الفصل السابع والعشرين: مهمة المعلم~

"جميعكم معاقبون!" قال فيليب بصوت مرتفع وحازم، بنبرة من اعتاد أن يُطاع.

"لكن يا أستاذ، هم من هجموا على دانيال أولاً!" رد إيفان بسرعة، وكان الوحيد الذي تجرأ على الكلام بثبات بين الطلاب الصامتين.

فيليب وضع يده على جبهته، ونظر إلى إيفان بنظرة متعبة قليلاً. "وتظن أنني كنت سأقف مكتوف الأيدي وأتركهم يؤذونه؟"

أدار رأسه قليلاً وأضاف بحدة: "هل توقعت ذلك حقًا؟"

إيفان لم يجد جوابًا فوريًا.

كان يعرف أن فيليب، الذي قضى سنوات طويلة كأستاذ ومقاتل في الخطوط الأمامية، لن يسمح بأن يخرج الأمر عن سيطرته. لم يكن الأمر مفاجئًا، لكن حدة الموقف أنسته ذلك للحظة.

"لكن-" حاول إيفان مرة أخرى، وشعور بالإحباط يتسرب إلى نبرته.

"يكفي، انتهى الأمر." قاطعه فيليب بهدوء، لكن بصوت لا يترك مجالاً للنقاش.

"المقاتلون سقطوا، لا أحد قادر على الاستمرار. النتيجة تعادل."

حرك يده بسرعة قاطعة، وكأنما أغلق صنبورًا للتوتر، فساد الهدوء فجأة في القاعة. الضغط الذي كان يملأ المكان اختفى فجأة.

بعد لحظات، دخل أربعة رجال يرتدون ملابس عملية رمادية، تشبه زي الإطفاء.

تحرك الرجال الرماديون بهدوء منظم، وكأنهم جزء نظام مبني على أوامر محددة.

لم ينظروا إلى الطلاب المنهكين أو الدماء المتناثرة، بل توجهوا مباشرة نحو دانيال وأزيلاس.

حمل اثنان منهم نقالات ذات تصميم خاص، تبدو قادرة على تثبيت أي جسد مهما كانت مقاومته.

بينما كانوا يقتربون، تحدث فيليب بنبرة هادئة لكن كلماته حملت وزنًا ثقيلاً: "هذا الشجار تجاوز حدود المنافسة الأكاديمية. لقد كشف عن هشاشة في ضبط النفس، وغياب للحكمة في إدارة القوة."

توقف رجال الإسعاف بجانب دانيال وأزيلاس، وبدأوا في حملهما بعناية فائقة.

نظر فيليب إلى الطلاب الباقين، وعيناه تخترقان صمتهم المطبق.

"العقوبة لن تكون مجرد توبيخ أو حرمان من الامتيازات."

"ما رأيته اليوم يثير قلقًا عميقًا بشأن مستقبلكم كقادة ومقاتلين."

ثم أضاف ببطء، وكأن كلماته تنحت على الصخر:

"اعتبارًا من بداية العام الدراسي، سيخضع جميع من شارك في هذا الشجار، بالإضافة إلى السيد فرايبورغ لمحاولته التدخل، لدورة مكثفة في 'فلسفة القوة وضبط الذات'."

"هذه الدورة لن تركز على تطوير القدرات القتالية، بل على فهم أعمق لطبيعة القوة، وكيفية استخدامها بمسؤولية وحكمة."

نظرات الدهشة والاستغراب ارتسمت على وجوه الطلاب.

"دورة في الفلسفة؟" همس أحدهم بذهول.

"في أكاديمية تركز على القوة القتالية والسحر؟"

تابع فيليب، وكأنه يقرأ أفكارهم:

"قد تستخفون بأهمية الأنضباط الآن، لكن تذكروا كلماتي:"

"القوة بلا حكمة سيف أعمى، والحكمة بلا قوة مجرد أمنية عاجزة."

"لقد أظهرتم اليوم امتلاككم للقوة، ولكنكم فشلتم فشلاً ذريعًا في إظهار الحكمة."

ثم وجه نظره نحو مكان خروج رجال الإسعاف، وقال بصدى عميق:

"سيتم نقل السيد ألستر والآنسة ستارلينغ إلى الجناح الطبي الخاص تحت حراسة مشددة."

"أما أنتم الباقون، فاستعدوا لبداية نوع مختلف من التدريب."

