الجو المشمس و زرقة السماء الصافية، زقزقة العصافير وحفيف أوراق الشجر، كان ليكون منظرا عاديا لولا الخيام المنتشرة في السهل قرب الغابة .
يمكنك بسهولة أن تسمع صوت حوافر الأحصنة و احتكاك السيوف ببعضها، في مركز المعسكر كان حشد صغير من المقاتلين يحيط بحلبة مصغرة للقتال، في حين كانت مجموعة أصغر و سط الحلبة وعلى ما يبدو فهُم في خِضم القتل، ضمنهم تميز شاب ذو شعر كستنائي اشتعلت عيناه الخضراوان بالحماس و هو يلوح بسيفه بمهارة وخفة، كان يواجه لوحده مجموعة من سِتِّ مقاتلين .
بدا واضحا أنه لا يهدف لهزيمتهم فمن حركاته السريعة الإنسيابية من السهل أن تستنتج أن قوته و مهارته أعلى منهم بمراحل .
هتف أحد الستة " قوي كعادتك أيها أيها العريف ليو ! "
" أنا قوي لكن مهاراتكم أصبحت صدئة أيضا " قال ليو بملامح مازحة .
" ليست أصدأ من حسك الفكاهي " قال صوت أنثوي ببرود جلي .
" شكرا قطعة الثلج كورومي " قال بسخرية .
توقف جميع المقاتلين و أظهروا احترامهم لتلك الشابة، بدت خلابة مع بشرة بيضاء كاليشم وعينين بزرقة اللازورد مع شعر أسود الطويل منسدل على كتفيها بإهمال، كانت ساحرة حتى مع نظراتها الباردة، ورغم مظهرها كانت تملك هالة قوية حولها حتى مع صغر سنها، و في عالم يُقَدَّسُ فيه القوي، فهي كانت تحظى بإحترام الجميع حولها .
استقرت نظراتها على ليو ثم واصلت كلامها بإيجاز " القائد طلبك " .
أنهت كلامها و غادرت على الفور، همس أحد المقاتلين المتفرجين و كان من الواضح أنه جديد في المعسكر " من هي تلك الجميلة ؟ ".
رد عليه آخر بسرعة " راقب ما تقوله بحذر، إنها نائبة القائد رغم أنها في السابعة عشر من عمرها إلا أن قوتها تقارب قوته " .
ارتجف قائلا " مخيف " .
_______________________
في مكان آخر ليس ببعيد عن حلبة القتال تفرَّدت خيمة عن البقية بحجمها الكبير و الحارسين على مدخلها، و مع وجودها في المركز فلا شك إذن أنها تعود للقائد .
أحنى كلا الحارسين رأسيهما بينما يسمحان لكورومي و ليو بالدخول .
كان الجو داخل الخيمة مختلفا عن الخارج و يوحي بالجدية، و لم يكن فيها غيره كان إذ وقف أمام مكتبه مستدبرا الزائرين .
تغيرت ملامح ليو لتساير الجو المحيط ثم قال " طلبتني سيدريك ".
استدار ليواجههما، وجه وسيم، بشرة بيضاء، شعر اسود وعينان أشد سوادا تخترقانك بنظرتيهما .
قال سيدريك بصوت جهوري " سنقوم بشن غارة جديدة " .
أصبح ليو أشد حماسا و هو يقول " أخيرا سنعود للقتال، اشتقت لساحة المعركة "
ردت عليه " على الأقل إتفقنا في شئ "
__________________
بالعودة للحاضر ..
تقدم سيدريك إلى مكتبه و سحب مجموعة من الأوراق ثم جلس و البقية في طاولة كبيرة في مركز الخيمة .
" حسب المعلومات هناك قافلة من أربع عربات نقل الموارد إلى إحدى القلاع القريبة التي يتمركز بها المتحولون و تحديدا قلعة اللورد داريوس "
" ذلك الوغد المجنون ؟ ، سأحطم جمجمته في المرة القادمة التي أراه فيها " قال ليو بحنق.
ردت عليه كورومي " قد يكون وغدا مجنونا لكنه قوي للغاية، أدرك أنك غاضب بسبب المجازر التي ارتكبها " ترددت للحظة ثم واصلت كلامها " الإعدام بالخازوق، طريقة بشعة للموت لكن ما باليد حيلة علينا أن لا نتهور" .
أيد سيدريك كلامها قائلا " معكِ حق كما أننا إن استولينا على إمداداته سيضعف كثيرا و بالتالي يمكننا القضاء عليه " .
