الفصل الثاني بعنوان: بداية جديدة
الولاياتُ المتحدة فلوريدا
كانت السماءُ ملبدةً بالغيوم، تنذرُ بهطولِ مطر وشيك الرياحُ العاتية تصطدم بالنافذة الزجاجية من شدتها هربت الطيور الى اعشاشها تبحثُ عن مأوى من شدتها بينما فقدت الاشجارُ بريقها المعتاد
الطيورُ المغردة التزمت السكون وكأنهم ابرموا اتفاقاً على الصمت
لم يقطع الهدوء سوى ضحكات الاطفال الراكضين يرفعون اذرعهمهم فوق رؤسهم علها تقيهم من اولى قطرات المطر
تكشف المنظرُ امام عيناي من زاوية المطعم حيثُ اجلسُ بهدوءٍ اراقبهم من النافذة الزجاجية
اسقطتُ عيناي نحو حسائي حيثُ بَرُدَ بسبب شرودي
معدتهُ لا تتحمل الاطعمة الدسمة
التقط الملعقة بأصابعه الطويلة يرتشفُ الحساءَ ببطئ
كانت الهمساتُ حول مظهره تصلُ الى مسامعه مباشرةً
بالخصوص شعره ما سبب له الضيق
- اعلي صبغُ شعري مجدداً؟ لكني لم اعد راغباً بذلك "
مررَ اصابعه على خصلات شعره البيضاءُ متلمساً نعومتها ببطأ
اسقط الملعقة في صحن الحساء
لم يتناول منهُ سوى بضعِ لقم لكنهُ فقد شهيتهُ بالفعل بسبب نظراتِ الاخرين حوله
جوهُ الغريب والمعزول يجذبُ نظراتَ الاخرين حوله ما يسببُ له الضيق
- انظر اليه
-هل قام بصبغِ شعره؟
-اتظنه اجنبي؟
- سيكونُ لطيفاً إن ابتسم فقط
همساتُهم تخترقُ اعماقه
-إن اردتم النميمه لا تدعوني اسمعكم على الاقل -
تمتم بين انفاسه ثم رمقهم بنظرةً حادة اسكتت الجميع واعاد بصره الى الطاولة
بجوار حسائه وضعت بطاقةٌ فضية
الاسم: ايفان بروان
20 عام
يتيم
لديه تاريخٌ في زيارة المستشفى لضعف جسده العام، بسبب مرضه وضعفه العام لم ينتبه احدٌ لإختفاءه يتشابهُ في بنيته الجسدية مع ايريك
-عاشَ وحيداً ومات وحيداً-
انسابت ذكرياتُه الاولى حولَ ايفان
يقفُ وسط الاخرين بجوٍ من السكينة والهدوء رغم تعبه الواضح لم تفارق البسمةُ شفتيه
عندما وقعت عيناي عليه، شعرتُ بذلك ، إنهُ الشخص المناسب لأكونه
ببنيةٍ تشبههُ وملامحُ هادئة
-كيفَ يمكنُ لشخصٍ مثله ان يتواجد؟-
التشابهُ حولهما كان غريباً لكنهُ ليسَ طاغياً
انا الذي توقفتُ في مساراتي رأيتُه كيف يتخطاني تبعتهُ نظراتي حيثُ اختفى بين الحشود
ضم قبضتيه دونَ شعور حتى نزفت
- بسببي شخصٌ مثلهُ قد....
حطمَ سلسلةَ افكاره واخرجهُ من شروده الحديثُ الصاخب لمن حوله
ارتخت قبضتُه دون شعور
- عائلةُ سميث تبحثُ عن شخص!
-لم عائلةٌ بمقامها تبحثُ عن احد؟
اليسوا من الاشخاص الذي يريدُ الجميع خدمتهم؟
- نعم نعم ومعروفون بالنزاهة
-ما مقامُ الشخص لديهم ليبحثوا عنهُ بأنفسهم؟
- من يعلم
تجعد حاجباي
وسخريةُ طفيفة خرجت من فمي
عائلةُ سميث هاه؟
مثيرٌ للشفقة
..........
في تلك الليلةِ المظلمة
وقف سامويل بطوله الفارع أمام إيريك، ملامحه الشابة تحمل تلك الجاذبية الغامضة التي يصعب فهمها. كان إيريك، ذلك الطفل ذو الثلاثة عشر عامًا، بالكاد يصل إلى كتفيه.
