ظلامٌ لا متناهي، اختفى القمرُ وهربت النجوم، تاركيني بمفردي احدقُ بالفراغ مِن إطار النافذة الصغيرة
جالساً على كرسي خشبي يهتزُ للأمام والخلف
-أليسَ ذلكَ موحِشاً؟ لا شيء تراه-قطع سكونهُ صوتٌ مألوف (دخل بإطلالته المبهرة
معطفٌ أبيض يميزُ الأطباء، نظارةٌ طبية تستقرُ فوق عينيهُ البنية خصلُ شعره البني متساقطة بشكلٍ عشوائي على وجهه
يرنُ كعب حذائه الجلدي بكل خطوة يخطوها وتستقرُ أمامه مغلقاً الستارة البيضاء
معيدةً الشابَ الجالس إلى واقعه
-لعلمك طرقتُ الباب ولم ترد، تأخر الوقت حان وقتُ ادويتك ثم النوم-
...
-ستتاجاهلني حتى النهاية؟ (رسمَ إبتسامة متكلفة وركع مقابل الشاب، عينان سوداوان فقدى بريقهما منذُ زمن تغطيها خصلُ شعره الكستنائي وجهٌ شاحب يرتدي زيَ المشفى)
النبرة الهادئةُ في صوت الطبيب تجذب السامعين
-إيريك، إلى متى ستبقى بهذا الحال؟ جسدُك وصل حدوده
أنت تعلم؟ الطبيبُ وحدهُ لا يستطيعُ فعلَ شيء، على المريض ان يتعاون لأجل الشفاء-
ردَ عليه صوتٌ دالٍ على عدم المبالاة والملل
-ماذا تريد؟- لم يلقِ الشاب أي نظرةِ على الطبيب الراكعِ أمامه مع ابقاءِ بصره على ستارة النافذة
تنهيدة صغيرة خرجت من فاه الطبيب على الرد الجاف –عليك تحديدُ موعدٍ للجراحة
جسدُك... جسدُك لن يحتمل اكثر-
إيريك، لماذا تُعذبُ نفسك هكذا؟ التمسُكُ بالماضي لن ينفعك، هو يستهلكُ ما تبقى لديك من قوة
انا لا احتمل رؤية مرضاي يسيرونَ نجو هلاكِهم، فكر بالموضوع جيداً واخبرني لاحقاً-
صوتُهُ المُنهار وكأنهُ يصفُ حاله وليس إيريك
-أنت لن تفهم حتى لو اخبرتُك دكتور إدوارد- همسٌ غيرُ مسموعٍ إلا من صاحِبه
مضى الوقتُ وجاءت وجبتُه حساءٌ خفيف مُزجت فيه الأدوية
إنسحب الطبيب في تلك الاثناء تارِكاً الشاب بمفرده
موحش تقول؟ ربما...
ربما انت محق، ما ذهبَ لن يعود وما كُسر سيبقى مكسوراً وتلكَ الذكريات الجميلة باتت من الماضي
رؤيةُ القمر تّكرني به منيراً تسرُ الناظرين، تمنيتُ رؤيتَكَ مرةً أخيرة الجلوس في احضانِك والشكوى لك عن هذه الحياة القاسية ياللأسف، الآن لن أتمكن مِن ذلك أبداً
اريدُ أن اختفي...
تلاشت رؤيتُه تدريجياً وغط في عالم الأحلام بنفسِ مقعده على الكرسي الخشبي
دخلَ عددٌ مِن الممرضين بعد نومه واعادوه إلى سريره ثم قاموا بسحب الدم وعددٍ من الفحوصات البسيطة
فعلوه بسرعةٍ وخفة كأنهُ امرٌ معتاد لم يخلو الامر دون اشراف الطبيب إدوارد
من الافضلِ فعلها وهو نائم لإنهُ لن يفعلها عندما يصحو-
تهامس الناسُ دوماً عِندَ رؤيته وجههُ الشاحب الخالي من التعابير جسدهُ النحيل يجعلهُ اصغر مِن اقرانه ذِراعاه المتورمةٌ من حقن العلاج وأخيراً ندوب قديمة تملئُ جسده ابرزُها
جرحٌ طويلٌ على مِعصمه الدال على إيذاء النفس
سيكونُ أكثر غرابةٍ إن رغبَ بالعلاجِ اساساً
إنتهت الليلة واشرق صباحٌ جديد، بألنسبةِ له جميعُ الأيام سواسية
حابِساً نفسه في غرفة المشفى المظلمة، منفذهُ الوحيد نافذةٌ صغيرة لا يُرى منها شيءٌ غير السماء يقبعُ على إطارِها مزهرية داخلها ورودٌ مجففة ألقيت بإهمال
نائمٌ على جانبه الأيمن عيناهُ الباهتتانِ تنظُرانِ إلى الفراغ، منذُ تِلك الليلة...
