الفصل 8 — أثر النسيان
في أعماق إمبراطورية أفيراث…
داخل مبنى شُيّد من حجارة بيضاء ناصعة تعود لعصرٍ قديم…
كان رجل يجلس خلف مكتب ضخم بصمتٍ مطلق.
لا صوت.
حتى ألسنة اللهب داخل الشموع كانت ثابتة…
وكأن الزمن نفسه توقف داخل تلك القاعة.
ثم فجأة—
فتح الرجل عينيه ببطء.
عينان زرقاوان باردتان كالبحر الميت.
وقف من مكانه بهدوء.
واتجه نحو النافذة الحجرية العملاقة.
ثم تمتم بصوت منخفض:
“مالثير…”
ساد الصمت للحظات.
ثم ظهرت ابتسامة باردة على وجهه.
“لقد دخلت في سباتك أخيرًا.”
هبّت ريح سوداء داخل القاعة رغم عدم وجود أي منفذ.
ثم أكمل:
“وهذا يعني…”
“أن اليأس عاد مجددًا.”
استدار ببطء نحو الظلام خلفه.
وفجأة—
بدأ الواقع يتشقق.
تشوه الزمكان.
وانضغط الهواء بشكل مرعب.
حتى أصبحت الأنفاس ثقيلة.
بدأ برق أزرق مائل إلى السواد بالظهور داخل الفراغ.
ثم…
انفتحت بوابة صغيرة.
لكنها استمرت بالاتساع.
أكبر…
وأكبر…
حتى أصبحت بحجم القاعة بالكامل.
خرجت منها امرأة ذات شعر أرجواني طويل.
وعينين بنفس اللون.
كانت هادئة…
لكن وجودها وحده جعل الظلال ترتجف.
وخلفها…
خرج رجل عجوز.
شعره رمادي طويل.
وجهه ذابل كجثة لم تمت بالكامل.
أما عيناه…
فكانتا تحملان ثقل قرون كاملة من الدماء والحروب.
في اللحظة التي ظهر فيها العجوز—
انحنى الرجل ذو الشعر الأسود فورًا.
وكأن جسده تحرك تلقائيًا.
ثم عاد الهدوء إلى القاعة.
وتكلم الرجل ذو الشعر الأسود:
“يبدو أن النسيان قد دخل سباته فعلًا.”
رفعت المرأة الأرجوانية رأسها قليلًا.
ثم قالت:
“تم تأكيد الأمر.”
“لقد أغلق وعيه بالكامل.”
ساد الصمت.
ثم سأل العجوز بصوت جعل الهواء يرتجف:
“هل أنتِ متأكدة؟”
لم يكن صوته مرتفعًا…
لكن مجرد سماعه جعل الرغبة بالخضوع تظهر داخل أعماقهم.
أومأت المرأة بهدوء.
ثم قالت:
“الوحوش بدأت تفقد السيطرة.”
“وأصبحت أكثر وحشية من السابق.”
اقتربت خطوة.
ثم أكملت:
“تم تدمير معظم المدن القريبة من غابة الأسرار.”
“كما سقطت عدة مدن داخل الأراضي الملعونة.”
“وفساد الخطيئة…”
“أصبح ينتشر بصورة أعمق.”
تغيرت نظرات الرجل ذو الشعر الأسود قليلًا.
“وما علاقة فساد الخطيئة بالنسيان؟”
نظرت المرأة نحوه للحظة.
ثم أجابت:
“النسيان لا يؤثر على الذاكرة فقط.”
“بل يؤثر على الوعي… والروح… والجسد… وحتى النظام نفسه.”
ساد الصمت داخل القاعة.
ثم أكملت بصوت منخفض:
“كان يبطئ فساد الخطيئة دون أن يعلم العالم بذلك.”
فجأة—
أصبح الجو خانقًا.
سقط الرجل والمرأة على ركبتيهما وهم يسعلون الدم.
أما العجوز…
فبقي واقفًا.
يضحك.
ضحكة هادئة…
لكنها جعلت الفراغ نفسه يرتجف.
ثم قال:
“يبدو أن العجائز من الأزمنة القديمة…”
“بدأوا بالاستيقاظ.”
رفع رأسه ببطء.
ثم ابتسم.
“عندما نام النسيان…”
“عاد العالم إلى الفوضى الحقيقية.”
