الفصل الرابع بعنوان: قيود الماضي

غطى إيريك فمهُ بكفه، يكتمُ انفاسهُ المرتجفة خشيةَ ان تفضح مكانه

والطفل يتشبثُ بظهره لا شعورياً، انكمش في إحدى الزوايا الضيقة، يخفي جسدهُ قدر الامكان، اذناه الحساسه تلتقط صوت الخطوات الثقيلة للرجل وهي تقترب ببطأ

تسارعت نبضاتُ قلبه، وتساقطت حباتُ العرق على جبينه

بعينين متوترتين، جال بنظره في الأرجاء باحثًا عن أيِّ شيءٍ يخلّصه من هذا المأزق.

ابصر حجراً صغيراً قرب الحاوية، امسكهُ ورماه بإتجاهٍ اخر

فأحدثَ صوتاً مدوياً

"ما هذا الصوت؟!"

"لقد جاء من هناك! دعنا نذهب لتفقده"

فجأة، قفزت قطةٌ سوداء في وجهِ احدهما

قطةٌ لعينة! دعيني!"

استغل إيريك انشغالهم فأنساب بسرعةٍ ودقة مع الطفل على ظهره

سحب طرف معطفه وغطى به الطفل

-جاب بعينيهِ الحي متجنباً كاميرات المراقبة، وسلك النقاط العمياء بعناية

حتى اقترب من شقته،

-دخل بصمتٍ الى الشقة الفارغة والقى جسد الطفل على السرير في غرفة النوم

اطلق نفساً كان يحبسه، ثم شرع بتفتيش جسد الطفل بحثاً عن ايِّ اصاباتٍ خارجية، مع الحرص على اعطاءه الاسعافات الاولية، قضاؤه بعض سنين يراقبُ للاطباء في المستشفى اجبرهُ على تعلم المهارات الاساسية

والغريب... رغم تلطخ ثيابه ببقع الدماء، كان جسدهُ خاليًا من أي جرح.

أيًا يكن صاحب الدماء... فهو ليس الطفل امامه

ما إن ارتخت أعصابه المشدودة، حتى تلاحق الألم في جسده، متبوعًا بنوبة سعال حادة -ابتلع ادويته دون ماء ثم ارتمى بجوار الطفل منهكا-

في تلك الليلة راودهُ حلم...

، حلمٌ عن طفولةٍ منسية، غارقٌ في قاع ذكرياته

في قرارةِ نفسه علم... إنه ليس الواقع لكن، جسدهُ ابى الحركة

الجو ضبابيٌ ومغبر

السماءُ محتقنةً بلونِ الدم، حمراءُ قانية

جسدهُ ملقاً على الارض، ملطخاً بدمائه،

عيناهُ تتوسلان المساعدة

لم تقابلهُ سوى نظزاتٍ باردةٍ خاليةٍ من المشاعر

أمٌ تتفرجُ على معاناةِ طفلها دون اكتراث

تكرر المشهدُ مرارا

كأن الزمن تجمد فط تلك اللحظة

هنا....هو عالقٌ في جسدِ طفولته غيرُ قادر على الحركة

وكأن التاريخ يهمسُ له... مهما فعلت فلن تغير ما وقع

وما كان يظنهُ كابوساً لن ينتهي ابداً... تبدد اخيراً مع اهتزاز ذراعيه بعنف.

انتفض من نومه، يلهثُ بشدة....

يكافحُ لالتقاط انفاسه

"يا عم... انت بخير؟"

صوتٌ طفولي

" لماذا تبكي؟"

امتدت اصابعهُ بخفة يتفحصُ وجنتاه

" دموع؟ لماذا؟"

" أيضاً... من يكونُ؟"

التقت عيناهُ بعيني الطفل الصغير

للوهلة الأولى لم يتعرف عليه

، بعد مرور ثوانٍ معدودة، تدفقت إلى ذاكرته مشاهد الليلة الماضية.

"لاعجب ان احلم بالماضي"

رؤيةُ هذا الطفل اعادت اليه ذكريات...

ذكرياتٌ دفنها بيديه...

