميع من هذا المشهد المريب، حتى باسل نفسه تقطب حاجباه صدمةً من تصرف خالد. وقبل أن يستوعب أحدٌ ما يحدث، رأوا شيئاً يقشعر له الأبدان... كانت يد خالد المكسورة تتجدد وترمم نفسها بسرعةٍ فائقة!

وفي اللحظة التي أنهى فيها عنتر ضربته وكان غارقاً في ذهوله دون درعٍ حامٍ، استغل خالد هذه الفجوة واندفع ليتشبث بظهر عنتر بضراوة! بدأ خالد ينهال عليه بالضربات السريعة والمباغتة بسيفه الخشبي، بينما كان يضربه بقبضته الحرة أيضاً بضربات قوية ومتتالية على وجهه وجسده، ويقهقه بصوتٍ عالٍ:

— «يا غبي! يا أهبل! هههههه! فعلاً... رأسٌ فارغ! كانت هذه خطتي منذ البداية... قدرتي هي «دم الشفاء»!»

حاول عنتر بكل ما أوتي من قوة هائلة إبعاد خالد عنه؛ ضربه، ودفعه، وحاول تكسيره، لكن خالد كان متمسكاً بظهره بعنادٍ مجنون. مهما نال خالد من ضربات، كانت جراحه تتجدد فوراً، مستمراً في الضحك والضرب بالسيف وقبضته دون توقف!

تحولت الحلبة إلى مسرحيةٍ وحشية ومجنونة، استمرت لبعض الوقت... حتى أنهكت جراح عنتر وتوالت ضربات خالد جسده وأفقده التعب والإرهاق وعيه، ليعلن الحاكم فوز خالد في هذه المبارزة الصادمة.

صُدم باسل بما رآه؛ كيف أمكن لخالد أن يفكر بهذه الطريقة الممزوجة بين الذكاء والجنون؟ ظل باسل يراقبه طوال القتال، يحلل أدق التفاصيل بعينيه النافذتين، لكن انطباعه الأخير كان وثيقاً: هذه طريقةٌ تفتقر للنزاهة والأخلاق في القتال.

وشاركه الكثير من الطلاب هذا الرأي في اللحظة ذاتها. التفت أحد الطلاب نحو المعلم وسأله بنبرةٍ مترددة:

— «أليس هذا أسلوباً يفتقر للشرف يا أستاذ؟»

قاطعه الأستاذ بنبرة حازمة وقاطعة:

— «ونحن في ساحة المعركة، هل تظن أن الوحوش الماكرة والأشد خطورة ستأبه بشرفك؟ أم تظن أن الشرف سينقذك من الموت؟»

سكت الطالب بخجل وعاد إلى مكانه، بينما لزم بقية الطلاب الصمت حذراً من إغضاب الأستاذ مجدداً.

وبعد لحظات، نُودي على اسم باسل... حان دوره في المواجهة أمام فارس، وهو طالبٌ لا يملك قدرةً وراثية، لكنه يُعدّ أفضل طالبٍ في أكاديميته بفضل مهاراته الفذة.

توجه باسل وفارس إلى براميل الأسلحة الخشبية. اختار باسل سيفاً طويلاً، بينما أخذ فارس سيفاً عادي الحجم. نظر فارس إلى سيف باسل وتساءل باستغراب:

— «أَلَسْتَ ابن ذاك الرجل العظيم؟ لمَ تستخدم السيف بينما تشتهر عائلتك بالكامل ببراعة استخدام الخناجر والقوس؟»

رد عليه باسل بنبرة هادئة ورزينة:

— «أنا مختلف... فلننهِ هذا النزال أفضل.»

ابتسم فارس بإعجاب، وتوجها معاً إلى الحلبة وقفا وجهين لوجه، حتى أعلن الأستاذ بدء المبارزة.

انطلق باسل بلمح البصر يوجه ضربة مباغتة بسيفه، لكن فارس صدها ببراعة. غير باسل اتجاه سيفه بسرعة قاطعاً بضربة يسارية خاطفة لكسر دفاع خصمه، غير أن فارس تفاداها في اللحظة الأخيرة وانطلق بهجمةٍ مضادة. لكن باسل، بفضل عينيه النافذتين وقدرته على قراءة حركة العضلات، توقع مسار ضربة فارس قبل حدوثها بثوانٍ، فتجنبها بسلاسة ثم جهّز سيفه لضربة سريعة من اليمين، هامساً بصوتٍ خفيض:

— «سيف الشمس... القطع الناري!»

فجأة، اندلعت حرارةٌ هائلة من اتجاه السيف؛ مما أجبر فارس على الشخوص والتراجع سريعاً ليتفادى قوة الضرب، ومع ذلك أصابته لفحة حرارية سببت له حروقاً خفيفة من الدرجة الأولى.

ابتسم فارس وهو يمسح على أثر الحرق:

— «يبدو أنك تأخذ الأمر بجديةٍ تامة... لكن هذا غريب؛ لمَ لا تستخدم تقنيات الظل والقمر التي تتوارثها عائلتك؟ لمَ تختار تقنية الشمس؟»

أجابه باسل ببرود دون أن يرفع تركيزه عن الخصم:

— «أكمل القتال.»

استجمع فارس قواه وهجم ملوحاً بسيفه وهو يصرخ مفرغاً تقنيته:

— «سيف الريح... بؤرة الأعصار!»

في لحظة، بدأت دواماتٌ هائلة من الرياح تجمع الهواء من حولهما بشكلٍ مرعب، واندمجت في هجمة إعصارية مدمرة تتجه نحو باسل. لكن باسل لم يتراجع إنشاً واحداً، بل استقبل الهجمة بضربةٍ مماثلة ورادعة، وصرخ بصوتٍ هز الساحة:

— «سيف الشمس... الظهر!»

في مشهدٍ مهيب أذهل كل الطلاب والحاضرين، تصادمت القوتان ليتشكل إعصارٌ ناريٌ مهول كاد يلتهم الحلبة بمن فيها!

وفجأة... تدخل الأستاذ!

وانتقل بينهما بسرعةٍ خيالية لم تستطع حتى عينا باسل الزرقاوان الحادتان تتبعها أو إدراكها. وقف الأستاذ بينهما واضعاً حداً للنزال، وقال بنبرةٍ غاضبة:

— «لم يكن هناك أي داعٍ لاستخدام هذه التقنيات الخطيرة! هذا مجرد نزال تدريبي، وليس قتالاً لتقتلوا بعضكم وتؤذوا من حولكم!»

خفض باسل رأسه متفهماً وقال:

— «حاضر يا أستاذ.»

ثم التفت نحو فارس ونظر في عينيه قائلاً:

— «تعادل.»

ابتسم فارس وأومأ براسه:

— «تعادل.»

2026/07/21 · 1 مشاهدة · 1050 كلمة
faidsk
نادي الروايات - 2026