هز ليو رأسه بخضوع موافقا، فأكمل سيدريك كلامه " طبيعة الموارد أساسا مؤن من الطعام و مجموعة من الأسلحة والأدوية و إن كنا محظوظين فقد نجد بعض الأكاسير، في ما يتعلق بالحراسة يرافق القافلة ثلاثون محاربا و خمسة عشر رامي سهام وخمسة سحرة من المستوى الضعيف، تعلمان أن معظم القوات خارجا تنفذ مهام أخرى و هذا يدعنا مع خمس عشرة محاربا و خمس رماة "
" الأعداد قليلة، لكنه قرار جيد أن لا تضم المجندين الجدد فهم يفتقرون للخبرة والمهارة لمثل هذه المهمة " تحدث ليو .
أومأ سيدريك على كلامه ثم واصل "نحن نملك عنصر المفاجأة و هذه نقطة لصالحنا كما أن لا أحد من الأعداء من سلالة نقية لذا سنكون بخير " .
تساءلت كورومي " ألم يكن ألين عائدا هذا المساء ؟ " .
" كارين واجهت بعض المشاكل في مهمتها لذا ذهب لمساعدتها، تعلمين أنها مغناطيس مشاكل " أجابها ليو .
" هذا الوصف الدقيق يذكرني بأحدهم " قالت بنبرة سخرية طفيفة .
" على الأقل لست قطعة جليد "
بعد ثلاث ساعات من وضع الخطط و استراتيجيات الهجوم انتهى الثلاثة أخيرا .
تنهد ليو قائلا وهو يمد ذراعيه " إذن الهجوم بعد يومين، سأهتم أنا و كورومي بتحضير الجنود، و أنت جهز نفسك فقط، سمعت أن سيفك قد انكسر، استغل هذين اليومين في الحصول على طقم جديد، أما أنا فأخيرا سأتمكن من تجربة بعض مهارات السيف التي تعلمتها "
قاطعته كورومي و هي تحك ذقنها " مع ذلك، أنا أشعر أن هناك شيئا خاطئا، سيدريك يراودني شعور سيء بشأن هذه المهمة "
" لن أكذب، فأنا أيضا يراودني ذات الإحساس، لكن ما باليد حيلة المؤونة والأسلحة على وشك النفاذ، سيكون علينا خوض هاته المخاطرة " قال ردا عليها .
" حسنا إن كان هذا قرارك النهائي " .
تفرق الثلاثة وبدؤوا بالتحضير، خلال هذين اليومين شهد المعسكر نشاطا غير مسبوق، بالرغم من أن القوات المشاركة كانت صغيرة نسبيا إلا أنهم كانوا من نخبة المقاتلين مع مهارات عالية في القتال و الاغتيال .
__________________
ساعات فقط تفصل عن موعد الهجوم، لا يزال الوقت مبكرا للانطلاق، و بسبب انشغالها في تجهيز الجنود لم تتمكن كورومي من تحضير عتادها مبكرا، لكنها الآن تملك بعض الوقت لنفسها .
خيمتها تقع في مكان بعيد قليلا عن مركز المعسكر نظرا لكونها تفضل الهدوء بعيدا عن الصخب الذي يسببه المقاتلون كل يوم، كما أنها كانت صغيرة نسبيا مع سرير بسيط، طاولة أرض صغيرة و مكتب في ذات الآن، ثم صندوق متوسط الحجم تضع فيه الأسلحة و الملابس .
امتلكت كورومي سَيفَي كاتانا كان يبدو على أحدهما القوة و الصلابة في حين كان الثاني ذا غمد مهترئ، حتى نصل السيف كان صدئا و متصدعا، وبتعبير أوضح كان قمامة.
لماذا كانت كورومي تحتفظ بسيفٍ عديم الفائدة ؟ .
ببساطة لأنه كان شيئا ورثته من والدها، هو سيف انتقل لأجيال في عائلتها، لم يكن هذا سببا رئيسا احتفاظها به بل لأنه ذكرها بوفاة عائلتها، كان السيف دوماً يذكرها بهدفها حتى في أشد حالاتها ضعفا و على الرغم من كونه بهذا القدم، إلا أنه قد أنقذها عدة مرات فقد اكتشفت و على غير المتوقع أنه أصلب مما يبدو عليه، قد يكون بدون فائدة في الهجوم لكنه مثالي لتلقي الضربات .