انحنى سامويل ببطء، حتى أصبحت عيناه على مستوى عيني الصغير، التقت نظراتهما؛ واحدة حائرة وأخرى مليئة بأسرار لم تُكشف.
بهدوء، ركع سامويل على ركبة واحدة، تاركًا الأخرى مرفوعة، كأنه يوشك أن ينهض أو كأنه يمنح الطفل انتباهه بالكامل. ثم رفع يده، أحاط كتف إيريك بحركة خفيفة، أشبه بعناق لم يكتمل، لكنه كان كافيًا ليشعر الصغير بدفء لم يعتده.
همس بصوت منخفض لكنه حاد:
"انظر خلفي، أترى هؤلاء؟"
رفع إيريك رأسه قليلًا، لتقع عيناه على رجل وابنه المراهق يتبادلان الحديث، ملامحهما بدت طبيعية، لا شيء غريب أو مريب.
لكن سامويل ضيّق عينيه، ابتسم بسخرية، ثم قال بصوت بالكاد يسمع:
"إنهم ثعابين على هيئة بشر... لا تصدقهم، لا تثق بهم."
عاد إيريك بنظره إليه، حاجباه معقودان في تساؤل. تابع سامويل بنبرة أكثر غموضًا:
"ما تراه منهم ليس سوى قناع، يخفون حقيقتهم خلف ستار من المثالية... وما يجري خلف الكواليس؟ لا أحد يعرفه سواهم."
لحظة من الصمت سادت بينهما، قبل أن ينهض سامويل مستعيدًا قامته الفارعة، وكأن الحديث قد انتهى.
نفضتُ الذكرى من دماغي ونهضت لم ارَ سبيلاً في انقطاع المطر
التقطتُ بطاقة الهوية
لذلك استللتُ المظلة وغادرتُ بعد دفع الحساب، المساءُ لم يحل بعد
لكن السماء اسودت بسبب الغيوم
سارَ بمفرده في الشارع الفارغ
احكم قبضتهُ على المظلة بينما يدققُ في الطرقات
بدت الشوارعُ حولهُ متشابكة ومتشابهه
واضواءُ اعمدةِ الشارع تبهت، العرقُ يتساقطُ على جبهته
دلك صدغهُ بيده علهُ يريحُ الصداع الفتاك
اصواتُ المطر المتساقط ترنُ في رأسه
ضغط بيده على صدره يتحسسُ قلبه
تسارعت دقاتُ قلبه وانكسرت ملامحه الرزينة
مع تصارع الاخرى لحمل المظلة رغم ارتجاف اصابعه
آهاتٌ متقطعة تخرجُ من فمه
- ها... ها.... ها - كافحَ لالتقاطِ انفاسه
لا فائدة، دواء يحتاجُ دواء!
بحثَ في جيوبه الداخلية في صدره لكن ارتجافهُ لم يسعفه
قلبُه الموجود لإراحته لم يكن سوى عبئاً يخنقه الالمُ الفتاك ينهشُ جسدهُ وروحه
ظن إنهُ اعتاد خيانةَ جسدهِ له لكنهُ كان مخطئاً فألمٌ الخيانة لا يختفي حتى لو تبلدت مشاعره
سقطت المظلة مع سقوطه على الارض الباردة حيثُ امتصت حرارةَ جسده
قطراتُ المطر الجميلة كانت كالطعنات الحادِة على جسده
سقط وتكور على الارض وسط الشارع
يدهُ اليمنى تمسكُ قلبه وتجاهدُ لإخراجِ تلك الزجاجة ،اخيراً عندما امسكها
وبسبب ارتجافِ اصابعه انزلقت وتأجرحت في الشارع
مدَ يدهُ بكلٍ نفسٍ يملكُها علهُ يلتقطُها، لكن قواهُ الخائرة منعته
منعتهُ على بعد اصبعين فقط!