منذُ تِلك الليلة! فقدَ رغبتُهُ بالحياة هو ليس أكثر مِن جسد محطم، خالياً مِن الروح
متقوقعاً على نفسه
الرغبات الاحلام الصداقات العائلة جميعُها سرابٌ في عينيه، رفضَ رؤية أحد عدى طبيبهُ إدوارد إكراهاً، أخبرهُ إدوارد إن اهم شيءٍ لدى المرضى هو عزمهم وقِتالهُم ضد أمراضهم
ماذا عنهُ من إستسلم؟؟ ألمرضُ ينهشُ عظامه ويسلبُ ما تبقى لديهِ مِن طاقة
خطرَ في بالهِ محادثةُ الأمس
- جسدك... جسدك لن يحتمل أكثر!
- لماذا تُعذبُ نفسك هكذا؟ التمسُكُ بالماضي لن ينفعك!!
- إدوارد، أعلمُ إنك هنا أخبرني
-أخبرني، كم تبقى لدي مِن وقتٍ لأعيشه؟
لديه حدس، هذه المرة ستكونُ الأخيرة.
نهض مُسنداً ظهرهُ على حواف السرير يبحثُ بعينيه عن من يجيبُ على اسئلته
(من يعلم منذُ متى هو متواجد؟ ظهر الطبيبُ إدوارد خلفَ سرير إيريك)
- لماذا تُريدُ أن تعلم؟
- ألا يحقُ لي معرفة حالةُ جسدي؟ جميعنا نعلم، الجراحة ليست سوى حلٍ مؤقت
لذا اخبرني
على عكس المعتاد عيناهُ الجافتان أظهرت بريقاً خافتاً، مِن واجبه كطبيب هو إعطاءُ الأمل للمرضى إخبارهم عن موعدِ موتهم بتهور لن يؤدي إلا لإحباطهم ويأسهم
لكن؟ بالنسبةِ لشخصٍ مثله، الذي أستسلم بالفعل هل سيحدثُ ذلك فرقا؟
الادوية لا تنفعُ معه، غالبُ ما يعطى لهُ ليست أكثر من مسكنات وادويةٌ مخدرة
هل ستجدي الجراحةُ فرقا؟ ستطيلُ معاناتُه بضع سنين فقط
إبتلع إدوارد رمقاً
عيناهُ تواجهُ إيريك في أوقات كهذه يفضلُ أن يكون الطبيبُ مباشراً عوضاً عن الالتفاف
-إن لم تجر الجراحة حدُك 6 أشهر إن كُنتَ محظوظا 8
بسبب مهنته كطبيب لم تكن هذه المرة الأولى لمصارحة المرضى رغم ذلك...
اليوم شعر إنهُ يعطي حكم الإعدام لنفسه لا المريض! لم يتفاعل إيريك أمامه وكأنهُ توقع هذه النتيجةَ سلفاً
حل السكونُ لبضعِ دقائق ومن قطعه لم يكن سوى صوتٌ خافت النبرة
-رتب إجراءات خروجي
- ل لكن!
-دكتور، جميعنا نعلم بقائي هنا لا يفيدُ بشيء إن كان سيفعل لم نكن لنصل لهذا الحال
إدوارد شخصٌ إعتزَ بمرضاه وافتخر بقدرته على علاجهم
رؤيتهم يستسلمون دون القدرة على فعل شيء تُذكرهُ بتلك الأيام
عجزهُ عن انقاذ اخاه الأصغر
تجسدت بالمريض امامه حتى هو! ألم يكن إيريك فتاً مُشرقاً في إحدى فتراتِ حياته؟
تداخل المنظرُ امامه
اخاه المبتسم مع المُراهقِ إيريك والبسمةُ التي لا تفارقه
في أحد الأيام اختفت البسمةُ في وجهِ أخاه
واصل الذبول يوماً عن يوم حتى اضحى في احدها جثةٌ باردة لا تتحرك
- لم يعد أخي قادراً على الضحك!
بعد موته اقسمت لن ادع احداً يموتُ بهذه الطريقة
لماذا؟ لماذا؟؟؟
كيف وصلت الأمور لهذا الحال؟
شخصٌ ك إيريك يرقدُ في المشفى لسنوات لم يأتِ أحدٌ مِن افرادِ عائلتهِ ابداً
مهجوراً ووحيداً مُجبرٌ على حياةٍ كالجحيم
وموتٌ مروع بمفرده
ذلك قاسٍ، مالذي فعلهُ ليتلقى مثل هذا المصير القاسي؟؟
كان هنالك وقت زارهُ احبابه، ورغم المرض إبتسمَ لإجلهم في ذلك الوقت جاهدَ فِعلاً وناضل للحياة!