أعادت ربط شعرها الطويل بعد أن كان منسدلا و ارتدت ملابس سوداء تماما، علقت السيفين على خصرها و جهزت بعض الخناجر الصغيرة ثم لفت رداء حولها، الرداء كان مميزا بذلك الشعار المرسوم على ظهره، شعار الجماعة، عنقاء تحترق وسط لهيب الثأر ، مع نظرة يملؤها العزم خرجت من الخيمة لتنضم للبقية .
__________________
و حانت اللحظة ! ..
خيم الليل و أضاءت النجوم السماء كقناديل في الظلمة في حين سيطر القمر على صدر السماء، تماما كهدوء ما قبل العاصفة ليلة جميلة كهذه من السهل أن تتحول إلى أخرى دامية في مثل هذا العالم القاسي .
كسر صوت همسٍ رخيم هدوء الليل " من المفترض أن تمر القافلة من طريق الغابة بعد عشر دقائق من الآن "
" جيد .. فلتعودي الآن لموقعك " أجابها سيدريك .
تمركز الرماة بقيادة سيدريك فوق فروع الأشجار الضخمة على مسافة خمسين مترا من الطريق الترابي في حين كان المقاتلون بقيادة ليو و كورومي أقرب بثلاثين مترا ( أي أن المسافة بينهم و بين الطريق عشرون مترا ) .
عادت كورومي إلى موقعها، و خلافا لصوت حفيف أوراق الأشجار و نعيب البوم ( صوت البوم ) كان الجو هادئا للغاية، فقد أخفى الجميع حضورهم و هالاتهم .
لم يمر وقت طويل حتى سُمع صوت صرير عجلات العربات و خطوات الأقدام المتلاحقة، أصبح العدو في مرمى النظر، كان على مقاتلي العنقاء الالتزام بالحذر فحواس المتحولين و إدراكهم قد تجاوز البشر بكثير، حركة خاطئة و يحكم على مهمتهم بالفشل .
فجأة، انطلق سهم بسرعة البرق مع ضوء أحمر يغلفه و اخترق جمجمة أحد السحرة، كان سهمَ سيدريك و كان أيضا إشارة بدء الهجوم، و قبل أن يدرك البقية ما حدث تم قتل أربع سحرة لسوء الحظ الخامس نجا من الهجوم ليس لضعف الرماة بل لأن الساحر كان أقوى من المتوقع، فقط حينها انطلقت كورومي كالسهم نحوه متجاهلة تأنيب ليو، صرَّ هذا الأخير أسنانه و هتف " سحقا ستقطف كل أعناقي، فلتهاجموا جميعا " ، قفز هو والبقية ليهجم على الأعداء برفقة سيدريك بينما غير الرماة أماكنهم و استأنفوا الهجوم على الأعداء .
هجوم كورومي السريع على الساحر لم يكن نابعا عن طيش أو جهل بالمخاطر بل لأن السحرة يشكلون خطرا كبيرا و يهددون نجاح العملية لقوتهم الكبيرة و سحرهم المتنوع .
فقط حين كادت كورومي تشطره نصفين شعرت بقدوم هجوم من الجانب فقفزت بسرعة للوراء .
" اللعنة ! إنه محيي موتى " خاطبت نفسها .
الشخص، أو بالأحرى الشئ الذي هاجمها كان جثة أحد السحرة الميتين و لم تكن منفردة فجثث الأربعة أصبحت تهاجم بعشوائية كالوحوش الضارية .
على الرغم من تفاجئها إلا أنها استعادت هدوءها في اللحظة التالية و بسرعة خاطفة سحبت خناجرها و قوَّتها بسحر التعزيز، باستخدامها قضت على ثلاثة من الجثث، و مع نظرة حادة اكتست وجهها شطرت النصف العلوي من الجثة الرابعة و قبل أن يدرك محيي الموتى ما جرى كان رأسه ممرغا في تراب الأرض .
" مدهش، بالكاد استطعت رؤية هجومها " قال أحد المقاتلين.
من جهة أخرى كان ليو و بتعبير مخيف يلعق الدماء على وجهه .
" أنت التالي " وجه كلامه لأحد المتحولين .
يداه ارتعشتا و هما تحملان السيف، بالتفكير أنه سيشعر بكل هذا الرعب بسبب كلمتين و الأكثر من هذا أن من أمامه بشري، هاجم العدو بتهور ليو في محاولة لتكذيب الواقع، ليصدر عنه أنين مكتوم، توجه نظره للأسفل ليقع على الفتحة في صدره، غادر روحه ثم سقط في بركة من دمه .
" توقع كل شئ من بشري يحمل حقدا في قلبه " .
رغم أن شخصية ليو مرحة عادة و مستهترة إلا أنه يتحول في المعارك إلى سفاح بمعنى الكلمة .
