الفصل 9: البحر الذي ابتلع القمر
في البحر المظلم…
كان الليل هادئًا بشكل مخيف.
لا أمواج.
لا رياح.
ولا حتى صوت طيورٍ عابرة.
فقط صمت بارد…
وكأن البحر نفسه ميت.
وكان القمر ينعكس فوق المياه السوداء بهدوءٍ غريب.
وسط ذلك الظلام…
كانت هناك سفينة عملاقة تشق البحر ببطء.
سفينة صيد قديمة يبلغ طولها خمسة عشر مترًا.
وعلى متنها عشرات الرجال المسلحين بالرماح والسيوف الثقيلة.
وقف أحد البحارة قرب الحافة ثم قال بتوتر:
“يا قبطان…” “لماذا نحن هنا أصلًا؟”
نفث القبطان الدخان من فمه دون أن ينظر إليه.
كان رجلًا ضخم الجسد بعينٍ واحدة ووجه مليء بالندوب.
ثم قال بصوت خشن:
“ألم تسمع الأخبار؟”
“الوحوش البحرية بدأت تظهر قرب السواحل.”
“المدن الساحلية تتعرض للهجوم يوميًا.”
رفع رأسه ببطء نحو ظلام البحر.
“هذه المخلوقات كانت تعيش فقط في أعماق البحر المظلم…”
“ولو استطعنا قتل واحد منها فقط…” “فسنعيش أغنياء بقية حياتنا.”
ساد الصمت فوق السفينة.
لكن فجأة…
تغيرت السماء.
اختفت النجوم.
واصبح ضوء القمر باهتًا.
ثم—
هاج البحر.
اهتزت السفينة بعنف.
وتحول سطح الماء تدريجيًا إلى سوادٍ حالك لا يعكس شيئًا.
اتسعت أعين البحارة.
“ماذا يحدث؟!”
صرخ أحدهم بخوف.
وفجأة—
خرج شيء هائل من تحت البحر.
وحش عملاق بطول ثلاثين مترًا.
عيناه حمراوان.
وجسده مغطى بحراشف سوداء لامعة.
فتح فمه الهائل…
ثم اندفع نحو السفينة.
“إنها فرصتنا!”
صرخ القبطان والحماس يملأ عينه الوحيدة.
“هاجموا!”
اندفع البحارة نحو الوحش وهم يصرخون.
اخترقت الرماح جسده.
وسقطت عليه السلاسل الحديدية.
لكن الوحش أطلق هديرًا مرعبًا…
حتى أن البحر بأكمله اهتز.
ارتفعت الأمواج بعنف.
وتحطمت أجزاء من السفينة.
“اثبتوا!”
صرخ القبطان وهو يغرز سيفه داخل عين الوحش.
استمر القتال لدقائق طويلة…
حتى سقط الوحش أخيرًا داخل البحر.
ساد الصمت للحظة.
ثم انفجر البحارة بالصراخ.
“لقد انتصرنا!”
“نحن أغنياء!”
لكن…
فجأة…
توقف الجميع.
ظهر صوت عميق داخل البحر.
صوتٌ هائل…
أعلى بكثير من هدير الوحش الذي قتلوه.
تجمدت الابتسامات فوق وجوههم.
ثم نظر أحد البحارة ببطء نحو الأفق.
واتسعت عيناه حتى كادتا تخرجان من مكانهما.
كان البحر يتحرك.
لا…
بل شيء تحت البحر كان يتحرك.
ومن جميع الاتجاهات…
بدأت تظهر عشرات العيون الحمراء وسط الظلام.
همس أحدهم بصوت مرتجف:
“مستحيل…”
لكن قبل أن يكمل—
اندفعت وحوش البحر من الأعماق.
ابتلعت السفينة بالكامل.
تعالت الصرخات.
وسقطت الدماء فوق المياه السوداء.
لكن البحر…
ابتلع كل شيء بسرعة.