التفت فيليب ليغادر الساحة، لكن قبل أن يختفي تمامًا، توقف للحظة.

التفت بنظرة صارمة، تقيم كل طالب أمامه.

"استمعوا جيدًا: ما رأيته اليوم لم يكن تنافسًا، بل فوضى."

"القوة التي أظهرتموها هنا، دون تحكم أو هدف واضح، ستكون نقطة ضعفكم."

"دورة 'فلسفة القوة وضبط الذات' ليست مجرد عقوبة، بل هي تدريب من نوع آخر."

"ستتعلمون فيها كيف تفكرون كقادة، وكيف تسيطرون على قوتكم بدلًا من أن تتحكم بكم."

"القوة بلا هدف نبيل، كالسيل الذي يدمر ولا ينفع. تعلموا كيف توجهون سيولكم." ثم غادر.

تاركًا وراءه طلابًا يتبادلون نظرات بدأت تحمل بعض التفكير، وربما القليل من القلق بشأن المستقبل.

**

فيليب استدار ليغادر الساحة، خطواته الرزينة تخفت تدريجيًا مبتعدة عن بقعة الضوء المركزية.

الظلال الكثيفة سرعان ما ابتلعته، تاركًا وراءه صمتًا ثقيلاً يخيم على الكولوسيوم بعد تلك المواجهة العنيفة.

قبل أن يختفي تمامًا في عتمة الممرات المؤدية للخارج، برزت من بين ثنايا الظلام شكل أنثوي.

اقتربت بخطوات هادئة.

عندما وصلت إلى منطقة الضوء الخافت، تبين وشم معقد يزين جبينها، وهو النقش المميز لأبناء عرق الأوزوريس.

كانت تقف بوقار وثقة، هالة خفيفة من السلطة الهادئة تحيط بها.

"لقد أظهروا قوة جامحة بحق، أستاذ فيليب." قالت بصوت منخفض، لكن كلماتها حملت نبرة عميقة

توقف فيليب، صوته الحاد يخترق الصمت دون أن يستدير: "توقعت مراقبتك..سيرين."

ثم، بإيجاز، أضاف: "القوة تحتاج إلى توجيه."

استدار ببطء، وعيناه الثاقبتان تستقران على الأستاذة الأوزوريسية.

كانت نظراتها غامضة إلى حد ما..لا يعرف ما تفكر فيه.

"هذا الجيل... يحمل في داخله شرارة فريدة. مواهب لم نرَ مثلها من قبل." تابعت سيرين، وعيناها اللوزيتان تتأملان آثار المعركة.

"لكن الشرارة الجامحة قد تحرق كل شيء."

"الحكمة هي اللجام." أجاب فيليب بجدية. "بدونها، تصبح الموهبة لعنة."

أضافت سيرين ببطء: "أحيانًا أُفكر... هل نملك الحق في تقييد هذه المواهب الهائلة؟ ألا يجب أن ندعهم يكتشفون حدودهم بأنفسهم؟"

"الحدود التي يكتشفونها بأنفسهم قد تكون مدمرة لهم ولغيرهم." رد فيليب بحزم. "دورنا أن نرسم لهم البداية، أن نغرس فيهم بذور."

تابعت سيرين، ونبرتها تحمل شيئًا من الرتابة: "لكن ألا نخاطر بخنق الإبداع، بتطويع الروح الحرة؟"

"الروح الحرة تحتاج إلى فهم مسؤوليتها." أوضح فيليب. "الحرية بلا وعي... فوضى مجردة."

اختتمت سيرين كلامها بتنهيدة خفيفة: "جيل ذهبي هيه... لكن الذهب يحتاج إلى صقل ليصبح ذا قيمة حقيقية."

نظر إليها فيليب ببرود. "وصقل الذهب مهمتنا."

"بالتأكيد." أجابت موافقة. "السر يكمن في صقل هذا المعدن الخام ليصبح سيفًا قاطعًا."

صمت للحظة، ثم قال فيليب بنبرة تحمل إنزعاج: "آمل أن يفهموا مدى عبثية مشاجراتهم."

ردت بسخرية: "سيفهمون...عندما يحين الوقت، لذا دعهم يستمتعون بشبابهم."

"مهما يكن، مكتبي ينتظر." نطق فيليب بملل، كان المكتب هو ملاذه الأوحد، لذا استدار مغادرًا دون نظرة أخرى لسيرين.