دُمرِ كلُ شيء بسبب تلك الحادثة...
بعد ما حصل تغير كُل شيء
اكرهُ الإعتراف بذلك لكن... ربما، ربما يكونُ الموتُ أكثر رحمةً له...
-فهمت، سأرتبُ خروجك بشرط أن ارافقك كطبيب شخصي-
- ما مِن داعٍ لمرافقتك-
-السيد، لن يسمح بخروجك بمفردك-
(في داخلي علمت، ذلك ليس أكثر مِن مجرد عذر...
لشخصٍ تخلى عن إيريك لسنوات حياتُه او موته قد لا يكونُ ذا أهمية اردتُ فقط مرافقتك لآخرِ ما تبقى من حياتك لم ارد لك الموت بمفردك
سيكونُ قاسياً وموحِشاً تماما كما حصل لأخي...)
عبوس إعترى وجهه (السيد؟)
(أجل تواجدَ شخصٌ مثله... لا يُهم وجودُ إدوارد لن يعطل خططي)
-افعل ما شئت-
مرت بضعُ أيام على هذه المحادثة
واقفاً امامَ بوابةِ المشفى يتأملُ الأشجار وفي يده حقيبةٌ بسيطة فيها مستلزماتهُ الطبية
يقفُ إدوارد معه يكررُ تعليماته للمرة الالف
-تذكر لا تغضب، ولا تنفعل سألحقُ بك ما إن انتهي من ترتيب عملي
- أنا لا اتخلى عن مرضاي ابداً! لذلك لا تتخلى عن نفسك!
توقفت سيارةٌ سوداء امامنا خرج سائقها وحيانا فتح باب المقعد الخلفي ينتظرني للركوب
كما فتحهُ اغلقه خلفي
بصرهُ موجه نحو نافذة السيارة يتفحص الطرق وعقله في مكانٍ آخر
بقي صدى كلامِ إدوارد يتكرر في رأسه (أنا لا اتخلى عن مرضاي ابداً! لذلك لا تتخلى عن نفسك!) ملامِحهُ القلقة ونبرتهُ الجادة كانت لتُقنع الكل
لكن ليس إيريك
-كاذب انت و "هو" لا تختلفان تستمران بقول الأكاذيب تحت قناع اللطف
اهو شك لديه ما يبرره؟ او مجرد وساوس بسبب حاله؟؟
من يعلم...
إبتسامةٌ خافته زينت وجهه - مهما كان ما يفعلونه ليس من شأني سأرحلُ من هنا قريبا
توقفت السيارة امام قصرٍ عملاق
يقعُ قرب جرف صخري شديد الانحدار وتحته بحيرة
حديقتُه الواسعة مكسوةٌ بالأشجار وتحيطُ القصر من جميع ارجائه
- يمكنك المغادرة
- لكن؟ طُلب مني الاعتناء بك حتى يأتي الخدم
- من السيد هنا؟ إن لم تطعني إعتبر نفسك مطروداً
قال وهو يهم بدخول القصر دون القاء نظرةٍ على السائق المصدوم
بلا حول ولا قوة خفض السائق رأسه وغادر بعد إدخال حقيبةَ إيريك البسيطة
القصرُ مظلم نسبياً من الداخل
الانوار الوحيدة هي من النوافذ الزجاجية
تم الحفاظ على الحد الادنى من النظافة وتغطية الأثاث
رغم كونه قصراً مهيباً وفاخراً إهمالهُ جعله اشبه بقصور الاشباح
تم هجر واهمال هذا القصر بسبب غياب مالكه
ومالكهُ ليس سوى إيريك
بالإضافةِ له ورث عقارات واسهم في بعض الشركات الكبرى من جده
كثيرٌ من الناس يحسدونه على ثروته
ورغم ذلك... جميعُ هذا المال في عينيه ليس أكثر من تراب
ما فائدتُه عندما لا يملك صحة؟؟
سار في الممر الموحش كل خطوة تحملُ معها ذكرياتٍ كثيرة عندما كان بصحةٍ أفضل ويعيشُ بسعادة معهم...
- تعبت، أنا متعب أريدُ الراحة...
جاراً أقدامه المرهقة الى إحدى الغرف المعزولة حملت باباً مزخرفاً اسود اللون
بدت غرفةُ نومٍ بسيطة تحوي رف كتب ولوحة جدارية عملاقة
إستجمع قوته وأزال اللوحة الجدارية ظهر خلفها باب
اليوم، سأرحل!
