الفصل الثالث بعنوان: شكوك

فتحتُ عيني تدريجياً، فأستقبلني سقفٌ ناصعُ البياض، وينسابُ نورُ الشمسِ برقةٍ الى وجنتي

تنفستُ بتأنٍ وانسيابيه مع صفاءِ ذهني من اي صداع

اين؟.. انا؟

لموقعُ المألوفُ وغيرُ المألوف كان يربكه

سريرُ المستشفى الابيض يتوسط الغرفة

الجدرانُ ذات اللون الباهت تعطي جواً من السكينةِ والهدوء،

الهدوء الثقيل يخيمُ على الاجواء فلا يقطعهُ سوى الاصوات المنتظمة لجهاز قياسِ نبضات القلب قربَ سريره، لم تكن غرفةً عادية بل اشبه بجناحٍ خاص

"هل هروبي لم يكن اكثرَ من حلم؟

يتحدثُ مع نفسه بصوت خافت، حيثُ تتداخلُ كلماته بين الشك واليقين

الفكرةُ نفسها تسببت بهلعه

" لا. لا اهدئ من غير الممكن ان يكون ذلك حلم"

قد يبدو متشابهاً للوهلةِ الاولى لكن الغرفة مختلفة

انتشل نفسهُ من السرير ونهضَ بتثاقل

تعمقت نظرته الى المحاليل المتصلة بذراعه وازالها ببطئ وخفة

سارَ بخطواتٍ مترددةٍ الى النافذة

ساحةٌ واسعة وبناءٍ غريب امامها

" يا الهي! انت مستيقظٌ اخيراً!

اشحتُ نظري عن النافذة ورأيتُ خلفي ممرضة

"مهلاً، لماذا ازلت المحاليل؟ الا تدركُ ان خطأ واحداً قد يتسببُ بإضرارك؟؟

بعد البقاءِ نائما ليومين تفعلُ هذا؟!"

"يومين؟"

"اجل، الا تتذكر؟ لقد انهرتَ وسط الشارع في الليلة الممطرة

من حسنِ حظك، ان احد المارة عثر عليك واحضرك"

كلامُها اعاد الي ذكريات الايام الماضية

ارتسمت بسمةٌ باهتةٌ للحظة

" بلا شك، الشهرُ الماضي لم يكن حلماً.... انا قد تحررتُ اخيراً"

" إبتسامتُك جميلة"

"هاا؟؟"

اخبركُ ان تبتسم اكثر، إنهُ افضلُ من الوجه الخاوي من المشاعر حيثُ فقدت وعيك....

" اهي جميلةٌ فعلاً؟؟"

" نعم؟ والا لماذا اخبرك؟"

لم اقل شيءً رداً عليها بل اكتفيتُ بإشاحةِ بصري

" بكل الحالات استرح قليلاً، لم تكن لتنهار لو اعتنيت بنفسك اكثر!"

جرتني واعادتني الى السرير دون الاهتمام برأيي

" ارتسم على وجهي تعابيرٌ غبية، لا اكادُ استوعب ما تتحدث عنه"

"ما بالُ هذه النظرة؟

جسدُك انهار مِن شدة الارهاق! كيف يمكنُ لشخص ان يصل تلك الحال؟

لو تأخرت الاسعافات الاولية قليلاً لم تكن ل...

" انسى الامر، صحيحٌ إنك اجهدت نفسك، لكن ذلك وحدهُ لا يفسرُ ما اصابك

عليك اجراءُ فحوصات منتظمة لمراقبة حالك"

نبرتها وحديثها تنمُ على القلق

قلقٌ حقيقي....

رسمتُ افضلَ إبتسامة (مزيفة) اعرفها ونظرتُ في عينيها مباشره

( نعم بالطبعِ سأفعل)

في قرارةِ نفسه علم انه لن يفعلها،

لتحقيقِ هدفه....لن يتردد بالكذب والخداع

"متى يمكنني الخروج من المشفى؟"

"لا انصحُك بالخروج الليلة، صحيحٌ إن حالتك استقرت الآن لكن الحرصُ افضل، إنتظر قدوم الطبيب المسؤول عنك، بعد استقرارِ حالتك غادر للراحة"

" هل تعلمين من احضرني؟

" لا اعلم... الغريبُ فيه دفعُ نفقاتك دون تركِ بياناتِ اتصاله!

قائلاً بعدم ضرورة ردِ المال اليه"

-لا داعِ؟ لما يفعلها لغريبٍ مثلي؟ من الصعب علي التصديق انه يفعل ذلك بلا دوافع خفية، لا اريدُ التورط مع اشخاصٍ مثله!

فقط بالنظرِ الى الجناح المعزول (الخاص) يبينُ إنه غير عادي

"علي الذهابُ الان لتفقد بقية المرضى، لا تنس تسجيل بياناتك عند الاستقبال"

تتبعها بنظراته حتى غابت عن الانظار

زالت الابتسامةُ مِن وجهه وحل محلها تعبيرٌ بارد

تمعن بعينيه فاحصاً الغرفةَ مجدداً

-على المنضدةِ بجوار السرير وضعت قارورة الدواء الخاصةُ به مع هويتهُ الجديدة-

ادخل بياناتهِ في غرفة الاستقبال مع توقيعِ خروجه على مسؤوليته الخاصة

تبادر لذهنه الممرضة الغاضبة عندما تعلمُ برحيله

لكن بالنسبة له، المستشفى مكانٌ خانق لا يطيقُ البقاء فيه.