"أوه يا!" تنهدت سيرين بحدة، "يا له من جليد يمشي على قدمين! يترك امرأة فاتنة مثلي أسير وحيدة؟" هزت رأسها بقلة تصديق.

**

في قلب شارع تجاري يعج بالحياة، انتشرت الأكشاك المتراصة كخلايا نحل نشطة.

وسط هذا الصخب، وقف شاب يافع بشعر أسود فاحم ينسدل على جبينه بعشوائية جذابة.

ارتدى قميصًا بلون القمح وسروالًا أسود فضفاضًا يكشف عن ساقيه حتى منتصفهما، مظهر يوحي ببساطته وعدم اكتراثه بالمظاهر.

"دمى الأحلام... أحلام سعيدة مضمونة! رسول الأحلام يأتيك بنوم هانئ... اشترِ اثنتين واحصل على ليالٍ خالية من الكوابيس المزعجة!" نادى بصوت رخيم، لا عالٍ فيزعج ولا خافت فيُهمل، نبرة تجذب الانتباه دون إلحاح.

عبثًا رمق "كال" المارة بنظرات فاترة، وكان الملل قد استوطن عينيه.

تجاهلوه كظل عابر، وجوههم تخلو من أي تعبير يدل على اهتمام أو حتى فضول.

"أتفعل هذا... كل يوم؟" تساءل "كال" بنبرة تحمل مزيجًا من الفضول والسخرية الخفيفة، وهو ينظر إلى الخلف.

هناك، جالسة على كرسي هزاز خشبي قديم، كانت حسناء. تجلس بهدوء. بينما يحيط بها جو من السكون.

"هممم... هم هم." همهمت بصوت منخفض، بينما كانت أناملها الماهرة تحيك دمية صغيرة بدقة.

أحلام مستعملة، بأسعار مغرية... الضمان الوحيد هو أنها لن تتحقق أبدًا.

قبل أن يتسرع احد بالشراء، دعونا نعود إلى للوراء، لنفهم كيف تحولت الأحلام إلى سلعة قابلة للتداول.

*

خرجت من الحمام البارد، قطرات الماء تتلألأ على رموشي.

أول ما تبادر إلى ذهني، السؤال الذي يقض مضجعي: "إذًا، أين زوجكِ؟" تمنيتُ في قرارة نفسي ألا يكون قد لحق بابنها.

تنهدت السيدة بصوت خفيض، كأنها تحرر عبئًا ثقيلاً.

"هوهو... لقد رحل عن هذه الدنيا منذ زمن." لم يبدُ على نبرتها الألم الحارق الذي رأيته في عينيها وهي تتحدث عن فقدان ولدها.

يا إلهي، كررت نفس الخطأ الغبي! تبًا لي.

"يؤسفني جدًا ذلك." حاولتُ تدارك الأمر، باحثًا عن أي موضوع آخر لأتحدث فيه. "هل كانت وعكة مفاجئة أم... بسبب تقدم العمر؟"

لا اعرف اذ كنت أحمق لكي أسأل عن تفاصيل موت شخص ما.

"قُتل أيضًا." قالتها ببرود يخفي تحته بحرًا من الحزن.

اللعنة عليّ ألف مرة!!

"أعتذر بشدة. أنا آسف حقًا." تراجعت بخجل، محاولًا إصلاح ما لا يُصلح.

رفعت السيدة يدها ببطء، في إشارة للتوقف. "لا تُرهق نفسك يا بني. أسئلتك طبيعية، لا داعي لأن تعذب ضميرك." ابتسمت لي ابتسامة باهتة، لكن عينيها بقيتا تحملان ظلًا من الحزن.

"إذًا... ما هو عملكِ سيدتي؟" سألتُ بحذر، محاولًا تغيير دفة الحديث.

كيف لهذه المرأة الطاعنة في السن، التي تعيش وحيدة على ما يبدو، أن تكسب قوت يومها؟

"هوهو..." رفعت الدمية البنية الصغيرة ذات الأزرار كعينين من بين يديها، وضمتها إلى صدرها بحنان. "أحيكُ الدمى وأبيعها. هذا أقصى ما تستطيع عجوز مثلي فعله."

تحيك! ربما تكون هذه فرصتي.

"لديكِ هواية رائعة!" أعلنتُ بحماس مصطنع. "ما رأيكِ أن أساعدكِ في بيعها اليوم؟ سيكون تغييرًا جيدًا."

ارتعش وجهها قليلًا، وتصلبت نبرتها. "لا." قالتها بقلق واضح. "ما زلتَ متعبًا ولم تستعد عافيتك تمامًا."