بقائي هنا لن يسفر عليه شيء سيجبرونني على أداء الجراحة وإطالة معاناتي
إن كُنتُ سأموت في النهاية دعني أموتُ بأقلِ قدرٍ من المعاناة
اود قضاء آخر ايامي بسكينةٍ وراحة...
تنهيدةٌ ساخرة-
اتسائل؟ ما ردُ فعلِ ذلك الشخص؟ هل سيصدم؟ سيكون من المثير رؤية ردود افعاله عندما يكتشفُ الحقيقة
للأسف بحلول ذلك الوقت لن أكون أكثر من جثةٍ هامدة
توهجت عينيه بشرارة ، اليوم هو عشيةُ رأس السنة
المعاناة التي بدأت هنا ستنتهي هنا!
جاء هنا دون موعد مسبق ولم يتجهز العمال والخدم بالإضافة لانعزال القصر عن المدينة
ليس سوى البيئةُ المثالية للحوادث!
اخذ معهُ كشافا وركز على البيئة امامه ممرٌ مظلم ذا درج حلزوني متجهاً للأسفل
سار نحوه
خطتُه الحالية ليست عشوائية تم نسجها منذُ زمن طويل
دخل القبو المظلم
امتلئت الجدران ببيوت العنكبوت والغبار دالً على هجره
وضعت هنا بعضٌ من اغراضه الثمينة لقلبه
مع جرة سوداء في المنتصف حمل الجرة تاركاً كل شيء اخر وسار إلى المخرج
لمحها...
في إحدى الرفوف رآها صورةٌ مهترئة داخل إطار
امرأة وطفل صغير يقفان جنباً إلى جنب ضاقت عيناه وأكمل سيره
ذهب إلى غرفته الخاصة في القصر
ركل ومزق وأفسد واضعاً علامات نضال في جميع ارجاء الغرفة
إحتوت الجرة على رماد (شخص) أفرغه في إحدى الزوايا
جثى على ركبتيه
- أعلمُ إنه عدم أحترام لإستخدام رمادك هكذا...
لا تسامحني...
إحتوت نظرتُه للرماد على مشاعر مختلطة الذنب الشوق الغرابة والاسف
-الوداع... أخي سنلتقي قريباً - نهض بعد القاءِ كلماته غادر بعد وضع اللمسات الأخيرة حوله
رش ارجاء القصر بالوقود واحرقه
رتب الامر وكأن شخصاً إقتحم القصر ثم احرقه بمن فيه
لم يلقي نظرةً واحدةً إلى القصر المحترق اليوم واخيراً فعلها قطع علاقاته وماضيه يمكنهُ أخيراً التحرر
مزيلاً صبغات شعره والعدسات اللاصقة
لم يعلم أحد لكن؟ شعرهُ أشيب بالفعل منذُ ثلاث سنين! شعرٌ أبيض وعيونٌ عسلية
لن يتعرف عليه أحد من النظرة الاولى
وداعاً جيمس إيريك
...
في احد القصور
جلسَ رجلٌ نبيل على رأس الطاولة العملاقة حيث وضع مختلف الأطعمة
(رجلٌ بالأربعين مِن العمر شعرهُ البني ذا الطول المتوسط مصففٌ بدقة ومرفوع للأعلى
ملامحهُ أنيقة ينضحُ منه جوٌ بالرقي والثراء)
خلفه يقفُ رجلٌ اخر ما يبدو عليه (رئيسُ خدم)
وكان يهمسُ في اذن سيده ببضع كلمات ما أسفر عن غضب السيد النبيل
ضرب الرجل الطاولة بكف يده ما أسفر عن سقوط الزجاج وتناثره على الأرض
- تقولُ مات؟ ذلك الطفلُ مات؟ وأين حادث؟ لو اخبرتني إنه أنتحر لكان معقولاً أكثر!
إن اردت مني تصديق هراءٍ كهذا أحضر الي جثمانه!
وليس رماداً مجهول المصدر!
صاح الرجل أمام خادمه والشررُ يتطايرُ من عينيه
-لديك أسبوع من الان للتحقيق في الحادث أنت تعلمُ ما سيحصلُ لك إن خيبتَ آمالي صحيح؟
-حاظر سيد سامويل-
انحنى رئيسُ الخدم وغادر
-إيريك أعلمُ إنك لم تمت وما تفعلهُ ليست أكثر من نوباتُ غضبٍ لإزعاجي
أين ذهبت؟ ومالذي تنوي فعله؟
إنتظرني... سأعيدك
نهاية الفصل الأول