تبللت ثيابهُ الخفيفة بقطرات المطر وتغلغل البردُ إلى عظامه
الطنينُ الذي يخترقُ رأسه جعلهُ عاجزاً عن سماعِ شيء
ورؤيتُه التي تتلاشى حفرت العجز في اعماقه
من سينتبه لسقوطي في مكانٍ كهذا؟ هل ستكون هذه نهايتي؟
ربما.... ربما ذلك افضل
بالكادِ خرجَ صوت على شكلِ همهمات
ورغم انهيارِ جسده لم يتوقف عقلهُ عن التفكير
بدأ الظلامُ يخيمُ على عينيه
وقبل تلاشي رؤيته لمحَ
ظِلاً لرجل يحملُ مظلة امامه
بما تبقى لهُ من قوة، حاولَ رفع رأسه
لكن جفونه كانت اثقل من ان تطيع
تلاشى كلُ شيء، اخرُ ما لمح كان ذلك الظل
.......
ما هي السعادة؟ لم اعد اتذكر
وكأن السعادةً شعورٌ محرمٌ علي لم تُخلق لي قط
قلبي تحطم بأبشعِ الطرق واقساها حيثُ لم يترك لي رفاهيةً الحزن والفرح
لم يتبقَ لي شيء فقط هذا الفراغُ القاسي
وجدتُ نفسي اقفُ بذات المكان قبل فقداني لوعيي
كان ذات المشهد فقط بجوٍ مشرق حديقةٌ خضراءُ زاهية نورُ الشمس وزقزقةُ العصافير
جررتُ جسدي حيثُ اتكأتُ بظهري على جذعِ شجرة
اغمضتُ عيني وتكورتُ على نفسي في الارض
ضامنا اقدامي الى صدري
بصوتي المكسور والمرتجف همستُ خائفاً ان يسمعني احد
انا متعب متعب متعب! اريدُ الراحة
فقط حتى وفاتي السكونَ للوقت المتبقي
هل هو طلبٌ صعب؟
- امي انظري فراشة!
صوتُ طفل مبتهج حوله اثارَ حواسه لكنهُ لم يرفع رأسهُ رافضاً الرؤية
- حقاً؟ اين هي؟ -
اجابتهُ المرأة بصوتٍ حنون
وقعُ صوتِ المرأة ليس غريباً عليه رفعَ رأسهُ جزئياً ينظرُ حيثُ الاصوات البهيجة
اتسعت حدقتاهُ من المنظر امامه حتى نهض من مكانه
اتجهَ نحوهما بخطواتٍ بطيئة
ارتدت المرأةُ ثوباً خفيفاً حتى ركبتها ذا لونٍ زاهي وشعرها البني المتموج ينسدلُ على ظهرها
تقفُ امرأة شابة تمسكُ
طفلُها ذو الخامسة يتمسكُ بإطرافِ اصابعها
وقفت امام حديقةِ زهور وخلفها نور الشمس بمنظرٍ ملائكي
وكأن نور الشمس لم يوجد لشخصٍ غيرها صدى صوتُ ضحكِ طفلها في الارجاء
عندما التقت عيناي ببصر الطفل عبس وتوقف عن الضحك
الحديقةُ الملونة والاشجار الخضراء باتت ميتة في لحظات
وكأني انا من افسد عالمهم
باتَ عالماً خالياً من الالوان يصبغهُ الابيض والاسود فقط
اختفت جميعُ الاصوات وكأن الزمن تجمد
تجمدت ابتسامةُ المرأة والطفل وحل محلها صمتٌ مقفر
توقفت الطيور في منتصف السماء والقطط القافزة معلقه
لاشيء... لاشيء يتحركُ عدى الشاب ذو الشعر الابيض، جرَ اقدامه حتى توقف امام المرأة والطفل
عند التدقيق بمنظارهم سترى اوجه التشابه
ملامحُ الطفل هي ذاتُها ملامحُ ايريك
وتلك المرأة....
والدتُه
التف برأسهٍ محدقاً فيها بصمت، لم يخالجهُ اي شعورٍ عند رؤيتها
كما سكن العالم وتجمد تجمدت مشاعره معها
تبددَ الحزنُ والالم السابق وحل محلهُ وجهٌ خالٍ من التعابير
ابتسامةٌ ساخرة شقت حلقه
-ذلك واضح إنهُ حلم وإلا لما اراها؟ تلك الام؟
تلاشت ابتسامتُه بإختفاء المشهد امامه
....