رفعتُ يدي بلامبالاة مصطنعة، محاولًا إخفاء خيبة أملي.

"هيه! أنا طالب في أكاديمية الأمل، وموهوب بالفطرة! شيء كهذا سيشفى بسرعة البرق." ابتسمت بثقة زائفة، آملاً أن أبدد قلقها.

ولكي ابدد قلقها، "لا ترفضي ارجوك، سأكون سعيد بمحاولة رد ديني الذي لا اعتقد انني سأستطيع سداده." كسب تعاطفها.

توقفت للحظة، بدا التردد واضحًا في ارتعاشة خفيفة في جفونها، وتلك النظرة المترددة التي استقرت على وجهي للحظات قبل أن تنطلق تنهيدة مريرة من أعماقها.

"هوف..."

ثم، بعد برهة صمت بدت أطول مما يجب، قالت بصوت خفيض، كمن يخشى أن يزعج تفكيره: "حسنًا، ولكن... لا تتحرك كثيرًا."

ابتسمتُ ببساطة، محاولًا طمأنتها.

"حاضر!"

*

وها أنا ذا.

أستقر على هذا الكرسي الهزاز الخشبي، يذكرني بتلك الجلسة مع حسناء. أطلقتُ العنان لصوتي، أكرر الجمل التي حفظتها: "دمى تحمي أطفالكم... هدايا مميزة لأحبائكم..."

لم أعد أحسب الوقت.

عيناي تراقب حركة المارين جيئة وذهابًا، وأنا أتعمد رفع نبرة صوتي قليلًا كلما اقترب أحدهم، كبائع متجول خبير.

حتى...

"أبي!" صوت طفولي اخترق ضجيج المكان، صوت حيوي ومتحمس. "أريد شراء هذه الدمية، أرجوك!"

"حسنًا يا آنا، لا تكوني منفعلة هكذا." رد صوت أبوي هادئ.

فور سماع الصوت، وقع بصري على رجل أنيق يرتدي لباسًا رسميًا وقبعة أسطوانية عصرية تخفي ملامح جبينه.

لفتت انتباهي عينه الخضراء الزمردية التي كانت تفيض حنانًا، ولحيته البنية المهذبة. كان يتكئ على عصا أنيقة بيده اليمنى، بينما يمسك بيده اليسرى يدًا صغيرة.

نظرتُ إلى الصغيرة. شعر أشقر فاتح يتدلى على كتفيها، وعينان خضراوان تمامًا كوالدها، تبرقان بطفولة آسرة. كانت ترتدي فستانًا أنيقًا، ربما أكثر رسمية من ملابس بقية الأطفال في الساحة.

"بكم ثمن الدمية الواحدة؟" سأل الرجل بأسلوب مهذب وواثق.

ابتسمتُ ابتسامة زائفة، باطنها يحسب المكسب المحتمل. "قطعة نحاسية." علمتني حسناء بالفعل بأسعارهم.

"إذًا أريد واحدة من فضلك." مد يده وأخذ إحدى الدمى المعروضة أمامي، وفي نفس اللحظة، وضع عملة معدنية في يدي.

حدقت في القطعة الفضية اللامعة المستقرة في كفي.

"ها؟... أنت مخطئ يا سيدي، هذه عملة فضية." خرجت الكلمات مني باستغراب، وكأنني أشك في بصري.

رفع الرجل حاجبه قليلًا، ثم غمز بعينه الخضراء ببطء، وكأنه يشاركني سرًا ما. ثم استدار وأعطاني ظهره، وغادر المكان ممسكًا بيد ابنته الصغيرة.

شاهدتُ ظهره يختفي بين المارة، ولم أتحرك. "يا له من سخاء نبيل!" فكرت بسخرية لاذعة، "ويا لي من غبي كدت أسمح لهذه الفرصة أن تفلت من يدي."

إنه غني... أنتظر، غني!

صحيح، قلب التنين!

"آه! يا قلب تنيني! اللعنة!" ضغطت على يدي بقوة، شعور بالخسارة يعتصر قلبي.

كنت سأصبح ثريًا ببيعه!

ولكنه تبخر، تلاشى في غمرة تلك المعركة العبثية.

"سألعنك يا وليام حتى آخر يوم في حياتي!"

***

اعذروني على الأخطاء.

2025/04/05 · 83 مشاهدة · 1681 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2025