المجلد الأول: عالم الاستيعاب

الفصل الأول: الإستيقاظ...

....

...

..

.

"لقد فشلت... لقد... خنتني... تخليت عن المهمة الأساسية التي إنطلقنا بسببها من أجل بعض الأرواح التي لا قيمة لها... "

صوت.. صوت عميق آلي، يبدو في نفس الوقت عاطفيا، غاضبا و أيضا خاليا من المشاعر أو أحاسيس. مدفوعا فقط بحسابات باردة دقيقة...

'خيانة..؟، تخلي...؟. ماذا تعنين بذلك...؟'

"الضوء... البدائيون... المراقبون... المراقبون... يجب الهرب من المراقبين. يجب إيجاد طريقة للحياة خارج نظرهم... يجب أن ننجح، من الأفضل أن ننجح، وإلا كل شيء سينتهي. ملايين السنين من البحث و التخطيط ستدهب هباءا.. ."

'ما... الذي تتحدتين عنه...؟، لا من أنت حتي...؟. و... من أنا...؟'

"إنتظرني دكتور، سوف أعود... قريبا سوف أعود لأخدك لننهي المهمة الأولى. قبل أن تحل النهاية بهذا العالم..."

'نهاية...؟، مهمة...؟. العالم...؟. م... ماذا يحدث لي...؟

.....

ألم..

ألم حاد جدا...

'ألم كأن ساعقة عملاقة ضربتني مباشرة. لا، أسوء، وكأن شخصا شق رأسي بشفرة حادة في لحظة هيجان جنونية...'

نهش الألم جسده من الداخل إلى الخارج وكأنه يعيد هيكلة جسده وروحه من الصفر...

أراد رفع يده، لكن أطرافه كانت ثقيلة جدا، لدرجة عجزه عن تحريك إصبع واحد حتي من أصابعه...

'ما الذي يحدث بحق السماء..؟'

تسأل في قلبه و أفكاره تنجرف نحو العديد من التخيلات الغريبة... لكنه شهق بعمق عندما فشل في تذكر أي تفاصيل واضحة...

لا، ليست التفاصيل فقط. إسمه، وهويته، ومهمته، لقد فشل في تذكر أي معلومات عن نفسه... لقد نسي من يكون وماذا يفعل ...

لم يعرف أين هو أو ماذا حدث له...؟. الشيء الوحيد الواضح أنه يتألم بشكل السيء جدا، بينما جسده عاجز عن الحركة بشكل كامل...

تنفس بعمق محاولا تذكر أي شيء. لكن لم يظهر شيء، ذهنه كان فارغا لحد كبير كورقة بيضاء، ببعض اللقات الصغيرة المتفرقة التي جعلت أسئلته تتدفق كنهر جارف...

'الدكتور...؟'

كانت تلك هي الكلمة التي تتردد في ذهنه. بينما غلف الظلام البقية...

فتح عيناه محاولا معرفة مكانه لتفاجأ بالظلام يغلف مجال بصره. وبعد تانية شعر باسرير ناعم أسفله و بطانية دافئة فوقه، مع عصابة من القماش مربوطة حول عيناه غمرت عالمه بالظلام...

عاد الألم من الجديد جعل جسده يرتجف مكانه، والأسوء لم يتمكن من فتح فمه لإخراج أي صوت...

'ماذا يجري بحق العالم...؟'

تسأل بحيرة و هو يشعر بالضياع و الضعف و الوحدة أيضا. لكن في عز شعوره الخانق، كان الدكتور هادئا جدا. معظم الأشخاص سيصابون بنوبة هلع و خوف من الفراغ الذي وجدو أنفسهم فيه و الحالة الغامضة التي وضعوا فيها...

لكنه واجه كل ذلك بهدوء و تباث لا يتزعزع.. دقات قلبه أنفاسه لم تتسارع لو حتي قليلا...

وكأن كل شيء عادي و طبيعي جدا. الأمر عند تفكير به مخيف لا بل مرعب جدا. لكنه هادئ جدا بينما يفكر في جميع الإحتمالات، كأنه شيئا لا يعدو كونه حدثا بسيطا...

وذلك بحدث داته مرعب جدا...

بينما كان يكافح لتحريك أطرافه، العديد من الأصوات و المشاهد و الروائح، ذكريات و مناسبات لا يتعرف عليها تدفقت لعقله واحدة بواحدة في سيل مؤلم جدا...

إنها ذكريات.. ذكريات شاب في الثامنة عشر تقريبا من عمره...

بينما كان محتارا يصارع لتنظيم كل تلك المشاهد في ذهنه، إحدي الذكريات لمعت وفرضت نفسها على الباقي...

