بعينين مرتعدتين، لم يستطع وانغ تشين إلا أن يجثو على ركبتيه من الخوف، حين بدأ كيان غريب بالتشكل أمام ناظريه وسط ساحة المعركة.
شعر بطاقة موت كثيفة امتزجت مع الضباب الأسود الذي أطلقه وانغ يوهان، وازدادت ضربات قلبه بعنف وهو يحاول استيعاب المشهد أمامه.
لم يكن ذلك بأي حال مجرد وهم بسيط ناتج عن حركة غو بدائية من خصمه المراهق.
في الخارج، عجز المشاهدون عن إدراك ما يجري داخل الضباب، بينما في الداخل، ساد جو كئيب ثقيل مع ظهور الكيان الغامض، الشبيه بظل ملعون، الذي وقف ثابتًا في مكانه كوتد، على مسافة متعادلة بين الطرفين.
جثا وانغ تشين وهو يلهث بصعوبة، بينما كان وانغ يوهان يراقب محيطه الوهمي، باحثًا عن فرصة للانقضاض.
في البداية، توقع وانغ يوهان مقاومة ولو بسيطة من خصمه، لذا كان مستعدًا لكافة الاحتمالات. كأحد أبرز عباقرة جيل الشباب، امتلك موهبة استثنائية في مسار الوهم، ولم يكن يفتقر إلى ديدان غو قوية.
كمقاتل مخضرم، كان يمتلك ترسانة متكاملة من الوسائل الهجومية والدفاعية، إضافة إلى قدرته على استنزاف عقل الخصم.
ورغم مظهره المتغطرس، إلا أن حذره كان في أقصى درجاته ، وكان الشعور بالتردد نتيجة ما أظهره وانغ تشين من براعة وقوة في كل معاركه السابقة شيئاً لا يمكن إنكاره .
لكن لرؤيته جاثيًا هكذا بعد أول هجوم وهمي، جعلته يظن أنه فقد إرادته تمامًا.
ابتسم بسخرية: "هه، القمامة تظل قمامة. توقعت منك بعض المقاومة… لكنك خيّبت ظني مجددًا."
تقدم للأمام، عازمًا على إنهاء المعركة و إستنزاف بعض الأسرار في الظل ، بينما مر بجانب الكيان الوهمي الذي شكّله عبر غو الكابوس المر، والذي استخرج أعمق مخاوف وانغ تشين.
ظهر الكيان كرجل طويل، بشعر أسود كالليل يتدلى على جانبي رأسه، وعيون مظلمة كهاوية بلا قعر.
سخر وانغ يوهان: "همم… هذا كابوسك؟ مجرد رجل مجهول؟ كم هو مثير للشفقة. استعد للعقاب… أو أمتعني ببعض المعلومات."
لكن في اللحظة التي مر فيها بمحاذاة الكيان، التفت إليه… وتجمد.
قشعريرة باردة صعدت على طول عموده الفقري.
الكيان… نظر إليه.
ثم رفع يده.
وبإشارة بسيطة—انتُزعت روح وانغ يوهان من جسده، ووضعت بجانبه.
"انتظر هنا فقط." وتحرك دون أن يعيره أي إهتمام
لو كان يمكن وصف شعوره، فلن يتجاوز كلمتين: رعب مطلق.
ما كان يفترض أن يكون مجرد وهم… لم يكن وهمًا.
كان كيانًا حقيقيًا.
"من… تكون؟!"
صرخة لم تخرج من فمه، لكنها مزقت روحه.
في تلك اللحظة، لم يعد يتمنى سوى النجاة.
"دعني أعيش… أرجوك…" صرخ في روحه ولم يستطع إلا أن يفقد الوعي .
تحرك الكيان ببطء حتى وصل إلى وانغ تشين، ثم أخرج روحه هو الآخر، وحدق فيها بعمق.
شعر وانغ تشين كطفل عارٍ أمام نظرة لا ترحم. عيون سوداء خاوية اخترقته بالكامل.
