2 - العالم الغريب

....

...

..

.

فتح الدكتور عيناه ببطء، كان الضوء مؤلما كثيرا في البداية، كخفاش يخرج نهارا. لكن ببطء بدأ يخف و بدء يرى محيطه بشكل كامل...

غرفة نوم متوسطة الحجم من الخشب الأحمر الجميل، مع نافدة صغيرة بستائر زرقاء ترفرف مع النسيم العليل بارد، و أسفها مكتب صغير عليه بعض الكتب و أقلام الكتابة و بعض الأوراق المتناثرة، بعضها ممتلأ بالكتابات و بعضها فارغ وهناك أوراق متكمشة مرمية...

قرب المكتب خزانة صغيرة للملابس و فوقها إصطفت مجموعة أخري من الكتب...

'هممم. هذا الشاب يحب القرأة كثيرا على ما يبدو. أو كان يحبها قبل موته...'

تأمل الدكتور المكان و إستنشقت رائحته الجميلة..

إذن هذه غرفة نومه، جميلة و مريحة حقا برائحة الخشب الأحمر...

"كيف تشعر...؟. لا تضغط على نفسك كثيرا، إسمح لجسدك بتعافي ببطء و إسمح لدماغك بالتعرف على كل شيء من جديد... لا تضغط على نفسك..."

أدار الدكتور نظره ببطء نحو صاحبة الصوت ببتسامة صغيرة...

مازال الشعور الغريب من الحلقة فوق رأسها و جناحها يثير شكه، لكنه أذرك من خلال ذكريات الفتي حالة العالم...

هذا العالم يحتوي على جسم غريب ظهر قبل ألاف السنوات، ربما قبل ذلك حتي. عرف الجسم باسم حجر السينيريس...

العالم في البداية إعتقد أنه مجرد مادة عادية ظهرت لا تشكل أي خطر أو فائدة. لكنهم كانوا مخطئين، ليكتشفوا فيما بعد أنه قادر على توليد طاقة هائلة إن إستخدم بشكل الصحيح في ظروف صحيحة...

في البداية سعت جميع الإمبراطوريات للحصول عليه مما أشعل حربا هائلة بين الممالك.. تلك الحرب أرجعت العالم عدة قرون للخلف وتركته ينزف بشكل هائل... وبعد الحرب مباشرة أو ربما أثناء الحرب، تم إكتشاف الخطر الحقيقي لحجر السينيريس.

الحجر أصبح كالطاعون إنتشر في عالم مغيرا تداريس العالم بأكملها و خلق مجالات موت في بعض المناطق. والأخطر على البشر أنه أطلق مرضا غريب عرف بأوريجينيوم برايم...

المرض الأصلي الأول. بدء البشر في تغير بسرعة مرعبة. هناك من نمت له قرون، البعض ديول، مخالب، أجنحة، البعض أصبح بشكل مخيف ليس حتي بشريا... والأكثر ظهرت كائنات هائلة بشعة لا تعرف سوي التخريب بدون حس سليم بالمنطق و العقل...

بين البشر، هناك من فشل جسده في تحمل تبعاث التحول فمات ببساطة، المئات، لا بل الآلاف من البشر إن لم يكن الملايين بالفعل، قد سقطوا أمواتا تحث تلك الظاهرة التي ظهرت فجأة...

كان هناك جانب واحد جيد داخل كل تلك الجوانب السيئة. البشر حصلوا على بعض القوة الغريبة من مرض الأوريجينيوم برايم...

بالطبع ليست مجانية لكنها كانت موجودة وقد ساعدت على إستعادة الوضع قليلا. ودفع الوحوش التي ظهرت لتدمر المدن...

الدكتور إستيقظ في جسم فتي في مدينة فيكتوريا الموحدة. البشر هنا يطلقون على أنفسهم أشباه الملائكة...

ليس أشباه بل يسمون أنفسهم بالملائكة البشرية...

جميعهم حصلوا على تلك الحلقات فوق رؤوسهم و شيء يشبه الأجنحة معها. و شكلهم بقي قريب كثيرا من شكل البشر الطبيعيين...

'أفهم الآن وضع العام للعالم... إنه حقا على حافة الخراب...'

"هل أنت بخير صغيري...؟"

لاحظت الأم شروده مجددا، إلتوي تعبيرها في قلق عليه...

هز الدكتور رأسه قليلا و طمأنها بنبرة هادئة...

"نعم بخير، بافضلك أمي.. لا توجد مشكلة كبيرة. أنا أتذكر و أتعرف على كل شيء في الغرفة بوضوح.. لذلك لا داعي للقلق كثيرا..."

تنهدت المرأة بالرتياح من كلامه وسحبت كرسيا وجلست قرب السرير..

عقدت يدها أمام صدرها وعيناها تشع بضوء تحقيق...

"إذن، أيها الشاب. هل لذيك ما تقوله؟. ماذا حدث لك قبل ثلاثة أيام...؟"

من نبرتها فهي لا تعرف تفاصيل ما حدث بالوضوح، وللأسف الدكتور أيضا لا يعرف ما حدث... ذكريات الفتي متقطعة و مشوشة، وبعضها ناقص، و البعض غير موجود من الأساس...