- استقل سيارة اجرةٍ وعاد الى شقته الصغيرة

تقعُ داخل حيٍ سكني بسيط في الطابق الارضي

اقرب سوبر ماركت يبعدُ 15 دقيقة سيراً على الاقدام

السكانُ هنا لا يتفاعلون كثيراً وهذا هو الجزءُ المفضل لديه

بعدَ فراقٍ دام لثلاثِ ايام كانت الشقةُ كما تركها تماما...الشقةُ بسيطة لكنها تمنحُ جواً من الراحةِ والهدوء

غرفة النوم بسيطة، يتوسّطها سريرٌ أبيض عملاق، في إحدى الزوايا، بابٌ صغير يقود إلى الحمّام، بالكاد يلفت الانتباه. إلى جانبها، غرفة جلوس هادئة؛ أريكة بسيطة لكنها مريحة تواجه شاشة تلفاز عادية، وعلى مقربة، مطبخ صغير، وضع للزينة

حيثُ انه لا يجيد الطبخ واغلبُ وجباته جاهزة وإن طلبَ طعاماً سيتناولهُ في غرفة الجلوس

"لو رآني احدُ معارفي اعيشُ في شقةٍ اصغر من حمامي لبقي مصدوما لبقيةِ حياته"

ما المهم؟ على الاقل هي افضلُ من غرفة المشفى" غمغم بصوتٍ منخفض اثناء خلعِ ثيابهِ والقائها في سلة المهملات....فقد سبقَ وعثر عليها في المشفى

رُتبت ثيابه السابقه بعد غسلها وطيها في الخزانة بجناحه

" اشعرُ بالقذارة بمجرد التفكير في ارتدائها مجدداً، هل قام طاقم المشفى بغلسها؟ لا افهم لم يتكلفون فعلها لغريب؟"

"توجدُ امورٌ كثيرةٌ غريبة، انقاذي بتلك الحال ليس هو المشكلة

المشفى بذاته راقي ونفقاته عاليه لكنه لم يكتفي بذلك بل وضعني في جناحٍ خاص، الشخصُ العادي لن يفعل ذلك، إذ انهُ اسرافٌ للمال تجاه شخصٍ لا يعرفونه

استرخى جسده في الحوض الممتلئ بالماء الساخن

اغمضَ عينيه يفكرُ بذكرياته المشتتة للايام السابقة

تلك الليلة، كان بإمكانه سماع أصوات غامضة لرجلين بالقرب منه. أحدهما كان الطبيب الذي عالجه، أما الآخر فلم يتعرف عليه. وفقًا للممرضة، بعد زيارة الطبيب، لم يدخل أحد إلى غرفته سوى هي.

فمن كان الرجلُ الاخر؟؟

طرد الافكار من عقله مسترخياً لمدةِ نصف ساعة

جففَ شعرهُ بمنشفة، اختار بيجامةً مريحة لإرتدائها من الخزانة

وانتظر وصول الطعام الذي طلبه بعد تناول ادويته

لولا هذه الادوية لن يستطيع التجوال بحريةٍ كما يفعلُ الان

الشكرُ لإدوارد للمساهمةِ في تطويرها

هكذا مرت عدةُ ايام حيثُ كان روتينه اليومي

الاستيقاظُ صباحاً تناول ادويته مع فطور خفيف ، التنزه في الحديقة

مشاهدةُ التلفاز والنوم

هي حياةً رتببة ومملةً لأغلب الناس

لكن بالنسبةِ لإيريك هذه الحياة لم تختلف عن الجنة لا هموم ولا قلق فقط سكينة

بعيداً عن ضوضاء الناس....تمنى ان تستمر بذات المنوال حتى نهايةِ حياته

للأسف لا تسيرُ الحياة كما نتنمناها دوماً

ذات يوم اثناء تجواله في المتنزه غمرهُ النعاس حتى استسلم له ليغفو في مقعد الحديقة دون شعور

طوال الايام الماضية وضع ايريك قاعدةً تنصُ للعودة الى شقته قبل غروب الشمس ولم يكن ينوي كسرها ابدا لكن من توقع ان ينام لساعتين؟

وجودهُ في حديقةٍ منعزلةٍ وهادئة حال دون ان يلاحظه احد

اختار غسل وجهه قبل العودةِ الى شقته

قادتهُ قدماه الى حمامٍ عام، انحنى فوق المغسلةِ يتأملُ ملامح وجهه، واناملهُ تعبثُ بالماء البارد

غمر وجهه حتى تسلل الماءُ على وجنتيهِ يخففُ حرارة جسده

تنهيدةٌ متعبة خرجت من فاهه

" بغضِ النظر عن تعبي كيف انام في الحديقة؟؟

اشعرُ بالسوء سابقاً وبغضِ النظر عن الوضع لم انم ابداً، والان؟ فقط لأن دفئ الشمس غمرني غلبني النعاس؟"