إنهُ يعلم، التورط مع طفلٍ مثله لن يجلب له سوى المتاعب

لكن في اعماقه علم

إن تركهُ على تلك الحال لن يغفر لنفسهِ ابداً

"امتلك الطفلُ ملامحاً مبهرة

عيونٌ رماديةٌ كالرصاص، تغطيها غرتهُ السوداء

بنيتهُ الجسدية تدلُ على كونه في السابعةِ او التاسعة

بشرتهُ بيضاءُ ناعمة

سلسلةٌ فضية مرصعةٌ بجوهرة في نهايتها

تلفُ رقبته

كلُ خليةٍ من جسده تصرخُ بالنبل

فقط لأنهُ يرتدي ملابس بالية لا يخفي حقيقته

ربما ينخدعُ عامةُ الناس بمظهره المتواضع

لكن ليس ايريك

لم تستطع عيناهُ ان تفارق الجوهرة الصغيرة

تبدو مألوفة اين عساهُ رآها؟

تقلص وجهه، وضغط على رأسهِ بكفِ ذراعه

مجردُ التفكير كفيلاً بإصابته بالصداع

"أأنت بخير؟

صوتُ الطفل القلق يطنُ في رأسه متى اخرُ مرةٍ اخذ فيها دواءه؟

" على...الطاولة... اعطني الشريط"

خرجَّ صوتهُ بطيئاً ومتقطعاً

ولحسنِ الحظ كان طفلاً سريع البديهه سرعان ما اعطاهُ الدواء مع كوبِ ماء

بعد ابتلاعه اغمضَّ عينيه لدقائق حتى استرخى

"كيف تشعرُ الان؟"

"من يهتمُ بمن؟ الستَّ طفلاً غريب؟

" لا داعي للنظر الي بتلك الاعين... إنهُ فقط صداع وقد زال الان"

تسللت اصابعهُ تربتُ بخفة على رأسه الصغير

حولتُ بصري عنه

الى المكتب

الكتبُ تغير ترتيبها

( مِن الواضح إنهُ فعلها بعجلة فلم ينتبه للترتيب )

هل فتش الغرفة كاملاً؟ كم مضى من الوقت وانا نائم؟

بعد تلاشي الصداع إستطاع اعطاء حكم رزين

هل هو يتظاهرُ بالقلقِ ايضاً؟

من يكون؟

ما هدفهُ؟ ايظنني احاولُ اختطافه؟

بصراحة... وبعد الموقف الذي وجدتهُ فيه حذره مبرر

" الا تخشى ان اؤذيك؟"

رمش الطفل، ورد ببراءة

"لو كنت تنوي إيذائي، لما أحضرتني إلى هنا من البداية واعتنيت بي"

من اين جاء بهذه الثقة؟

" ارى إنكَّ بخير ، لمَ لا تغادر؟ إن لم تخني الذاكرةُ فقد توسلت للبقاءِ ليلةً واحدة حتى طلوع الصباح..."

"تجمدت ملامحهُ وكأنهُ لم يتوقع ردي بتلك الطريقة"

اناا... هل يمكنني البقاءُ يوماً اخر؟ لقد تحطم هاتفي ولا استطيعُ التواصل مع عائلتي...

ارجوك!

لقد وعدتُ والدي بلقائه في هذه المنطقة غداً "

لا داعي للتورط معه اكثر من ذلك

انا بالكاد اعتني بنفسي... فلماذا لا استطيعُ رفضه؟

ابتلعتُ ريقي واشحتُ نظري عنه

"مالذي سأحصلُ عليهِ من مساعدتك؟ مجردُ إحضارك الى شقتي يمكنُ ان يتسبب لي بالمشاكل، خصوصاً إن علم اولئك اللصوص بموقع شقتي"

تعمد نسبَ الحادث للصوص

بصراحة كان من الواضحِ إنهم ليسوا لصوص اياً من كانوا لم يرد التورط اكثر

"سأطلبُ مِن والدي ان يعوضك!

قد لا ابدو كذلك لكن والدي غنيٌّ حقاً يمكنه اعطائك ما تشاء!"

توسل الي حتى كاد يسقطُ بأحضاني!

"ابتعد لا تقترب!