هناك الكثير من الفراغات و الظلال...

الأمر يشبه سجل تسجيل قديم تعرض لضربة قوية أتلفت معضم معلوماته...

خدش مؤخرة رأسه. وخرج بكذبة سريعة...

"البرق..."

مالت الأم برأسها وفمها مفتوح قليلا...

"البرق...؟"

أومأ و شرح من ذكريات الفتي...

"لقد دهبت قرب التمثال لأقرأ الكتاب كما أفعل في العادة. لكن عندما حاولت العودة بدء المطر يهطل و ضربني البرق ، تلك أخر لحظة أتذكرها. عندما إستعدت وعي كنت هنا بالفعل..."

تنهدت الأم بعمق و ربتت على رأسه بحب و دفئ...

"من الجيد أنك لم تغضب أي لورد قديم. حوادث البرق ليست شائعة لكنها تحدث بين الفترة و الفترة، من الجيد أنك بخير... إن كنت تسأل فوالدك هو من أحظرك و قد كاد قلبه يتوقف لعلمك..."

إبتسم الدكتور بضعف شعر بيدها الدافئ على رأسه، و أصابعها الرقيقة بين خصلات شعره الأسود...

"سوف أحاول حل الأمور بشكل ودي معه. لا أرغب أن يبرحني ضربا تحت مسمي التدريب..."

ضحكت الأم بمرح من كلامه...

"تتكلم معه بالود..؟. من سمعك سيعتقد أنك سرقت طفلته منه..." إبتسمت و أظافت... " لا تقلق كثيرا، أمك موجودة. عليك التعافي أولا... "

وضعت الأم صحنا صغيرا يحتوي على بعض الفواكه و الطعام على طاولة...

"هل أنت جائع...؟. لقد كنت نائما لثلاثة أيام بالفعل، جسدك يحتاج للغداء ليستمر.." أشارت لرأسها " ودماغك أيضا يحتاج لطاقة ليعمل جيدا. ماتزال في مرحلة النمو أيضا... "

بدون تفكير أصدرت معدته صوتا عميقا وهي تحتج علي بغضب... تناول الطعام فكرة رائعة جدا...

"يبدو أن معدتك سبقت دماغك يا صغيري..."

إبتسم لها بحرج: "هناك مقولة عظيمة تقول: العلم مصدره المعدة وهي التي ترسله لدماغ. أمي، عندما نكون جائعين لا نفكر في شيء أبدا غير الطعام، وعند الشبع تبدء الأفكار بالتدفق بمفردها..."

همهمت و أعطت الأمر لحظة تفكير قصيرة...

"ربما أنت محق جدا..." إبتسمت بلطف ووضعت الطعام أمامي.. "هل تستطيع الأكل لوحدك...؟. حاول تحريك يدك قليلا..."

إمتثل لها و ببطء و تبات تحركت يده اليمني و أمسك قطعت الخبز و بدأت الأكل...

شعر بالطعام يدوب في فمه ينساب مع حلقه ليستقر في معدته..

كان لذيذا بشكل لا يوصف حقا، لذرجة إنغماسه في الأكل بنهم متناسيا حالته للحظة...

'لذيذ جدا حقا...'

بعد إنتهائه أخيرا من الأكل شعر بالشبع و إبتسامة راضية إرتفعت على وجهه..

"طعامك هو الأفضل دائما أمي. إنه شيء لا يمكنني العيش من دونه.. يستحق مقايضة العالم به..."

ضحكت بسعادة وربتت على رأسه ببتسامة...

"من الجميل سماعك تقول ذلك، يجعل قلب والدتك سعيدا جدا. لكن عليك عدم التعود عليه..."

أمال الدكتور رأسه حائرا قليلا، للحظة لم يتمكن من فهم كلامها...

"يبدو أن دماغك يعاني قليلا. لقد بقيت لك عدة أشهر فقط لدهابك للجامعة. ألم يكن حلمك أن تكون طبيبا.."

إخترقت كلماتها دماغه، وجعلت بعض ذكريات الفتي تتفتح كزهرة تحت ضوء الشمس...

كل تلك الكتب و الأوراق المكمشة و أقلام الكتابة، هذا الشقي كان ذكيا جدا في الواقع. ويبدو أنه خطط لذهاب لدراسة في المدينة...

هممم. هذا معقد قليلا...

"عدة أشهر إذن. مايزال لذي بعض الوقت قبل ذلك..."

ضحكت..

"والدك سيعود قريبا. إسترح قليلا الآن،و إسمح لدماغك بمراجعة كل شيء. سوف أكون في الأسفل إن إحتجت لأي شيء طفلي الصغير..."

بدلك القول إنحنت ووضعت قبلة صغيرة على جبينه. وبتربيتة غادرت الغرفة مما أبقاه مع نفسه و أفكاره...

'و الآن ماذا أفعل...؟...'

