الفصل الخامس بعنوان: عائلة سميث
امام طريقٍ مُظلم لا ينيرهُ سوى يراعات مضيئه، في بدايةِ المسير
وقف رجلٌ وامرأة ملامحهم غيرُ واضحه وينظرون اليه بصمت
"هل انتم هنا لأخذي؟"
لم يقولا شيءً وسارا في الممرِ المظلم
رغم عدم وضوح معالمهم كان لديهِ حدس عن هويتهم
سار خلفهما ببطئ ولم ينظر للخلفِ ابداً
" ما... هذا؟؟ " المنظرُ امامه اثارتعجبه حيثُ توقف لا شعوريا ينظر اليه
بابٌ عملاق لم ير مثلهُ قط
مزينٌ بالورود الخلابة والرسومُ المنحوته بكل ارجائه
فُتح البابُ بشكلٍ جزئي، النورُ المتسرب منه كفيل بجعله يشيح بصره عنه
توقف الشخصانِ ينظرانِ إليه
لم يقولا شيءً لكن...
بدى وكأنهما يحثانه، " تعال معنا"
كان لدي حدس، إن دخلتُ هذا الباب انا لن اتمكن من العودةِ ابداً
"امكنني سماعُ دقاتِ قلبي، تحركتُ وكأني مسحورٌ نحوهما
قبل أن أبلغ البوابة شدني شيءٌ مِن ملابسي
نظرتُ حولي فإذا بهِ طفلٌ صغير، حالهِ من حال الشخصانِ امامه فلم ارَ ملامحه
برز عقدٌ مألوفٌ حولَ رقبته
" عد!! لاتذهب ارجوك!"
عكسهما من لم ينطق بكلمة لم يتردد الطفلُ ببوحهِ برغباته
اصابتهُ لحظةُ إدراك
اعاد نظره للمرأةِ الواقفه، لا بل لرقبتها الخاوية
"لهذا السبب وجدتهُ مألوفاً...
إنهُ لكِ، اليس كذلك؟
مع اني واثق مِن دفنهِ معكِ فكيف ال به الامر لطفلٍ لم ارهُ قط...
عندما إٍستفاق من سرحانه كانت البوابةٌ اختفت هي ومن معها
لم يبقَ احدٌ معه
حتى الطفلُ إختفى، لم يُطل الامرُ حتى بدأ العالمُ حولهُ بإلانهيار
طنينٌ يقرعُ في اذنيه، فتح عيناهُ ببطئٍ وثقل
كان جسدهُ متعرقاً بالكاملِ ولا طاقة لديهِ لتحريك اصبع
صداعٌ حاد ينهشُ رأسه والمٌ نابضٌ في إحدى جوانبه
اطلق انيناً من بينِ شفتيه
نبهَ شخصاً لصحوته
"انت مستيقظ؟! هل انت بخيرٍ يا عم؟!
"طفل؟ من هذا؟"
استغرق بضع دقائق يحاول استيعاب محيطه
بدأت ذكرياتهُ بالتشكل
إنقاذُ الطفل وايوائه ثم، كيف تم طعنهُ
دارَ بصرهُ لجانبه، فكان الطفل الصغير يقف بجوار سريره بملامح حزينة وكأنهُ على وشك البكاء
انا من يتألم فلماذا يبكي؟؟
"ادريان"
انبعث صوتٌ من خلف الطفل، جهوريًا، يحمل في طبقاته شيئًا متناقضًا...
رقة هادئة، ونبرة نبل، لكن تتخللها حدة خفية
لم يكن أمرًا صريحًا، ولم يكن رجاءً أيضًا.
كان شيئًا بين ذلك
حين سمع الطفل ذاك الاسم
تجمدَ مكانه
ادار ايريك رأسه ببطء نحو مصدر الصوت.
هناك، على بعد خطوات، جلس رجل لم يرَه من قبل.
غريب.
لكن الغرابة لم تكن في ملامحه... بل في تشابهها التام مع الطفل الذي كان يقف بجوار سريره قبل لحظات.
الشعر الأسود ذاته، النظرات العميقة والهيبة الصامتة.
الرجل كان جالسًا على كرسٍ فخم، أحمر قانٍ، بزخارف ملكية كأنّه اقتُطع من قصر قديم.
جلسته لم تكن متكلفة، بل أنيقة.. قدماه متقاطعتان براحة، وفي يده كتاب مفتوح، يحركُ صفحاته ببطء
رفع يده بتمهّل، خلع نظارته، ونظر إلى إيريك
"سمعت إنك أنقذت ابني."
غرق إيريك وهو يتأمل الرجل صوته...صوته لم يكن غريبا، لكنه لم يتعرف عليه، هذه هي المرة الأولى التي يراهُ فيها
"ابن؟
ارتسمت الدهشةُ على تعابيرهِ المتألمة واعاد بصرهُ إلى الطفل...
يبدو ذلك واضحاً دون الحاجة لفحص
الشعر، النظرات، الملامح ... يكادان يكونان متطابقان.
خرجَ صوتي جافاً وباهتاً
" فمالذي... تريدهُ مني الان؟"
إن كان يريد الاطمئنان علي لنادى طبيباً لفحصي لا الجلوس بتراخٍ هكذا...