بعد لحظات، رفع الكيان روحه، ممسكًا بها من عنقها، وابتسم ببرود: "طفل من عالم الأرض… لا يمكن قراءة ما بداخلك، لكنك تبدو كحيلة رخيصة من الروح الطيفية."
توقف قليلًا، ثم تابع بنفس الإبتسامة : "وكما كل محاولاته… ستفشل."
في تلك اللحظة، أدرك وانغ تشين الحقيقة.
هذا… هو فانغ يوان.
لكن ليس كما عرفه.
لم يكن الرعب هو ما جعله يجثو… بل شعور مطلق بالاستسلام.
كما لو أنه أمام حاكم يتجاوز حدود الفهم.
حتى هالة الروح الطيفية بدت تافهة مقارنة به.
ارتجف داخليًا، ثم قال بصعوبة: "إن سمح لي الموقر العظيم صاقل السماء… كم مرة حاولت الروح الطيفية مواجهتك؟"
ابتسم فانغ يوان ابتسامة خفيفة: "أكثر مما يمكنك عده."
ثم أضاف: "حتى وإن كان جسدي الحقيقي خارج الزمان والمكان… هو لا يزال يسبب لي بعض الإزعاج."
تردد وانغ تشين، ثم سأل: "فلماذا لا تدمره نهائيًا؟"
ضحك فانغ يوان بسخرية: "القول أسهل من الفعل. من بلغ ذروة القوة الروحية… لا يُقتل بسهولة. لكن ومع ذلك يمكن ختمه… بشروط."
ارتجف عقل وانغ تشين: "مرتبة عاشرة…؟!"
لوّح فانغ يوان بيده، فعادت روحه إلى جسده.
"وانغ تشين ، أنا لست هنا لقتلك. في الواقع… لا أستطيع حتى لو أردت."
ثم تابع: "ما جذبني هو ذلك الأثر الكوني داخل روحك. لقد اختارك الكون المتعدد لتكون حامل رايته."
سكت لحظة، ثم قال: " لسنا أعداء ، في المستقبل القادم . عندما ينتهي عصر الأحلام من الأفضل أن نتحالف سوياً"
ظهرت شعلة زرقاء متوهجة في يده، ودفعها نحو صدر وانغ تشين.
"إعتبرها كهدية لقائنا الأول ، ستفيدك في زراعتك القادمة… وستنقي روحك من أي تأثيرات."
ثم تلاشى صوته: "في الوقت الحالي ازدد قوة… حتى نلتقي مجددًا ."
بعد استقرار الشعلة الزرقاء داخل روحه اختفى أثر فانغ يوان تماماً
و عاد وعي وانغ تشين ببطء.
أمام عينيه، كان وانغ يوهان ملقى كجثة.
تنهد ببطء : "ليس هذا وقت التفكير…"
اقترب منه وضرب صدره ليوقظه.
انتفض وانغ يوهان مرعوبًا: " أنت .. ماذا فعلت بي؟!"
اقترب وانغ تشين ببرود: "استمع جيدًا… ستتظاهر بأنك الفائز."
ثم أكمل ببرود قاتل: "وإلا… سأستخدم روحك للزراعة."
ارتعد وانغ يوهان: "مفهوم… سيدي."
ابتسم وانغ تشين: " جيد .. تعرف مكانك."
ثم أحدث بعض الجروح بنفسه، واستلقى على الأرض.
أزال وانغ يوهان الضباب، وظهرت النتيجة.
هتافات.
إعجاب.
إعلان الفوز.
لكن داخله… لم يكن سوى خوف.
أما وانغ تشين، فوقف لاحقًا أمام والده، وقال: "أعتذر عن تقصيري."
ساد الصمت…
ثم تحول إلى احترام.
ابتسم والده: "أنا راضٍ."
انحنى وانغ تشين: "سأصبح أقوى."
انتهى اليوم بالاحتفالات…
لكن في الليل—
كان هناك شخصان فقط لم يعرفا الراحة.
وانغ تشين…
ووانغ يوهان.
كلاهما…
يفكر في ما حدث داخل الضباب.