في لحظة عابرة، رأى مدينة تحترق. رأى شخصاً بلا ملامح واضحة يصرخ اسمه وسط الدخان واللهب. لم تدم الرؤية أكثر من ثانية، لكنها كانت كافية ليعرف كايرو أن الماضي لا ينام أبداً، بل ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليقظته.
عاد بصره إلى الرجلين المقنّعين اللذين اقتربا الآن بما يكفي. لم يستخدم سيفاً — لم يكن يملك واحداً معه أصلاً — بل استخدم يديه العاريتين فقط، بحركة واحدة سريعة كانت أقرب لذكرى جسدية من كونها فعلاً واعياً. سقط الرجلان أرضاً في أقل من نفَس واحد.
جلست الفتاة على الأرض، تراقبه بذهول لم تستطع إخفاءه. لم تكن حركته حركة عجوز عادي. كانت حركة قاتلة، دقيقة، بلا خطأ واحد، وكأن جسده كان يتذكر شيئاً كان عقله قد حاول نسيانه لعقود.
"من أنت أصلاً...؟" سألته بصوت لا يزال يرتجف.
فكر كايرو للحظة قبل أن يجيب، وكأنه يبحث عن الكذبة الأقرب للحقيقة التي يمكنه أن يقولها لنفسه دون أن يشعر بالخزي الكامل.
"مجرد رجل عجوز يطعم القطط."
كانت تلك الكلمات قد خرجت آلاف المرات من فمه على مر السنين، لكنها هذه المرة بدت أثقل من المعتاد. حين مدّ يده لمساعدتها على الوقوف، لاحظ شيئاً على ساعدها الأيمن — علامة حلزونية باهتة توهجت للحظة قصيرة قبل أن تخفت مرة أخرى.
تجمد كايرو في مكانه. عرف تلك العلامة. عرفها جيداً، بل عرفها أكثر من أي شيء آخر في حياته الطويلة. كانت الختم نفسه — أو ما تبقى منه — الذي غيّر مجرى حياته للأبد قبل خمسين عاماً.