"مالذي يدعوني للثقةِ بك انت طفلٌ مريب

حتى لو كان والدك غنيا كما تدعي لا يوجدُ ضمان بعودتك وتعويضي"

"اناااا...

انزل الطفلُ رأسه

متردداً

ثم، وكأنهُ اتخذ قراره

اعطاني قلادته

"هذه، إنها تذكارٌ من والدتي!

اعتبرها ضماناً لعودتي! "

توسعت عينى ايريك

كان من الواضحِ مدى حب الطفل لتلك القلادة

حيثُ استمر بلمسها طوال الوقت

لم يتوقع ان يتخلى عنها

اين تعلم الحديث هكذا في هذا العمر؟؟

"حسناً، سأفعلها"

نظر إليه بجمودٍ للحظة قبل أن ينهض بتنهيدة ثقيلة

. اتجه نحو الثلاجة يتفحصُ ماتبقى له من طعام

ولسوء الحظ فقد كانت خاوية

منذُ انتقاله إعتاد تناول الطعام في الخارج

وحتى لو طلب شيءً جاهزا

لن يكفي اكثر من وجبة

...

مرر يدهُ بتعب على شعره قبل ان يرمق الطفل بنظرات غريبة

"ابق هنا... سأخرجُ قليلاً، لن اتأخر"

...

ارتدى معطفه المعلق خلف الباب وخرج

دون انتظار رد

استقبلتهُ نفحات الهواء البارد وهو يسيرُ في الطرقات الخاوية

تأكد من تجنب طريق الامس

وراقب الناس

منذُ اللحظة الاولى

ميز عِدة اشخاص مريبين

هذه الاحياء قليلةُ السكان لذا وبطبيعة الحال

يمكنُ تمييز الغرباء بسهولة

اشترى بعض الطعام الجاهز ما يكفي لشخصٍ واحد وبعض الفواكه

ثم عاد ادراجه بنفس الطريق

كان الطفلُ جالساً على الاريكة يشاهدُ التلفاز بملل عند دخوله

مرر الطعام للطفل

"يمكنك ان تأكل"

"ماذا عنك؟"

"لستُ جائعاً"

جلس ايريك قبالة الطفل وهو يأكل واعاد وجهه للتلفاز

لم يثر الطفلُ ضجة ولم يتحدث ايريك مجدداً

وكما ظهر الطفلُ دون سابق انذار اختفى في اليوم التالي دون سابقِ انذار

"طفلٌ ناكرٌ للجميل، لم يودعني حتى"

ترك رسالة على المنضدة بخطه الطفولي والمتعرج

"سأعود قريبا لرد الدين"

امضى بقية اليوم يشاهدُ التلفاز

دون فعلِ شيء مهم

عند حلولِ المساء كان ايريك جالساً في الصالة يتناول بعض الفواكه

حين استشعر شيءً غريباً

اصواتٌ مكتومة وحركة طفيفة عند باب الشقة والنوافذِ المحيطةِ بها

سحب نفسهُ بتوتر ونهض بأكبرِ قدرٍ من الهدوء يسيرُ بإتجاه غرفة النوم

استمر الجو الخانق والغريب الذي اجتاحه مع سماعه مقبض الباب يدور وينفتح

التقط هاتفهُ بسرعة يرنُ على الشرطة

وزحف تحت السرير حيثُ هو المكانِ الوحيد الذي يتسع له

بأنفاسٍ مكتومة تحدث

"هنالك شخصٌ اقتحم شقتي، العنوان****ارجو الاسراع"

من ثقبِ السرير استطاع رؤيةَ عدةِ رجال يدخلون

اعثر عليه لا شك ان هذا الوغد يختبئ هنا!

هذا الشخص اخفى نفسهُ جيداً! من كان يتوقعُ إن لديهم مساعدا يختبئ في مكان كهذا؟ يظهر عند الحاجة لإنقاذ الطفل؟

من تحت السرير كانت أنفاس إيريك محبوسة،

قلبه يدقُ بعنف، كلُ خليةٍ بجسده تصرخ بالخطر.