وكأن شيئًا لم يحدث أصلًا.
.......... ........ ......
في إحدى المدن القريبة من البحر المظلم…
كان هناك مبنى شُيّد من حجارة بيضاء ناصعة تعود لعصور منسية.
وعلى بوابته…
ظهر شعار غريب.
هلال أسود غير مكتمل.
تتوسطه زهرة بيضاء ذابلة.
كانت بتلاتها تتساقط باستمرار…
لكنها تختفي قبل أن تلامس الأرض.
داخل المبنى…
كان رجل يجلس خلف مكتبٍ خشبي ضخم يراجع مجموعة وثائق.
ثم فُتح الباب بسرعة.
دخل رجل يرتدي درعًا فضيًا وقد بدت علامات التوتر على وجهه.
“سيدي!”
“تم رصد عشرات الوحوش البحرية قرب السواحل!”
رفع الرجل الجالس نظره بهدوء.
“وماذا أيضًا؟”
ابتلع الجندي ريقه.
“معظم المنظمات القريبة من البحر المظلم بدأت تتحرك.”
“حتى فرسان الساحل الشرقي أعلنوا حالة الطوارئ.”
ساد الصمت للحظات.
ثم أغلق الرجل الوثيقة التي بيده.
“اجمع ثلاثمائة مقاتل.”
“واستعدوا للتحرك قبل الفجر.”
انحنى الجندي مباشرة.
“كما تأمر.”
ثم غادر بسرعة.
بقي الرجل وحده داخل القاعة.
نظر نحو شعار الهلال الأسود المعلق على الجدار.
ثم تمتم بصوت منخفض:
“الكوارث لا تتوقف…”
“ولا أخبار من القسم الرئيسي.”
“ماذا يحدث للعالم…؟”
.......... ........ ......
في أعماق إمبراطورية أفيراث…
داخل قاعةٍ ضخمة مضاءة باللهب الأزرق…
كان زيراث جالسًا خلف مكتبه بصمت.
بينما جلست تليزارا على المقعد المقابل وهي تعقد ذراعيها بقلق.
“ماذا يحدث في العالم يا زيراث؟”
سألته وهي تزفر ببطء.
رفع زيراث نظره نحوها.
“حتى نحن لا نملك جميع الإجابات.”
“منظمة الحلم الأخير ليست منظمة عادية…”
“نحن مجرد فرع من الفروع.”
“أما مكتبة الحقيقة الموجودة في المقر الرئيسي…” “فلا يسمح لنا بدخولها.”
خفض صوته قليلًا.
“عرفنا عن سبات النسيان فقط بسبب أهمية الحدث.”
“أما بقية ما يحدث…” “فحتى نحن نجهله.”
ضيّقت تليزارا عينيها.
“وماذا عن البحر المظلم؟”
ساد الصمت للحظة.
ثم قال زيراث:
“وصلني تقرير من المقر الرئيسي.”
“لقد استيقظ سيد البحر المظلم.”
تجمدت ملامح تليزارا.
“تقصد…”
“ناغاروث.”
وفجأة…
أصبحت القاعة باردة بشكل غريب.
حتى اللهب الأزرق بدأ يهتز.
وقف زيراث واتجه نحو النافذة الحجرية.
“كل المخلوقات التي هاجرت إلى البحر المظلم…”
“بدأت تهرب.”
“حتى الوحوش القديمة.”
اتسعت عينا تليزارا ببطء.
“هذا مستحيل…”
“لا شيء يستطيع إخافة تلك المخلوقات.”
أجاب زيراث بصوت منخفض:
“إلا سيدها.”
ساد الصمت للحظات.
ثم تحدثت تليزارا مجددًا:
“وماذا عن غابة الأسرار؟”
ظهرت لمعة غريبة داخل عيني زيراث.
“المقر الرئيسي وصف ما يحدث هناك…”
“بعاصفة زمنية.”