من جهة أخرى ..
بإستخدام سيفين في الهجوم امتلك سيدريك أفضلية بالرغم من محاصرته من قبل ثلاث خصوم، راوغ الهجمات بخفة و مكر ثم مر بالسيف على أعناقهم، صرخت حواسه فجأة محذرة إياه من خطر قادم غير أن ظلا أسود وقف بينه و بين السهم الذي وجه نحوه .
باستخدامها للسيف المهترئ تصدت كورومي للهجوم ثم أنبت سيدريك " كن أكثر حذرا فأعداؤنا شديدوا المكر"
رد عليها " ليس و أنتِ تحمين ظهري " .
ثلاث دقائق فقط مرت على بداية الهجوم و قد قضي بالفعل على نصف المتحولين بالرغم من وجود إصابات في جانب سيدريك إلا أنه لا وجود لخسائر في الأرواح بفضل خطة الهجوم المحكمة .
" هذه الجماعةة اللعينة .. الشائعات كانت محقة " تذمر أحد المتحولين، ثم نطق آخر " انسحبوا بسرعة ! " .
برؤية الوضع الراهن و مع بقاء ست متحولين فقط لم يكن لديهم خيار سوى الهرب، مع قوة و سرعة خيول الليل التي تجر العربات انطلقوا بسرعة محاولين الهروب من الغابة نحو سهل مفتوح .
" من يستطيع منكم القتال فليتبعني " صرخ سيدريك في جنوده ثم أطلق صفيرا متقطعا، ليو و كورومي و خمس آخرون فعلوا المثل، لحظات و ظهرت من جوف الغابة مجموعة من الأحصنة فامتطى كلٌّ جواده .
________________
" آه .. أخيرا بعض الراحة يبدو أننا ابتعدنا عنهم كثيرا " أطلق أحد الهاربين تنهيدة عميقة .
" مع ذلك لا تخفض حذرك " رد عليه آخر .
مع انتهاء الليلة ظهرت خيوط شمس الشروق في السماء لتحيك صباح يوم جديد، انتشر النور و تلاشى الظلام .
كاد المتحول السابق يبلع ريقه لكنه توقف فجأة في حلقه، شعر أن قلبه بين مخالب مَلَكِ الموت، نية القتل هذه ارعبته حتى النخاع، ارتعدت أوصاله و تبددت أحشاؤه و غرق في العرق البارد .
و اخترق السهم قلبه ..
تفاجأ رفيقه بجانبه و استدار ليواجه القاتل، كان آخر ما رآه عينان تتلألآن بزرقة اللازورد .
أخفضت كورومي القوس و أبطأت من سرعتها، مع تشتيتها لانتباه العدو حاصر حلفائها الهاربين ما اضطرهم للتوقف و بهذا حفروا قبورهم بأيديهم .
___________________
" تصويب جيد .. مهارتكِ تطورت بشكل مخيف أشعر بالغيرة " قال ليو مادحا إياها " فقط توقف عن عن التصرف كالأبله في الأنحاء و ابذل بعض الجهد " ردت باختصار .
" هذه الفتاة.. " قال بتذمر .
" لدي شعور سئ، لماذا هرب هؤلاء الاوغاد نحو سهل محاط بالجبال إن كانوا ينوون الفرار منا " نطق سيدريك أخيرا .
تغيرت ملامح كورومي إلى الصدمة تدريجيا و قفزت بسرعة إلى إحدى العربات، حطمت بركلة أحد الصناديق داخلها، لا وجود لأي أسلحة أو مؤن، الصناديق كانت مملوءة بالصخور .
" إنه فخ فلتهربوا جميعا " صرخت لتحذر رفاقها .
تجمدت ملامحهم و توقفوا في مكانهم، خرجت كورومي من العربة و استدارت لترى ما الذي صدمهم هكذا .
استقر نظرها على شعاع أزرق متوجه بسرعة نحوهم، لا مفر لتجنبه، لم تواجه كورومي و لا غيرها هجوما سحريا بهذه القوة من قبل، أولائك الملاعين ينوون قتل أقوى ثلاثة في العصبة و على الأرجح ألين كذلك لولا أنه لم يعد بعد .
كورومي سيدريك و ليو موتهم يعني فناء عصبة العنقاء و تدمير أقوى أمل للقضاء على الإحتلال .
ضغطت كورومي بشدة على ذراعها و فكرت، هل ستكون نهايتي هنا ؟ بعد كل ما واجهته من صعاب و كل وعودي بالإنتقام .. أستتبخر بهذه السهولة ؟