رائحةُ المعقمات القوية التي تملئُ الهواء تتسللُ الى انفه
اصواتُ طنينٍ الاجهزة الخافت، الاقدام التي تتحركُ حولي ببطئ لكن بثبات
جميعُها عوامل اعادت حواسي تدريجيا
فتحتُ عيناي ببطئ فأستقبلني ضوءٌ ابيضٌ من النافذة
رمشتُ عدةَ مرات لأعتاد عليه
احساسٌ بالخدر في ارجاءِ جسده، حلقهُ جاف كأنهُ لم يشرب ماءً منذ سنة
ضربات قلبه كانت أهدأ من قبل، لكن كل حركة بسيطة جعلت العالم من حوله يهتز بخفة،
الأفكار تتداخل في رأسه، غير مترابطة، وكأن عقله يحاول إعادة ترتيب نفسه
-انت مستيقظ؟!
من جانبِ عينيه استطاع رؤية ممرضه تقفُ بجانبه
عيونها الهادئة مليئةٌ بالتعاطف حركاتُها سريعةٌ ودقيقة حيثُ كانت تمسحُ جسدهُ بمنشفةٍ رطبة
-لا بأس... لا بأس ناديتُ الطبيب سيكون هنا قريباً بصوتها الهادئ والجاد حادثتني
لم افهم ما تقولُ تماما
كأن مسماراً يدقُ في رأسي من شدةِ الالم
جسدي خاوٍ من كلِ قوة
تحريكُ اصبعٍ واحد يمثلُ تحدياً
لم يخرج مني شيءٌ سوى كلماتٍ متقطعة وغير مفهومة
عندما دخل الطبيب الى الغرفة كانت ملامحهُ تحوي دهشةً طفيفة
كأن رؤيتهُ لهذا المريض ايقظتهُ من غفلته مرر يدهُ على ياقةِ معطفه الابيض
واقترب ببطأ مع حمله اوراق في يده
عندَ دخوله خرجت الممرضة بسبب استدعائها
- وقف الطبيبُ في الثلاثين من عمره امام ايريك يتأملهُ
مسترجعاً ذكرى الساعات الماضية
في هذا المطر الكثيف قاد سيارتهُ الى منزله حيثُ انتهت دوريته وكان في طريقِ عودته الى المنزل
يدندنُ بفرح
- سأرى ابنتي اخيراً اتسائلُ إن كانت ستحبُ الكعكةَ التي اشتريتها؟ -
في الكرسي مجاور السائق وضع صندوقٌ يحوي كعكعة لطيفة
-رنينُ هاتفه قطع دندنته-
انقلبت ملامحهُ عندما رأى المتصل
- مرحباً؟
- انت في المشفى؟
- لا
- عد لدي شخصٌ في حالٍ حرج
- هل وضعهُ طارئ؟
- نعم
- فهمت-
انقطع الصوت ولم يتبق غير صوتُ طنين الهاتف يعلنُ انتهاء المكالمة
تجهمت ملامحه وضرب المقود بإنزعاج
- لا افهم لما عليه استدعائي بالذات رغم وجودُ بدلاء غيري؟
تذمر وقاد سيارتهُ للعودة الى المشفى
اقسمُ إن لم يكن الامرُ ضرورياً سأنتقمُ منه لجعلي افوتُ الذهاب لأبنتي في عيد ميلادها!
ركنتُ سيارتي وذهبتُ مسرعاً لقسم الطوارئ
سرتُ بالممر مع الممرضات اللاتي يشرحن حاله
- دكتور الشخصُ الذي احضرهُ اعطانا هذه الادوية، حيثُ إن المريض حاول اخذها لكن لم يسعفهُ الوقت
سلمتني زجاجة دواء شفافة
لم يكتب عليها ملصق لكن رائحةُ الدواء غريبة ارتسمت ملامحٌ جديةٌ على وجهه
-ارسلها للمختبر ليعلموا نوعه
-حاضر
اجابت الممرضة وذهب سريعاً
- هل يمكنُ ان يكون ذلك؟
- إن كان فعلاً كما اتوقع ذلك يفسرُ لما اتصل بي ذلك الشخص.....
