ومضت عينا وانغ تشين للحظة وهو يتفحّص الوجوه في المدرجات، قبل أن تستقر نظراته على فتاة جميلة المظهر، وذات جسد ممشوق ، تقف غير بعيد عنه. ارتفع حاجباه بخفة.
"أليست تلك هي… خطيبة المالك الأصلي لهذا الجسد؟!"
تمتم في نفسه، وقد خطرت في ذهنه ذكريات مبهمة من الماضي.
كان واضحًا من تلك الذكريات أنّ الفتى السابق كان مفتونًا بها حتى النخاع.
ابتسم وانغ تشين لها بخفوت:
"أنا بخير… شكرًا لكِ."
ثم أعاد تركيزه بالكامل نحو أرض المنافسة، متجاهلًا وجودها تمامًا.
أما رولا شيان، فقد تجمّد جسدها للحظة وهي تسمع رده البارد.
"أهذا… وانغ تشين حقًا؟!
في الماضي كان سيقفز فرحًا لو تبادلتُ معه نظرة واحدة فقط… أما الآن فيعاملني كأني لا شيء!"
ورغم الغضب الذي احتل قلبها، حافظت على ابتسامتها المصطنعة وقالت:
"على كل حال… أنا سعيدة لأنك بخير. فقط احرص على سلامتك في الجولات القادمة."
لكن كلماتها انزلقت حوله بلا أثر. لم يتحرك شيء في قلبه، ولم يلتفت إليها بعقله أو روحه.
غادرت بخطوات مرتبكة وقد تملّكها إحراج عميق.
في الجانب لاحظ شيانغ فاي المشهد كاملًا، فابتسم بدهشة وقال مازحًا:
"همم؟! أليس هذا قاسيًا قليلًا تجاه أميرة عائلة شيان وخطيبتك السابقة يا سيد وانغ تشين؟"
أجاب وانغ تشين بابتسامة باردة دون أن يحوّل عينيه عن الحلبة:
"لا أُبالي."
اتسعت عينا شيانغ فاي قليلًا وقال في نفسه:
"همم… هذا الشاب مثير للاهتمام على عكس ما تقوله الشائعات.
يجب أن أبلغ عن هذا للعائلة."
في منتصف المدرج الرئيسي، تجعّد وجه الشيخ فو يا بابتسامة ملتوية حينما أوقف غو همسات الرياح الذي كان يستمع به إلى محادثة حفيده عند أعلى المدرج.
لقد كان راضيًا جدًّا؛ برؤيته لم يعد يلهث خلف فتاة مهما كان جمالها أو سطوتها، بل حافظ على هيبة تليق بابن زعيم حقيقي ثم تنهد لنفسه بارتياح .
أما وانغ تشين، فلم يكن يفعل ذلك تكبّرًا أو لإثبات نفسه أمام مجرد فتاة بسيطة،
بل لأنه فهم أن الحفاظ على مكانته كـ ابن زعيم يبدأ من هيبة السلوك… مما سيفتح له مجالات واسعة من الفوائد، وهو الأمر الذي يحتاجه بشدة.
الفوائد ولا شيء يعلو فوق الفوائد
وبالطبع، لم يكن ذلك السلوك وحده كافيًا للوصول إلى أهدافه
فهو أيضًا سيتعين عليه إلى إثبات نفسه كمقاتل… لا مجرد وريث يتظاهر بالبرود.
عاد يحدّق في الساحة الفارغة بعينيه الكهرمانيتين، لكن عقله غاص في أعماق أخرى.
تذكّر ذلك الفضاء الشاسع الذي استُدعيت روحه إليه… والمشهد الأول حين وطأت قدماه عالم الغو.
في البداية ظن أنه يعرف هذا العالم جيدًا من الرواية التي قرأها،
لكن كل خطوة يخطوها هنا تثبت له أن تلك المعلومات ليست سوى قشرة سطحية…
عالم الغو أوسع… أعمق… وأخطر آلاف المرات مما تصوّر.
هل هذا جيد أم سيئ؟
لم يعد يهم.
ما رآه ومرّ به في عالمه القديم كان أسوأ مما قد يلقيه هذا العالم في وجهه.
سواء سيصعد إلى القمة… أو سيكون مجرد بيدق عابر لتحقيق غايات الآخرين…
كل ذلك يتوقف على اجتهاده هو فقط.
أما الحظ، فهو في نظره كالظل الذي يتبع الاجتهاد دائمًا؛
حتى لو ضعف أو تلاشى، يمكن السيطرة عليه وعكس تأثيره السلبي.
بينما بذل الجهد هو المسار الأكثر وثوقًا.
ترسخت هذه القناعة في قلبه كالفولاذ:
إذا احتاج الآخرون جهدًا واحدًا لتحقيق هدف ما… وهو يحتاج ألف ضعف للوصول إليه؟
فلن يتراجع.
ومع عزمه الراسخ، لن يلين تحت أي ظرف.
رن الجرس فجأة بعد إصلاح الحفرة التي خلّفتها المعركة السابقة.
نزل الحكم إلى الساحة بصوته العالي:
"وانغ تشو رين… وانغ فو جيان.
تقدّما إلى أرض المنافسة!"
