في جوف الليل، داخل غرفته الخاصة المظلمة إلا من ضوء القمر الخافت المطل من النافذة القريبة من البحيرة، ظل وانغ تشين مستغرقًا في التفكير.
ما حدث في نهاية هذا اليوم كان أمرًا غريبًا بشدة، وتجاوز حدود إدراكه بالكامل.
"كيف استطاعت تلك النسخة الضبابية من فانغ يوان الظهور في ساحة المعركة؟ وكيف له أن يعلم بشأنـي؟ وماذا عن ذلك الشيء الذي دمجه داخل قاعدتي الروحية ووصفه بأنه هدية؟!"
تنهد ببطء بينما ازدادت الفوضى داخل رأسه.
"لم يُعهد عن ذلك البراغماتي المجنون أن يبادر باللطف أو العطاء تجاه أحد، خاصةً إن كان ذلك الشخص سلاحًا يُعدّ من أجل قتله."
استمرت الأسئلة بالتدفق داخل عقله دون أن يصل إلى أي إجابة حقيقية، ولم يملك سوى بعض التكهنات البسيطة تجاه ما حدث اليوم.
"أولًا، هذه ليست نسخة مرتبطة بفانغ يوان المعاصر، والذي يقبع الآن داخل أرض 'هو المباركة' محاولًا هضم مكاسبه بعد نجاحه في تدمير مبنى اليانغ الحقيقي رقم 88."
"لذا، فهي بلا شك نسخة مستقبلية تحمل وعيه المستقبلي وإدراكه لكل ما حدث... حتى النقطة الأخيرة التي توقفت عندها الرواية."
أغمض عينيه قليلًا قبل أن يتابع تحليله.
"ثانيًا، مما يبدو من عدم مضيه في قتلي، فهو أراد إبقائي حيًا لغرضٍ ما، رغم حتمية تحولي إلى تهديد مستقبلي، وهذا يناقض طبيعته المعتادة في وأد أي خطر محتمل منذ بدايته."
"وأخيرًا... مما ذكره، فأنا لست الإجراء الوحيد الذي اتخذه الروح الطيفية من أجل القضاء على فانغ يوان."
اتسعت عينا وانغ تشين قليلًا.
"وإذا حملنا ذلك على محمل الصدق... فكم عدد المحاولات التي أجراها ذلك الموقر الطيفي لأجل هذا الغرض ؟"
تخيل وانغ تشين عددًا لا يُحصى من المحاولات الغريبة والفريدة التي أجراها الروح الطيفية للتخلص من فانغ يوان، بعد وصول الأحداث إلى نقطة زمنية محددة أو نتيجة معينة أرادها بنفسه.
وفوق ذلك...
فكونه مجرد محاولة من بين العديد من المحاولات جعله يشعر بضآلة خانقة، وكأنه أقل حتى من بيدق بسيط داخل رقعة أولئك الموقرين.
إذا فشل في مهمته، فسيتم التخلص منه ببساطة، بينما تستمر الخطط الأخرى في مكان ما من هذا العالم.
فكر وانغ تشين طويلًا.
عصف ذهنه بأقصى ما يستطيع، مستخدمًا كل ديدان الغو التي يمكنها مساعدته على استخراج أي قيمة من أفكاره المتشابكة.
وفي النهاية...
توصل إلى حقيقة واضحة.
"في نظر هؤلاء الأشخاص، أنا مجرد ذبابة... أقل حتى من أن أثير انتباههم."
خفض رأسه قليلًا.
" لكن ربما حتى الذبابة تستطيع العيش بأمان قرب فم النمر... طالما أن النمر لا يراها جديرة بالافتراس."
أحيانًا تنجو الحشرات الصغيرة لا لقوتها، بل لأن الوحوش العظيمة لا تكلف نفسها عناء الالتفات إليها
"على الأقل، ما قيمة ذبابة صغيرة حتى يستهدف النمر التهامها؟"
"لكن... إذا قررت هذه الذبابة أن تتحول إلى نسر، أو حاولت التميز والخروج عن المسار، فحينها سيضطر النمر إلى اتخاذ إجراءاته الكلية"
أخذ نفسًا عميقًا.
"لذا، لا بأس بعدم إثارة انتباههم... لكنني أيضًا لا أريد الاستمرار كذبابة."
"إذًا، فالتظاهر مؤقتاً هو الحل الوحيد للخروج من هذه المشكلة."
"وعلاوة على ذلك، مروراً بكل الأحداث التي سبقت تفجير المحكمة السماوية... لا يجب عليّ التدخل أبدًا لتحريف المسار."