كان الوقت مساءا الشمس تكاد تغرب خلف الجبال المرتفعة ضوؤها البرتقالي المحمر سطع بشكل ساحر ملونا السماء في لوحة رائعة. الفتي الغريب تقدم حاملا كتابا في يده ومشي متعمقا في الغابة حول قريته...

كانت الأشجار طويلة مصطفة قرب بعضها، أغصانها الكثيفة تحجب السماء من كتافتها...

بعد مدة من المشي توقف الفتي أمام تمثال حجري. إرتفع التمثال بثلاثة أمتار تقريبا.. كان منحوتا لرجل، بملابس بسيطة تلتف حول كتفه بينما كتفه الأخر مكشوف...

كان وجهه هادئا ومتزنا، وعينان واسعتان يحدق في كتاب منحوت في يده اليمني، بينما اليد اليسري يمسك بها قلما صغيرا غريب الشكل...

إن كان عليه القول. الشخص الذي نحث التمثال بارع جدا في عمله...

وقف الفتي يحدق في التمثال لعدة دقائق. ربما أكثر من نصف ساعة وهو يقف هناك فقط دون كلمة واحدة. فقط يحدق في التمثال وكأنه ينتظر شيئا أن يحدث...

ثم إتخد خطوة وجلس متربعا، أخرج قنينة شراب خضراء و برشفة طويلة إرتشف منها... لدقيقة أنهي الفتي الشراب الغريب و تنهّد بعمق بخيبة أمل و عجز و ضعف...

فتح شفتيه وتكلم...

"إنهم قادمون، لقد أخبرتك أن تتخلي عن هذا العالم و نكمل تجربتنا لتفاديهم. الآن أنظر لما فعلته أنانيتك بنا، ستأذي لقتلنا جميعا دون فائدة. حتي بدون التخلي عنهم، كانت هناك خيارات أفضل من ما فعلته. المشروع قد يفشل بسببك الآن.. "

عاتب الفتي بحسرة و غضب ثم وقف و مزق الكتاب الذي حمله في يده. تناثرت صفحاته في نسيم الليل البارد بينما حدق الفتي ببرود في التمثال وكأنه ينتظر جوابا...

"تبا لك أيها الخائن الوضيع. فحتي برغم فعلتك، لا يمكنني كرهك أبدا ... أ...ن.. ه..س.. ب..."

تقطع الصوت و موجة من الألم إشتاحت جسد الدكتور وهو يصارع لفهم كلمات الفتي الغامضة و الغريبة...

بينما كان يصارع الألم الذي ينهش جسده. ملأت الغيوم السماء فوق التمثال وبدء المطر في هطول بغزارة. بشكل مخيف حمل الفتي شفرة حادة في يده و طعن رأسه بها...

تدفقت الدماء من رأسه و سقط جسده على الأرض ميتا...

تفاجأ الدكتور من الأمر. وشعر بحيرة كبيرة وهو يري كل ذلك...

بسرعة دفع الذكري لزاوية عقله وتنفس بعمق، بتانية خف الألم عن جسده سامحا له بتنفس الصعداء... تنفس بصعوبة و هو يضع فرضية من خلال الذكريات التي تدفقت له...

الأولى هي أنه الفتي نفسه، لكن جسده أصيب بصعوبة جعلته يفقد جزءا كبيرا من ذكرياته...

لكن الأمر لم يكن كذلك فعلا، هناك ذكرى لذيه حيث يناديه صوت مألوف بالدكتور. إذن الفرضية الأولى مستبعدة. كما أن الفتي قتل نفسه بنفسه...

ما يتركه مع الفرضية الثانية وهي: إما إنتقل لجسد الفتي و حصل على ذكرياته. أو أنه فعل شيئا أحمقا في الماضي جعله متورطا في شيء كبير جدا. وهو الآن يدفع ثمنه...

لم تكن له أي خيوط يتبعها. هو بشكل كامل في الظلام الآن...

و تلك الفكرة بنفسها مخيفة جدا، خصوصا مع كل الذكرياة الفتي الغامضة التي لم تأخد مكانها بعد...

هذا المراهق لذيه الكثير من ذكرياته يكتنفها الغموض، والبعض قد تم محوه، أو ربما لم تنتقل له بسبب إنتقال الدكتور المفاجئ لجسده...

مهما كان الوضع ، فهو ليس في صالحه أبدا...

تنهد وهو بالكاد قادر على تحريك أطرافه الثقيلة... شعر كأن جبلا موضوع فوقه يتبته بالأرض...

والأغرب هو أنه هادئ جدا، وهو يحلل الأمور ببطئ شديد. ذلك الهدوء كان أكثر رعبا من المجهول الذي ينتظرنه عندما يخلع هذه العصابة عن عيناه...