اقترب من النافذة الحجرية.
ونظر نحو السماء السوداء البعيدة.
ثم قال بصوت بارد:
“وسوف ينتشر الفساد مجددًا.”
“لكن…”
“هذه فرصتنا.”
ساد الصمت للحظة.
ثم ظهرت نية قتل مرعبة داخل عينيه.
“سنقتل كل من شهد تلك الحرب.”
تردد صوت الرجل ذو الشعر الأسود:
“وماذا عن اليأس؟”
ساد الصمت داخل القاعة.
حتى الظلال بدت وكأنها توقفت عن الحركة.
ثم أجاب العجوز أخيرًا:
“ليس الآن.”
رفعت المرأة رأسها ببطء.
“لماذا؟”
ابتسم العجوز ابتسامة باردة.
“هل تعتقدين أن النسيان غبي بما يكفي…”
“ليترك اليأس بلا حماية؟”
اهتزت الظلال حوله بعنف.
ثم أكمل:
“وذلك الغراب اللعين…”
“غالبًا ما يزال بجانبه.”
أصبحت عيناه أكثر ظلامًا.
“حتى لو لم يكن بكامل قوته…”
“فإنه ما يزال نيكورديس.”
………
………
………
في إحدى المدن المطلة على البحر…
كانت السماء هائجة.
البرق يمزق الغيوم.
والرعد يهز المدينة بعنف.
والعواصف تضرب البحر كأن العالم يوشك على الانهيار.
لكن فجأة—
توقف كل شيء.
اختفى الرعد.
وتوقفت الرياح.
وسكنت الأمواج.
وكأن الطبيعة نفسها…
نسيت ما كانت تفعله.
كان آزارث يسير وسط المدينة بصمت.
بينما الناس من حوله تتجمد نظراتهم فجأة.
ثم ينسون ما كانوا يريدون فعله.
رجل يحمل الخبز…
ثم يتوقف.
طفل يبكي…
ثم ينسى سبب بكائه.
امرأة تنظر إلى الطريق…
وكأنها لا تتذكر أين كانت ذاهبة.
أما نيكورديس…
فكان يطير بجانب آزارث بهدوء غير معتاد.
رفع آزارث رأسه قليلًا.
ثم سأل بصوت بارد:
“هل دمرت حقًا قارة كاملة؟”
في اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمه—
تردد صداها داخل آذان الناس.
لكن الغريب…
أنهم نسوها فورًا.
وكأن العالم يرفض تذكرها.
ابتسم نيكورديس.
لكن ابتسامته هذه المرة…
لم تكن ساخرة.
بل بدت بعيدة.
قديمة.
ثم أجاب بسؤال آخر:
“ماذا ستفعل…”
“إذا اكتشفت أن العالم كله تخلى عنك أثناء الحرب؟”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“وأنك بقيت مع ثلاثة أشخاص فقط…”
“ضد العالم بأسره.”
صمت آزارث قليلًا.
ثم قال:
“لم أدخل حربًا من قبل…”
“لذلك لا أعرف.”
ضحك نيكورديس بخفة.
لكن ضحكته بدت فارغة هذه المرة.
“لا تقلق…”
“في المستقبل…”
“ستخوض حروبًا أكثر رعبًا مما يستطيع عقلك تخيله.”
لم يرد آزارث.
لأنه كان يعلم شيئًا واحدًا فقط…
أن مستقبله…
لن يكون طبيعيًا أبدًا.
………
………
………
في أعماق البحر المظلم…
داخل قاع لا يصل إليه الضوء…
كان هناك تابوت ضخم مغطى بسلاسل سوداء صدئة.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم—
تحركت إحدى السلاسل.
وانفتح التابوت ببطء.
خرج منه ضباب أسود كثيف.
ثم ظهرت عينان حمراوان بلون الدم.
باردتان…
وممتلئتان بالجوع.
بعد لحظات—
خرج الجسد كاملًا من الظلام.
وجه أزرق مخضر.
حراشف سوداء تغطي جسده بالكامل.
وشعر أزرق لامع يتحرك داخل الماء كاللهب.
ثم ظهرت ابتسامة واسعة على شفتيه.
ابتسامة وحش استيقظ بعد نوم طويل جدًا.
وأخيرًا…
تكلم:
“لقد حان وقت الاستيقاظ.”