"وإلا فسأجذب انتباه تلك الوحوش نحوي ."
"لذلك... يجب أن أسلك طريقًا آخر."
"طريقًا لا يعتمد فقط على استغلال المعرفة المستقبلية من أجل النمو."
من ناحية أخرى هو لم يغيب عن عقله ، اذا استمرت الأحداث في طابعها الرسمي فسوف يتمكن فانغ يوان من تدمير غو القدر لا محاله .
وبالأخذ في الإعتبار أنه شيطان من عالم ٱخر من النفس النوع ، فهو بالتأكيد سوف يستفيد تماماً كحال فانغ يوان ، لذلك لا يجب عليه التدخل ابداً من أجل تعديل المسار الرئيسي للرواية .
ساد الصمت داخل الغرفة مجددًا، بينما ظل وانغ تشين غارقًا في التفكير، محاولًا وضع ترتيباته للمستقبل.
على الجانب الآخر...
أمضى وانغ يوهان ليلته في رعب.
فبمجرد حصوله على اللقب المشؤوم "سيد شباب القرية"، بالإضافة إلى دودتي غو نادرتين من اختياره وبعض المكافآت الأخرى، سارع مهرولًا نحو منزله، ثم أغلق باب غرفته بإحكام وتوارى عن الأنظار.
صرّ أسنانه بغضب.
"اللعنة... ماذا حدث داخل ذلك الضباب بحق الجحيم؟!"
"كيف يمكن لصورة وهمية من مخاوف ذلك الفتى الوحش أن ترعبني بهذا الشكل؟!"
تنفس بقوة محاولًا تهدئة نفسه.
"ربما استخدم خدعة لعكس حركتي الوهمية وقلبها ضدي، بينما كنت مهملًا في دفاعاتي ولم أنتبه لما حدث."
كانت تلك هي الرؤية المنطقية التي حاول بها تفسير أحداث معركته الأخيرة مع وانغ تشين.
فبصفته ابن زعيم القرية ومن نسل مرموق، كان محاطًا بمختلف أنواع الدعم والموارد، لذلك لم يكن غريبًا أن تمنحه عائلته حركات قوية يستطيع بها قلب مجريات المعركة لصالحه.
تمتم في غضب:
"ذلك الوغد الحقير... لقد استغل ثراء عائلته جيدًا وهاجمني على غِرّة بينما كنت مهمِلًا."
ثم عبس فجأة.
"لكنني ما زلت لا أفهم لماذا ادعى الهزيمة وسمح لي بالتظاهر بالفوز؟"
ساد الصمت للحظة، ثم ابتسم بسخرية.
"هل أراد كسب ودي مستقبلًا؟"
"ههه... ربما ذلك اللعين لا يزال جبانًا كما كان دائمًا."
وهكذا، أقنع نفسه أخيرًا بذلك التفسير.
وعلى بعد يقارب 500 ميل من قرية عشيرة وانغ...
كانت موجات الوحوش تجتاح كل شيء في طريقها، ناشرة الدمار والدم واليأس.
آلاف مؤلفة من الذئاب ذوات القرون النجمية و ذئاب المعدن ، ونمور اللهب اللازوردي، وفصائل ثيران الأشواك، والجراد الأحمر السام، وغيرهم من الفصائل الأخرى ، انتشرت عبر الأراضي كإعصار لا يمكن إيقافه.
لم يكن أحد قادرًا على تخيل عدد الضحايا الذين سقطوا أمام ذلك المد الوحشي.
كانت الوحوش تعيث فسادًا في كل رقعة تمر بها، ولم تتمكن حتى عشرات العشائر الصغيرة المنتشرة في منطقة التل الأحمر من التصدي لذلك الخطر.
بل على العكس...
ومع توافر الدماء واللحم، استطاعت تلك الموجات الوحشية تأمين غذائها باستمرار، مما سمح لها بالنمو والتكاثر بصورة أكثر رعبًا، بينما واصلت تقدمها باتجاه قرية عشيرة وانغ.
لم يتبقَّ سوى عدة أيام قبل وصولها.
كانت القرية تمتلك أسوارًا متوسطة الارتفاع منذ البداية، ومع اقتراب المد الوحشي أُجريت المزيد من التعزيزات الدفاعية، لكن أحدًا لم يكن يعلم ما إذا كانت تلك التحصينات ستجدي نفعًا أمام تلك الفصائل المرعبة.
ومع اقتراب الخطر شيئًا فشيئًا...