تسآل حائرا...

من يكون الدكتور أساسا...؟. ماذا كانت مهمته.؟، وكيف إنتهى به الأمر هنا في جسد الشاب...؟

كل سؤال يسبب صداعا أكثر ألما من الذي قبله...

'برغم ضخامة الأمر أجد نفسي أواجهه بهدوء و إتزان لا يتزعزع... هل هدوئي هذا شيء إكتسبته بعد تورطي مع هذا الشاب...؟.'

'أتسأل أي نوع من الأشخاص كنت من قبل...؟'

عندما رتب الدكتور بعض من ذكريات الشاب في رأسه. إكتشف المزيد عن حالته و الأولي كانت أمامه طول الوقت ولم يلحظها حتي بسبب حالته...

والآن وهو يشعر بوخز غريب في ظهره وبعض الثقل في رأسه فقد لاحظها...

"هممم، ذيل و قرنان.."

إنحبست أنفاسه لتانية وهو ينظر لذيله، ورفع يده متحسسا قرنيه...

الدكتور حاليا كان له ذيل أصفر ذهبي، وقرنان صغيران يشبهان الأغصان الذهبية تزين رأسه . لقد كان الألم مبرحا في البداية لذرجة لم يلحظ الأمر حتي..

الشاب لم يكن من سكان فيكتوريا الموحدة، بل من سكان مدينة يونغ الجنوبية...

الأم و الأب، ليسا والداه البيولوجيان بل تبنيانه عندما وجداه في مدينة فيكتوريا. و سبب مغادرته لمدينة يونغ لم يجذه الدكتور في ذكرياته...

شكله الحالي قريب من شكل تنين مهيب بشكل بشري...

"غريب حقا، كيف لم ألحظ الأمر في ذكري الأولي...؟!"

تنهد وهو يتأمل حالته قليلا....

فارغ تماما، بذكريات لا تنتمي له...

مهما كان شكلها و إحساسها، الذكريات هي التي تصنع شخصية المرء و هويته و دافعه و طريقه...

بدون الذكريات كيف نعرف حتي من نحن...

'علي البدء في البحث عن نفسي...'

عقد الدكتور العزم في قلبه، و الآن بقي عليه فقط التعافي ليبدء التخطيط لطريقه...

في تلك اللحظة لمعت علامة إستفهام كبيرة فوق رأسه و هو يتذكر تفصيلا غريبا في ذكريات هذا الفتي...

التمثال الحجري، الإنتحار و الكلماته الغامضة. هناك صلة بين ما فعله ذلك الشاب و بين تجسد الدكتور في جسده...

ليس هناك إتبات، لكن ليس لذيه مكان أخر ليبدء التحرك منه غير التمثال. ربما يجد بعض التفسيرات لحالته الغريبة...

لبقية اليوم لم يقدر الدكتور سوي على تحريك ذيله الذهبي قليلا، ويده التي لم يكف بها عن العبث بقرنيه. لقد كان الأمر غريبا وغير مريح في بداية، أمر ذيله بالتحرك، لكنه فعلها و تعود قليلا عليه.

لذلك تحول من جسده وقام فقط بفرز ذكريات الشاب و نظر فيها واحدة بواحدة...

و الأمر المفاجئ كان علمه بالعالم واسعا نوعا ما. جزء كبير من علمه كان منصبا نحو علم الطب و التاريخ و دراسة بعض الظواهر الغريبة المتعلقة بالسينيريس...

لكن رغم محاولته التعمق في الذكريات لم يجد شيئا غير الألم، وكأن شيئا يعجب الأمر عنه بقوة ما... لذلك ببساطة إستسلم الدكتور للأمر حاليا ونظر لشيء أخر...

وجد أن الشاب لذيه معرفة باللوردات المتواجدين، و المعابد و الكنائس الكبري و المدن التي ماتزال قائمة و الأخري التي سقطت وتحولت لأنقاظ قديمة...

و على ما يبدو هناك ما مجموعة إثني عشر لوردا، لكل واحد منهم طائفته و معبده الخاص به. ويبدو أن كل مدينة تتبع لوردا خاصا بها...

هذه القرية تنتمي لمعبد الليل القديم.. التي تقدس لورد الليل القديم. أحد الكيانات الإتني عشر الهائلة...

"هممم، هذا يزيد التعقيد كثيرا. هل تشكلت اللوردات من السينيريس أيضا...؟ "

تلك الفرضية قوية جدا. السينيريس هو مادة غريبة صنعت وحوشا هائلة، وقام بتدمير أكثر من نصف الكوكب بظواهر ماتزال لوقتنا الحالي. لن يكون غريبا أن يصنع شيئا هائلا عاقلا وواعيا بنفسه...

تنهد الدكتور بعمق...

'حتي أجد نفسي و هويتي أنا الآن هو هذا الشاب. إسمي هو 'يو' YU'

إسم ينتمي لشاب من مدينة يونغ الجنوبية

2026/02/13 · 5 مشاهدة · 1587 كلمة
Yu
نادي الروايات - 2026