عاد وانغ تشين إلى وعيه من شروده، ووجّه نظره نحو المتنافسين.
فتاة مراهقة في الخامسة عشرة تحمل سيفًا فضيًا رفيعًا معلّقًا خلف ظهرها،
ورجل بالغ في الخامسة والعشرين ذو عضلات بارزة.
كلاهما في ذروة المستوى الثاني.
لكن اهتمام الجميع انصبّ على الفتاة الصغيرة.
ذروة المستوى الثاني في هذا السن… أمر لافت للغاية.
رفع الزعيم الأكبر صوته بضحكة:
"الشيخ الثالث وانغ مونغ، ألا تتفق معي أن هذا الجيل مميّز؟!"
أجاب الشيخ مونغ:
"حقًا… منذ خمسين عامًا لم نشهد مواهب كهذه. يبدو أن السماء ترعى عائلة وانغ."
وضجّت منصة الحكّام بالضحك.
رن الجرس، وبدأت المعركة.
كما توقع الجميع:
تشو رين كانت تستخدم ديدان غو من مسار السيف.
أما فو جيان، فكان يعتمد على مسار القوة.
أطلق الرجل غو التضخيم، فانتفخت عضلاته بقوة هائلة لكنه أصبح أبطأ.
اندفع نحوها بعنف، لكن تشو رين فعّلت غو الوميض الأزرق واختفت كالبرق، ثم ظهرت خلفه فجأة.
تكررت المحاولة مرة بعد أخرى مع طعنات حادة وسريعة،
وعلى الرغم من ضعف تلك الضربات، كانت حادة ودقيقة للغاية،
ما جعله مضطرًا لاستخدام غو درع السلحفاة.
بدأ جوهره البدائي يتناقص بشدة.
صرّ بأسنانه:
"تتهربين مثل فأرة! ضربة واحدة فقط وسأطرحك أرضًا!"
لكنها ظلت صامتة… ورشيقة… تسبقه بخطوة كل مرة.
وأخيرًا، أوقف فو جيان تنشيط غو التضخيم ودرع السلحفاة استعدادًا لورقته الأخيرة.
جسده بدأ يتحول إلى معدن صلب، وتقدم بثقة.
أما تشو رين، فرفعت سيفها إلى الأعلى ببرود:
"سيوف البرق الخمسة اللامعة… انطلقي."
توهّج السيف الفضي بشدة، وتصاعد منه برق إلى السماء، قبل أن ينفجر ليتحول إلى خمسة سيوف برق هبطت بسرعة خارقة نحو هدفها.
قبل أن يقترب الرجل منها بذراعين، ضربته السيوف البرقية بصعقة هائلة أطاحت به عشرات الأمتار خارج الساحة.
صرخ الحكم:
"فوز محقّق للسيدة وانغ تشو رين!"
امتلأت مدرجات الفتيات بالهتاف والصراخ فرحًا، بينما اكتفى الفتيان بهتافات متوسطة.
أما وانغ تشين، فلم يبدُ عليه أي تأثر.
في نظره… كان القتال عاديًا.
سأل شيانغ فاي بحماس:
"ما رأيك؟"
رد وانغ تشين دون اكتراث:
"مجرد فتاة مدللة من عائلة غنية… صادف أن منافسها كان ثورًا هائجًا فحسب."
ضحك شيانغ فاي ولوّح بيده:
"لا جدال… في مواجهة السيف ضد القوة، للسيف الغلبة دائمًا."
سخر وانغ تشين في سرّه:
"لو كان فانغ يوان هنا… لصنع من مسار القوة شيئًا يتخطى كل الحدود."
فما تعلّمه من فانغ يوان هو أن الموهبة تأتي أولًا قبل المسار،
وأن المعيار الحقيقي للفوز في أغلب المعارك… هو الذكاء لا القوة.
مر الوقت قليلًا قبل أن يعطي الزعيم إشارة بدء المعركة التالية:
"السيد الشاب وانغ يوهان… والسيد وانغ تيان.
إلى أرض المنافسة!"
وفور سماع اسم وانغ يوهان، اشتعلت المدرجات بالهتاف.
نظر وانغ تشين نحوه، فوجده يحدّق به أيضًا… بابتسامة ساخرة مليئة بالتحدي.
"هه… يحدق بي كما لو أنني فريسته.
طفل أهوج آخر… يحتاج لمعرفة حجمه الحقيقي."
تبادل الاثنان النظرات حتى رن الجرس.
وفي اللحظة ذاتها…
ظهر وانغ يوهان أمام خصمه، وقبض على رقبته كأنه يمسك لعبة صغيرة.
لم يستطع وانغ تيان حتى التحرك.
سأل يوهان الحكم بصوت بارد:
"هل يُسمح بالقتل؟"
أجاب الحكم بحزم:
"لا."
فألقى جسد خصمه أرضًا كما لو أنه بلا وزن.
بدأ وانغ تيان يرتجف، يصرخ بذعر:
"أستسلم! أستسلم! لا تقتلني!"
ثم فقد الوعي على الفور.
ضجّت الساحة كلها بالذهول.
أما وانغ تشين، فقد ارتفع حاجبه باهتمام:
"مسار الوهم… أحد الفروع الثانوية القوية لمسار الروح.
ههه… مثير للغاية."