تغيرت ملامح تليزارا فورًا.
“عاصفة… زمنية؟”
لكن قبل أن يجيب—
اهتزت القاعة بالكامل.
ثم ظهرت موجات سوداء داخل المرآة القديمة المعلقة على الجدار.
وببطء…
بدأ وجه رجل عجوز بالظهور داخلها.
فور ظهوره—
وقف زيراث وتليزارا مباشرة.
وانحنيا بصمت.
“سيدي أورفين…”
فتح الرجل العجوز عينيه ببطء.
كانت عيناه فارغتين بشكل مرعب…
وكأنهما فقدتا القدرة على إظهار أي مشاعر منذ زمنٍ بعيد.
ساد الصمت داخل القاعة.
حتى اللهب الأزرق توقف عن الاهتزاز.
ثم تحدث أورفين أخيرًا بصوت هادئ…
لكنه حمل ثقلًا جعل الهواء نفسه يبدو أثقل.
“وصلتني تقارير البحر المظلم.”
رفع زيراث رأسه قليلًا.
“سيدي… هل الأمر بهذه الخطورة فعلًا؟”
لم يجب أورفين مباشرة.
بل رفع يده ببطء.
وفجأة—
ظهرت خريطة ضخمة مضيئة فوق القاعة.
كانت تمثل القارة بأكملها.
لكن ما جعل تليزارا تشحب…
هو عشرات العلامات الحمراء المنتشرة قرب السواحل.
“خلال ثلاثة أيام فقط…”
“اختفت سبع مدن ساحلية.”
اتسعت عينا زيراث.
أما تليزارا…
فلم تستطع الكلام.
أكمل أورفين بهدوء مخيف:
“تم العثور على المدن فارغة.”
“لا جثث.”
“لا دماء.”
“ولا آثار قتال.”
خفض صوته أكثر.
“وكأن البحر ابتلعهم بالكامل.”
ساد الصمت.
ثم ظهرت علامات سوداء جديدة فوق الخريطة.
لكن هذه المرة…
كانت داخل القارة.
داخل غابة الأسرار.
ضيقت تليزارا عينيها.
“ما هذه العلامات؟”
لمعت عينا أورفين للحظة قصيرة.
“الفرق التي أرسلناها.”
“انقطع الاتصال بها بالكامل.”
شعرت تليزارا بقشعريرة.
“حتى فرق الحلم الأخير…؟”
“نعم.”
رد أورفين مباشرة.
ثم تابع:
“الناجي الوحيد…”
“عاد فاقدًا لعقله.”
تغيرت ملامح زيراث.
“ماذا قال؟”
ساد الصمت للحظة.
ثم أجاب أورفين ببطء:
“كان يكرر جملة واحدة فقط…”
“لا تنظروا إلى الأشجار عندما يتحرك الضباب.”
انخفضت حرارة القاعة فجأة.
حتى تليزارا شعرت بأنفاسها تثقل.
ثم اختفت الخريطة المضيئة.
وعاد الصمت مجددًا.
لكن أورفين لم يختفِ.
بل بقي ينظر إليهما بصمت طويل.
ثم قال:
“استدعوا فرسان الظل.”
اتسعت عينا زيراث فورًا.
“سيدي…!” “هل وصل الوضع إلى هذه المرحلة؟”
“لقد بدأ القدماء بالتحرك.”
أجاب أورفين بهدوء.
“والعالم القديم…” “لن يبقى صامتًا طويلًا.”
ثم بدأت صورته تتشوه داخل المرآة.
لكن قبل أن يختفي—
قال جملة أخيرة:
“وابحثوا عن حامل اليأس قبل أن تسبقه إليهم الوحوش.”
ثم اختفى.
ساد الصمت داخل القاعة.
لم يتكلم أحد.
حتى تليزارا التي كانت تسخر دائمًا…
بدت صامتة.