ذهبتُ للغرفة حيث وضع الشابُ امامي
لم تكن حالتهُ مستقرة ابدا
من بطاقته علمتُ إن اسمه ايفان
تم تقديم الاسعافات الاولية له بسرعةٍ ودقة ذلك ما انقذ حياته
جاهدتُ لتخفيف الحمى ورعايته بمساعدة الممرضات
لعدةِ ساعات
واخيراً وردني خبرُ استيقاظه
ذهبتُ لفحصه، استقرت نبضاتُ قلبه لكنهُ لايزالُ غير واعياً جداً
- كيف تشعر الان؟
رغمَ سؤالي لم يكن الشابُ في وضعٍ يسمحُ له بالرد
من الواضحِ انه مشوش لكني كنتُ صبوراً معه
تم اعطائهُ محاليلَ ومغذيات عن طريق ذراعه
- إن كُنت تفهمُ ما اقول ارمش مرتين
فعل ما طلبتُه
-عثرَ عليكَ احدُ المارةِ وانقذك
بسبب حكمه السريع والاسعافات الاولية التي قدمها تم انقاذُك
لقد اعطاك هذا الدواءُ لأنهُ كان متواجداً في جيب سترتك الداخليه في صدرك
وضعتُ علبة الدواء امامه اراقبُ رد فعله. بعد اخذِ نموذجٍ منه
تخبط "إيفان" ودار عينيه لكنهُ تعرف على الزجاجة في النهاية
ومد ذراعهُ
بأصابعه المرتجفة التقطه وكأنهُ شريانُ الحياة
- دو..دوا..ر
تمتمَ الشابُ بصوتٍ ضعيف
تشعرُ بالدوار؟
اومأ الشاب بالايجاب
- حالتُك ليست مستقرة حتى الان لا اعلمُ السبب الدقيق لإنهيارك
لكن بشكلٍ عام
جسدُك مرهق ولديهِ سوءُ تغذية عليكَ اجراءُ عدةِ تحاليل لتشخص الامر بدقة
عليك البقاءُ في المشفى لهذه الليلة
-ارى في ملامحهِ العابسة علامات الرفض
- إن كُنتَ قلقاً على فواتيرِ المشفى فقد تم دفعها بالفعل لا تقلق
وكأن اخر ذرة من طاقته تلاشت استسلم للنوم دون مقاومة
- ما رأيك بحالته اتظنهُ ذلك؟-
صوتٌ جهوري جاءَ من الطرف الاخر للغرفة
وقفَ الرجلُ متكأ على الجدار يديهِ مخبئتان في جيوبِ معطفه الطويل
نظراتهُ الثابته والعميقة تراقبُ الطبيب
توقف الطبيب للحظة قبل أن يقترب، يسلمه الأوراق دون أن يخفي امتعاضه. شدّ شفتيه بإنكار، ذلك الرجل منعه من رؤية ابنته، والآن يتظاهر وكأن الأمر لا يعنيه
تناول الرجلُ الاوراق، قلبها بسرعة دون ان يبدو عليه اهتمام حقيقي
(وقف بطوله الصارخ، ملامحه الحادة تعكس سطوة غير مبررة. عيناه الفضية، خلف نظارته، راقبت كل شيء من الاعلى للأسفل، كملكٍ يرصد رعاياه. شعره الأسود مصفف بدقة، بشرة وجهه البيضاء تبرز بحدة ضد سواد معطفه، يشع بجوّ يفرض على الآخرين تجنبه... والانجذاب إليه في آنٍ واحد)
اشحتُ بصري عنه
- متى سأحصلُ على البيانات النهائية؟
-لستُ متأكداً بعد، تحليلُ الدواء لمعرفةِ تركيبته يستغرقُ وقتاً
رفعَ الرجلُ حاجباً طفيفا ولم يتحدث
نظرَ نظرةً خاطفةً للمريض المستلقي قبل ان يستقيم ويغادر
تبعتُه بعيني حتى بلغ الباب
- كيف انتهى بك الامرُ بإنقاذه؟
جاءَ صوتُ الطبيب منخفضاً
في العادة كنت ستتجاهله.... بأفضل الاحوال ترسلُ احداً لا تأتي بنفسك
توقف الرجل للحظة، ثم دون ان يلتفت قال بصوت بارد
- من يعلم؟ -
لم يترك للطبيب فرصة للرد فقط دوى صوت كعبه على الارضية
زم الطبيبُ شفتيه بضيق
- من يعلم؟ ما بالُ تلك الاجابةِ الغامضة؟ تذمر، مد يدهُ ليحك شعره الاشعث
بإحباط
عاد بصرهُ الى الوجه النائم امامه، انفاسهُ كانت مستقرة
"لا اعلمُ إن كُنتَ محظوظاً... او سيء الحظ، لأن ينقذكَ شخصٌ مثله"
نهاية الفصل الثاني