كان السوق الليلي يبدو كجسد ميت حين يمر عليه كايرو كل ليلة في نفس الساعة تقريباً. الأكشاك المغلقة تصطف كصفوف من القبور الخشبية، ورائحة الرطوبة الممزوجة بروائح الخضار المتعفنة تملأ الممرات الضيقة. كان يمشي ببطء، عصاه تلامس الحجر بإيقاع ثابت لا يتغير أبداً، وكيس الطعام معلق في يده اليسرى يتمايل مع كل خطوة.
لم يكن أحد يعرف اسمه الحقيقي في هذا الحي. يعرفونه فقط بـ"العجوز كايرو"، حارس السوق الذي لا ينام، ويطعم القطط الشاردة كأنها آخر أصدقاء له في هذا العالم. وربما كانت كذلك فعلاً.
لكن تحت هذا الجلد المتجعد، وتحت هذه الخطوات المرتعشة المتعمدة، كان يسكن رجل آخر تماماً. رجل لم يمت، بل اختار أن يدفن نفسه حياً منذ خمسين عاماً.
سمع الصراخ قبل أن يراها.
توقف. لم تتحرك عضلة واحدة في جسده سوى عينيه، اللتين تحركتا ببطء نحو مصدر الصوت في الزقاق المظلم على يمينه. كان هناك شيء في تلك الصرخة — نبرة خوف صافية لم يسمع مثلها منذ زمن طويل جداً — أعاد إليه شعوراً كان يظن أنه دفنه مع كل شيء آخر.
ثم ظهرت. فتاة صغيرة، لا يتجاوز عمرها الثانية عشرة، تركض بكل ما تبقى في ساقيها من قوة، وخلفها رجلان مقنّعان يحملان أسلحة معقوفة. تعثرت الفتاة عند قدميه، وسقطت على الحجارة الباردة، ورفعت وجهها نحوه بعينين مليئتين برجاء لا يقدر أن يتجاهله.
"أرجوك... ساعدني."
شيء في صدر كايرو انقبض بقوة مؤلمة. لا، فكر لنفسه. ليس مرة أخرى. لا أستطيع أن أفعل هذا مرة أخرى.
اقترب الرجلان، رفعا سلاحيهما ببطء تهديدي، واثقين من أن هذا العجوز الهزيل لن يشكل أي عائق حقيقي بينهما وبين هدفهما. وضع كايرو كيس الطعام على الأرض ببطء شديد، وكأن كل حركة منه تحمل وزن قرار لم يكن مستعداً لاتخاذه. القطط، التي كانت قد بدأت تتجمع حول قدميه كعادتها، شعرت بشيء في الهواء وفرّت في الظلام.
ارتجفت كف يده وهي تقترب — بلا وعي منه تقريباً — من نقطة في الأرض القديمة تحت السوق، حيث دُفن شيء منذ خمسين عاماً لم يمسسه يداه منذ ذلك الحين.