وقف الزعيم وانغ لي بثبات فوق أعلى نقطة من سور القرية، متأملًا المساحات الخضراء الممتدة أمامه وكأنه يحاول اختراق الأفق بعينيه لمعرفة المكان الذي وصلت إليه موجات الوحوش.
كانت نظرته مليئة بالحزم والغضب المختلط بالحزن.
وكأنه كان على موعد مع عدو قديم.
فمنذ عدة سنوات، توفيت زوجته خلال اجتياح وحوش سابق للقرية.
وعلى الرغم من نجاحه حينها في حماية معظم السكان، فإنه لم يستطع الحفاظ عليها بجانبه.
رحلت ببساطة...
وتركت له ابنه الوحيد، وانغ تشين، كذكرى أخيرة منها.
ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن من نسيانها، ولم يفكر حتى بالزواج مجددًا.
والآن، ومع اقتراب هذه الموجة الوحشية الجديدة، أراد وانغ لي تفريغ كل غضبه تجاه تلك الوحوش.
ورغم أنها ليست نفس الوحوش التي قتلت حبيبته، إلا أن المشهد المتشابه كان كافيًا لإشعال نيران الغضب داخل قلبه.
اقترب الشيخ الأكبر وانغ فو منه، ثم تنهد قائلًا:
"هيييه... هل ما زلت غاضبًا بسبب ما حدث يومها؟"
ظل وانغ لي صامتًا.
ثم قال وانغ فو:
"أنا أيضًا لا أزال أشعر بالغضب مثلك."
"وعلى الرغم من اقتراب التهديد، فما زلت أرغب بإحراقهم جميعًا دون ترك واحد منهم حيًا."
ثم تابع مطمئنًا:
"لا تقلق يا بني، هذه المرة استعددنا جيدًا."
"لن يتكرر ما حدث في السابق."
أومأ وانغ لي بصمت، قبل أن يسأله وانغ فو فجأة:
"لكن أخبرني... ما رأيك بنتائج الصغير تشين في مسابقة اليوم؟"
وبمجرد سماعه لذلك السؤال، لم يستطع وانغ لي منع نفسه من الابتسام.
كأبٍ وزعيم كبير، كان يأمل دائمًا أن يرى ابنه قويًا بما يكفي لحمل إرثه مستقبلًا.
لكن الظروف التي مر بها وانغ تشين، وموت والدته المبكر، جعلته عاجزًا عن القسوة عليه.
ولهذا، تجاهل الكثير من تصرفاته الطائشة وغروره السيئ الناتج عن كونه ابن الزعيم، رغم افتقاره السابق للموهبة.
كل ذلك كان يحرجه في أعماقه، لكنه لم يستطع إجبار نفسه على التعامل معه بصرامة.
وفي النهاية...
ترك أمر تدريبه بالكامل للكبير فو.
لكن نتائج وانغ تشين اليوم كانت مدهشة بحق.
ورغم أنه لم يحقق الفوز النهائي، فإن أداءه واجتهاده كانا واضحين للجميع.
ولهذا...
شعر وانغ لي بالفخر لأول مرة منذ سنوات.
ابتسم قائلًا:
"أنا سعيد حقًا."
"لم أتوقع يومًا أن يخرج شيء جيد من ذلك الولد سيئ السلوك."
ثم نظر نحو وانغ فو باحترام.
"حقًا يا والدي... أنا ممتن لك كثيرًا."
"كل هذا يعود بالتأكيد إلى تعليمك له."
ضحك وانغ فو بخفة .
"هوهوهو... وكيف لا أفعل ذلك من أجل حفيدي الوحيد؟"
"كرجل عجوز جيد، فمن واجبي بالطبع رعايته."
ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
"أعتقد أن الوقت قد حان لمنحه بعض المكافآت المناسبة بعد نتائج اليوم."
أومأ وانغ لي مباشرة.
"أجل، إنه يستحق ذلك."
ثم سأل وانغ فو فجأة:
"كم تبقى على وصول الموجة؟"
أجاب وانغ لي بهدوء و عيون حادتين :
"لم يتبقَّ الكثير... يومان أو يومان ونصف على الأكثر قبل وصولها إلى أسوار القرية."
ثم ضيق عينيه قليلًا.
"أخبر وانغ تشين أنه ابتداءً من صباح الغد، عليه الحضور لاستلام مهمته."
"لقد حان الوقت ليتعلم كيف يكون ابنًا حقيقيًا لزعيم القرية."
وبعدها...
غرق الاثنان في الصمت مجددًا، بينما كانت الرياح الباردة تعصف فوق أسوار القرية، حاملة معها رائحة الدم القادمة من بعيد.