لقد غطيتُ اثاري كيف عثروا علي بتلك السرعة؟؟

وقفَّ الرجالُ امامه يبعثرون اغراضه ويكسرونها

بعنف باحثين عن دليل حوله

— "تبًا لذلك... أيًا من كان هذا الوغد، لقد أخفى الأدلة بإحكام. وكأنه توقّع مجيئنا."

زمّ الرجل شفتيه وركل الخزانة المغلقة بقوة

تقدم الآخر، بنبرة أقل حدة لكنها لا تقل حذرًا

— "يريدنا أن نشكّ، أن نرتبك... أن نعتقد أنه مجرد شخص عابر لا علاقة له بشيء."

— "لكن ليس بعد الآن. هذا الصمت... هذا الترتيب المتقن؟ هذا وحده دليل."

ارتعش جسد إيريك من الخوف نعم، هو خائف لا يريد لأحد إمساكه ولا يريد أن يتعرض لشيء كهذا مجددا! نعم... لقد ندم!

متى ستصلُ الشرطة!!

عثرتُ عليك!

بضحكةٍ ساخرة وابتسامة مخيفة نطق الرجل وهو ينظر إلى إيريك من تحت السرير أتظن أنك اختبأت جيدا؟؟ جرَّ الرجل ذراع ايريك بقسوة ساحباً اياه

لاااااااااا ، دعني!!

صرخةٌ مرعوبةٌ خرجت منه

مهما بلغ ذكاءُ ايريك او ثروته هو لم يكن اكثر من شابٍ بلغ العشرين للتو

كيف لهُ ان يجابه الرجال ذو البنية الضخمة امامه؟

هذا المشهد اعادهُ الى طفولته

بلا حولٍ ولا قوة

لايستطيع الدفاع عن نفسه

سحبه الرجل من شعره بعنف حيثُ بدأ يتقطعُ من شدة السحب. لم يأبه الرجل لصراخهِ أو مقاومته، عنفٌ خالص.

"اصمت! صفعه على خده ليخرسه"

الان اخبرني اين هو؟؟ اين تخبئه؟

"لا اعلم شيءً لا اعلم! دعني

كف عن الخداع!

اعلم تمام اليقين انه بقي هنا!

ألا تريد إخباري؟ أتريد الموت؟.

أتريد الموت؟... إنهال عليه بالصفعات حتى طنت اذناه وما عاد يستطيع السمع جيداً

الن تخبرني؟

امسكهُ الرجلُ من ياقةِ عنقه والقاهُ بعنف على الارض

جراء الاصطدام ضُرب على مؤخره رأسه بحافة السرير

فسقط ارضاً دون حراك

هل سأموتُ الان؟.

إبتسامةٌ ساخرةٌ شقت فاهه وضحكاتٌ ساخرة خرجت بقوة

"ما بالك؟ اجننت اخيرا؟"

توقف جسدهُ عن الارتعاش

أجل، وماذا يعني ذلك؟ علمتُ دوماً ان نهايتي قريبة

هي فقط جاءت أبكر مما متوقع. لا بأس، لا بأس...

اتتجاهلني؟ -اخرج الرجلُ سكيناً من سترة قميصه

بَصَقَ إِرَيك عَلَى الرَّجَلِ

-انا اتجاهلك؟ وماذا في ذلك؟ ستقتلني؟؟ افعل ذلك فقط ايها الوغد! لن اخبرك بشيء حتى لو علمت!!

هاهاهاهاها

ضحكتُ بشكلٍ جنوني كما لم افعل بحياتي

(لم اعلم من اين اتت شجاعتي تلك اللحظة "

"انت تجرؤ! سأقتلك!!

لوح الرجلُ بالنصل بقوة نحوي

اغمضتُ عيناي انتظرُ الالم المقابل

في اخرِ لحظة لي سمعتُه

صراخُ طفل

"لماذا؟ لما عدت؟ الم تغادر؟

لا اعلمُ لما جاء

اهو لوعده بالعودة؟ ام لأجل القلادة؟

لن اعلم ابدا حيثُ إن السكين اخترقت جسدي بالفعل...

إيفان، انا قادم..

تلاشت رؤيتي وغرقت انفاسي

في قعر هذا الظلام..

نهاية الفصل

2026/01/21 · 6 مشاهدة · 1552 كلمة
Tio
نادي الروايات - 2026