راودني شعورٌ غريب، إن تأخرتُ اكثر، سيحصلُ مالا يسرني"

اغلقتُ الحنفية وعدتُ من حيثُ اتيت

لا اعلم السبب الدقيق لكن السكانُ هنا لا يتوجولون كثيراً في الليل

لذا ترى الشوارع خاوية

خطا في الازقة الفارغة حيثُ لا يسمعُ سوى صدى وقع حذائه

انتشلهُ من شروده آهاتٌ خافتة، زرعت الفزع في قلبه

ادار رأسهُ حيثُ تجوبُ عيناهُ الشارع بحثاً عن مصدره كان صوتاً باهتاً واجشاً، لشخصٍ متألم

ابتلع ريقهُ واكمل سيره مع تركيزِ حواسه على محيطه جيداً

شعورٌ غريبٌ اجتاحه، توقف

انزل عينيهِ ببطئ، رفع حذائهُ قليلاً لتفقد كعبه

هناك... مادةً لزجةً مألوفةً بشكلٍ مزعج

تعرفَ عليها في لمحة "دماء!" خرجت الكلمةُ من فمه همساً مذعوراً

اعادَ بصرهُ للأمام حيثُ نهايةِ الزقاق

إن ركزت حواسك ستلاحظُ صوتَ الانينِ قادمٌ منه

عقلهُ اخبرهُ ان يتجاهله، ويعود ادراجه

اياً ما كان الشيءُ القابعُ في نهاية الزقاق لن يجلب لهُ خيراً

اطبق شفتيهِ بقوة

التفت قدماهُ وكان على وشك المغادرة "ساعدني!"

ارتعشت حدقتاه، وتسمرَ مكانه

"طفل؟"

"الانينُ قادمٌ من طفل؟"

استدار بجسده وعاد حيثُ يقبعُ الصوت

رغم التحذير الصاخب في رأسه... كانت قدماه قد سبقته بخطوة

اتسعت حدقتاهُ صدمةً من هولِ ما رأى، المنظرُ امامه اعادهُ الى ماضٍ مدفون

طفلٌ صغير مضطجع على الارض في بركةٍ من دمائه

" ساعدني.... ساعدني، احدٌ ما! كان اليأسُ يتردد في صوته كما لو انه فقد الامل

رعشةٌ قويةٌ اجتاحت جسده

الرجاءُ اليائس للطفل امامه افاقهُ من صدمته

" انا سوف... اتصلُ بالاسعاف تمالك نفسك"

نبراتُه مشحونةً بالقلق، ارتعشت اناملهُ فوقَ الجوال

" لاا.... سيؤذوني لا تخبر احداً" فاضت عيناهُ بالدموع وهو يترجاني

" انا خائف!!! ما عساي افعل؟؟لا خيرَ في التورط معه وانا اعلمُ ذلك لكن؟؟

لكن؟ لا استطيعُ التخلي عنه! ليس كما فعلوا بي!"

قضم شفتيهِ حتى تمزقت، وانساب الدمُ الى فمه

" كافح الطفلُ لأستنشاقِ انفاسه وهو يلفظُ كلماته

"فقط خبئني حتى الصباح، ولا تخبر احداً.... ارجوك

عيناهُ المرقرقةُ بالدموع وتوسلاته اخترقت اعماقي...شاهدتُ الطفل وهو يفقذُ وعيهُ دون فعلِ شيء

تداخلَ الطفل معه، مع ماضيه

"اعلمُ إني سأندمُ على هذا"

حملتُ الطفل على ظهري وتوجهتُ الى شقتي مع الانتباه لعدم ترك اثارٍ خلفي قدر المستطاع

" هل عثرت عليه؟ "

ليس بعد؟

اين تظنهُ هرب؟؟ ذلك الوغد!"

صرخاتُ رجالٍ مريبة تتبادرُ الى مسمعي

كتمتُ انفاسي بكفي، واختبأت قرب حاوية القمامة، العرقُ يتصببُ من شدةِ التوتر

خطواتُ اقدامهم تقتربُ مني"

دعنا نفتش الحاوية، ذلك الطفلُ السافل يتسعُ فيها

"ماذا؟ اتظنُ شخصاً مهووساً بالنظافة سيدخلُ حاويةً بملئ ارادته؟"

من يعلم؟"

"انهُ قادمٌ لهذه الجهةة!!! "

الخوفُ انعكس في عينيه، دقاتُ قلبه كانت تطرقُ صدرهُ بعنف جنوني

زحفَ ببطئ الى اقصى الزاوية، دون اصدار صوت

انعكس ظلُ الرجل امام عينيه!

انتهى الامر لم يتبق سوى لحظاتٍ ويمسكون به!

اغلق عينيه في يأس وادار وجهه

نهاية الفصل الثالث

2026/01/21 · 3 مشاهدة · 1408 كلمة
Tio
نادي الروايات - 2026