أما زيراث…
فبقي ينظر نحو الخريطة التي اختفت.
ثم همس بصوت منخفض:
“لقد بدأت الحرب فعلًا…”
.......... ........ ......
في الجزء الشمالي من إمبراطورية أفيراث…
داخل قلعة ضخمة تحيط بها الثلوج من كل جانب…
وقف عشرات الجنود فوق الأسوار وهم ينظرون نحو الغابة البيضاء البعيدة.
كان الخوف واضحًا على وجوههم.
ليس بسبب الأعداء…
بل بسبب الصمت.
صمتٌ غريب يملأ المنطقة منذ أيام.
وفجأة—
ظهر جندي يركض بسرعة داخل القلعة.
“أيها القائد!”
“وصل تقرير جديد من الحدود الشمالية!”
رفع الرجل الضخم الجالس فوق العرش الحجري رأسه ببطء.
كان يرتدي درعًا أسود ثقيلًا.
وعلى كتفه الأيسر…
شعار ذئب أبيض بعينٍ حمراء.
كان اسمه:
“فالدار.”
أحد قادة جيوش أفيراث.
ألقى الجندي لفافة قديمة أمامه.
فتحها فالدار بهدوء.
لكن…
تغيرت ملامحه فور قراءتها.
“اختفت فرقة الحراسة الثالثة…”
“دون أي أثر.”
ساد الصمت داخل القاعة.
ثم تابع الجندي بتوتر:
“كما تم العثور على القرى القريبة فارغة بالكامل.”
“حتى الحيوانات اختفت.”
وقف فالدار ببطء.
ثم أمسك سيفه العملاق.
“أغلقوا الحدود الشمالية.”
“وامنعوا أي شخص من دخول الغابات.”
اتسعت أعين بعض الجنود.
“لكن سيدي… هناك مدن خارج الحاجز!”
نظر فالدار نحوهم ببرود.
“إذا فُتح الطريق…”
“فسيموت الجميع.”
ساد الصمت.
ثم انحنى الجنود مباشرة.
“كما تأمر.”
.......... ........ ......
في مكانٍ آخر…
داخل مدينة تجارية ضخمة تُعرف باسم “ميرافيل”…
كانت الفوضى تعم الشوارع.
التجار يهربون.
الناس يتدافعون.
والجنود يحاولون السيطرة على الوضع.
“ارتفع سعر أحجار الحماية مجددًا!”
“الوحوش شوهدت قرب الطريق الشرقي!”
“تم إغلاق الميناء!”
تعالت الأصوات في كل مكان.
وفوق أحد المباني المرتفعة…
كانت امرأة ترتدي معطفًا أسود طويلًا تراقب المدينة بصمت.
شعرها الفضي يتحرك مع الرياح.
وفي يدها…
بطاقة سوداء تحمل شعار الهلال غير المكتمل.
اقترب منها رجل نحيف يرتدي قناعًا أبيض.
“المنظمة بدأت التحرك.”
قال بصوت منخفض.
“وماذا عن الإمبراطوريات؟”
سألته المرأة دون أن تنظر إليه.
“الجميع يتحرك.”
“لكنهم لا يعرفون الحقيقة بعد.”
أغلقت المرأة عينيها للحظة.
ثم همست:
“هذا أفضل.”
فتح الرجل ملفًا صغيرًا.
“وصلتنا أيضًا أخبار عن حامل اليأس.”
توقفت الرياح للحظة.
ثم فتحت المرأة عينيها ببطء.
“أين؟”
“آخر ظهور له كان قرب البحر.”
ساد الصمت.
ثم اختفت المرأة فجأة من فوق المبنى.
وكأن الظلام ابتلعها بالكامل.
أما الرجل المقنع…
فبقي وحده ينظر نحو السماء المظلمة.
ثم قال بهدوء:
“العالم القديم…” “عاد أخيرًا.”