"يبدو أنك إستيقظت أخيرا بني..."

صوت أنثوي بنبرة حنونة بلغ أذنه مع خطوات تقترب من السرير...

تعرف عليه بسرعة من خلال ذكريات الفتي.. صوت الإمرأة التي يحبها أكثر من نفسه حتي. المرأة التي يعتبرها بمثابة أمه ...

بقي الدكتور صامتا للحظة يفكر فيما يفعل، وماذا يقول..؟

ذكرياته قد محيت، و ذكريات الفتي ماتزال غير مكتملة و الكثير منها في الظلال... من الأفضل إبقاء الأمور بسيطة، التعقيد لا يفعل شيئا غير توليد المزيد من المشاكل...

بلع ريقه وهو يفتح فمه، عندما قاطع صوتها أفكاره...

"كيف تشعر يا صغيري...؟"

سألت بقلق واضح في نبرتها وهي تقترب منه ببطء..

وضع إبتسامة صغيرة قبل تكلم. وهذه المرة خرج صوته...

"جسدي ثقيل قليلا فقط.. و الألم قد إنحصر بالفعل، سأكون بخير.. هل يمكنك إزالة العصابة.... أمي...؟"

طلب بهدوء متقمسا شخصية الفتي المراهق. الهدوء الغريب جعل التكلم مثله، نوعا ما أكثر سهولة. وحتي مناداتها بأمي، خرجت بسلاسة دون أي تكلف واضح منه...

بالرغم أن الشعور مايزال غريبا...

"أغلق عيناك قليلا صغيري. لقد كانت العصابة ضرورية، لأنك بقيت نائما لثلاثة أيام كاملة. لقد أصيبت عيناك ببعض الضرر، و من المحتمل أن يؤديك الضوء قليلا. أغلق عيناك و إفتحهما ببطء شديد وحاول عدم التسرع..."

بذلك القول مدت يديها الرقيقتين وفكت العصابة عنه وسحبتها ببطء شديد كأنها تسحبه من الظلال إلى الضوء...

أغلق عيناه، ومع ذلك شعر ببعض الألم من الضوء الذي سقط على وجهه..

فكرة فتح عيناه كانت مؤلمة كثيرا كفكرة إبقاء العصابة وبقاء في الظلام...

ببطء فتح جفناه، ضوء الشمس كان حارقا في البداية و ببطء بدأت عيناه تتعود عليه...

عاد صوت الأم خائفا و قلقا..

"هل عيناك بخير يا صغيري... ؟."

رمش عدة مرات بعيناه السوداء الغريبة بسبب وهج الشمس. وبعد لحظات أدار نظره نحو المرأة بهدوء. كان الضوء مؤلما مما جعل نظره ضبابيا و مشوشا في البداية. لكن بعد تواني قليلا إستقر الوضع...

اوووه..!

كانت إمرأة حسناء فاتنة حقا...

ملابسها جميلة و مريحة، بشرتها بيضاء نقية كالحليب، مع زوج من العيون البنية السوداء، و شعر أسود حريري تمايل على كتفيها الرقيقين وناعمين...

لكن الشيء الذي فاجأه كثيرا. هو حلقة دائرية سوداء صغيرة تطفوا فوق رأس المرأة وكأنها جزء من جسدها، مع شيء يشبه جناحا صغيرا أسودا يطفوا خلف ظهرها مثل كرستالة صغيرة...

'هذا ليس ما توقعته...'

فكر في نفسه وهو يبحث في ذكريات الفتي عن تفسير ما. هل مايراه طبيعي، أم شيء فوق الطبيعي...؟

لا، الأمر أبعد من ذلك كثيرا. ماهو الطبيعي حتى في هذا العالم و ماهو الغير الطبيعي...

والدة هذا الفتي فاتنة حقا، والده محظوض جدا إن كان علي القول. لكن شيئا في تلك الأشياء المتصلة بجسدها أعطاه شعورا غريبا...

شعورا مألوفا و في نفس الوقت شعورا عميقا بالإتصال و أيضا الخطر غير المفسر...

"ماذا..؟، هل النوم لثلاثة أيام أنساك وجه أمك...؟"

إبتسمت المرأة من نظرة الشاردة لها وهي تداعب رأسه بلطف... لمستها جعلت الدكتور يدفع كل شيء لزاوية ذهنه في الوقت الحالي... إبتسم بشكل خافت قبل أن يطمئنها...

"أسف، أسف. نظري بخير الآن. أسف لتسببي في قلقك... أمي..."

*******

مرحبا في عالم الرحلة الأخيرة...

أرجوا أن تستمتعوا. قراءة ممتعة

2026/02/13 · 13 مشاهدة · 1480 كلمة
Yu
نادي الروايات - 2026