إعتدتُ التواجد بمواقفٍ كهذهِ دوماً، لذا ليس مِن الصعبِ فهمه حتى وإن كنتُ على سريرِ الموت
بعد سماعه لكلماتي - اغلق الكتاب واعادهُ الى الطاولة بعناية. نهض من كرسيه بخطواتٍ متزنة، وسار نحوي
توقفَ على بعد خطوةٍ واحدة مني، إنبثقت منهُ ضحكةٌ غريبة
" اووه إيفان، مالذي اريدهُ من شخصٍ مثلك
" انت انقذت ادريان فقط لذلك انت هنا... لا داعي للشعور بالريبة"
الجو الذي يبثه ونظراتهُ الغريبه تثيرُ قشعريرةً داخله
شتت إيريك بصرهُ عنه محاولاً تجميع افكاره
وهنا عندما ادرك شيءً مخيفاً
هو لم يخبرهم إسمهُ ابداً فكيف عرفه؟؟
وايضا...
هذه ليست المستشفى فأين يكون؟؟
قلةٌ من الاشخاص من يستطيعون العيش في غرفةٍ فاخرةٍ كهذه ناهيك عن اعطائها لضيفٍ مصاب!
فمن يكون الرجلُ امامه؟؟
إبتلع رمقه واعاد نظره للرجل
لم تفارق عينى الرجلُ إيريك ولو للحظه وكأنهُ يقيمه
إنساب العرقُ على جبهتهِ بغزاره وكان جانبهِ يؤلمهُ بشدة
عض شفتاه بصبر ينتظرُ الرجل لإنهاء كلامه
"يبدو إن إبني سبب لك مشكلةً صغيره
كما ترى...الأشخاص الذين حاولوا خطفه اكتشفوا موقعك وحاولوا مهاجمتك، لو إننا تأخرنا قليلاً فقط، لم تكن لتنجو
ولأنهم يعتقدون إنك مساعد لنا، فلن يتوالوا عن محاولة الهجوم مجدداًا
لذلك أعرضُ عليك البقاء هنا حتى تُشفى تحت رعايةِ عائلتنا
لن تحتاج لزيارة المستشفى حيثُ إن كل ما تحتاجهُ موجودٌ هنا، وسيقومُ برعايتك طبيبُ العائلة الشخصي
اخفضتُ بصري، واجبتُ بصوتٍ منخفض
"فقط.... حتى اتعافى"
ظاهرياً يتركُ لي حرية الاختيار لكن الرفضُ لم يكن خيارا، كان واضحاً منذُ قوله ان ما اصابني (مشكلة صغيره)
سأسايرهُ مؤقتاُ...
"قرارٌ رائع إيفان، الان دعني اعرفك بنفسي...
"انا ڤانس سميث وهذا (اشار بيدهِ للطفل بجواره )
ابني، ادريان سبق والتقيت به
"سررتُ بمعرفتك... ايفان" قالها بصوته الهادئ
- مدّ يدهُ الي بصمت، يحثُ على المصافحه -
مددتُ يدي ببطء، ابادله
"يمكنك استخدام هذه الغرفة أثناء إقامتك هنا
لا تتردد في سؤال الخدم إن احتجت شيئًا... وبخصوص إصابتك، سيأتي الطبيب لفحصك بعد قليل"
ادار ظهره بعد ان انهى حديثه، تاركاً ادريان خلفه
-تتبعتهُ بعيني حتى تلاشى وقعُ خطواته
بقيَ الطفلُ يحدقُ بي دون كلام
ورغم تلك الليلة التي قضاها معي... لم اعرف اسمهُ إلا الان
تأملني إدريان للحظة وقد بدى عليه الاسى، ثم غادر دون قولِ شيء واطبق الباب خلفه
تاركاً اياي بمفردي في هذه المساحة غير المألوفة...لم التفت له، فقط اغمضتُ عيني وكأن شيئاً لم يكن
...
في نهاية الرواق وقف ، يتأمل ظهر ابنه وهو يبتعد بصمت
"ما رأيك به؟ " ترددَ صوتٌ خلفه
القى ڤانس نظرة جانبية
يقفُ وقد تخلى عن زيِّ المستشفى الرسمي واكتفى بقميصٍ وبنطال، شعره الاشقر مبعثر على عينيه الخضراء
بنبرةٍ من اللامبالاة اجاب
"كان غريباً، من الواضح إنهُ يتألم لكنهُ لم يطلب المساعدة بل تحملهُ بصمت، حتى عندما قدمتُ نفسي له لم يبدِ اي اهتمام"
" هل تظنُ إنهُ من نبحثُ عنه؟"
"من يعلم؟
"سأتركُ ما تبقى بعهدتك روان
بقي روان يحدقُ في الفراغ الذي تركه
"إن لم تعلم فمن عساهُ يعلم؟
همساتهُ لنفسه بالكادِ مسموعة، حك شعرهُ بإطراف اصابعه
"الان علي القيامُ بواجبي" مررَ يدهُ على مقبضِ الباب
"لا اعلمُ إن كُنتَ محظوظاً او سيء الحظ لينقذك شخصٌ مثل ڤانس مرتين"
ايفان...
نهاية الفصل الخامس