4 - الفصل الثالث : دمي، دموعي و عرقي !

هذه نهايتي، أشعر بالفعل أنني أغرق في بئر عميق حالك السواد، لكم هو مؤلم أن أكتشف من خلال ذاتي هذا الشعور بالضياع، عشت آخر عشر سنوات في دوامة لا تنتهي، سرقت مني الحياة أحلامي العذراء، و القدر الغادر، بعد أن قدم لي جرعة الأمل انقلبت ضدي في لحظة و صارت كالسم .


هل يا ترى سأستمر في سقوطي الأزلي ؟


لا، لن أستسلم بهذه السهولة، لا رجعة عن الطريق الذي اخترته سواء شئت أم أبيت لن اتوقف حتى أحرق أعدائي بنار الجحيم .


___________


شعرت بعينين قرمزيتين ضخمتين تحدقان فيَّ و صوت حاد يكاد يثقب طبلة أذني، بشكل غريزي حجبت أذناي عن الصوت بيدي و تعبير من الألم على محياي، لم يخِفَّ الصوت ولو قليلا، بل صرت الآن أشعر أنه يأتي من باطن عقلي .


《 لقد ألقى الظلام بردائه على الأرض، دماء التنين ستغلي و تستيقظ من جديد، الميثاق القديم سيعاد تجديده، و حين يلتقي التسعة من جديد، سيتغير المصير 》


توقف الصوت و أفلتُّ يدي، ثم اعتدلت بجسدي، نطق الصوت مجددا غير أنه هذه المرة مختلف عن السابق، كان جهوريا أما السابق فقد كان حادا و قويا كالسيف .


" تبحثين عن القوة من أجل الإنتقام، إلى أي حد أنت يائسة ؟ "


خالجني شعور أن هذه فرصتي الأخيرة إما الآن أو أبدا، شددت على قبضتي و قد اشتعلت عيناي بعزيمة وإصرار منقطع النظير ثم قلت " دمي، دموعي و عرقي، جسدي بأسره و روحي، خذه كله "


خيم الصمت لبرهة وشعرت بطيف إبتسامة أحدهم، فجأة سرت رعشة في اوصالي، انقبض جسدي من الالم، و شعرت بالدم يغلي في عروقي و صداع كالزلزال في رأسي، ثم إحساس بالحرق في ظهري كأن أحدا ما يقوم بِكَيِّه، أصدرت أنينا مكتوما و آهات ضعيفة متقطعة، تحملت العذاب دون صراخ .


ثم سرى فِيَّ فجأة تدفق هائل من القوة كإنفجار بركان دام لدقيقة أو اثنتين ثم توقف، و مع توقفه اختفت تلك القوة التي جاءت من العدم و شعرت كأن جسدي أصبح جافا، لم استطع التحرك قيد أنملة .


أغلقت عيني، ثم فتحتهما، تراءى لي منظر ضبابي، ظلان مباشرة أمامي و صوت متقطع و مشوش " بسرعة .. المعسكر .. حرجة .. إنعاش .. الطبيب .. " ثم غرق كل شيء في السواد …


____________________


على سرير أبيض بسيط استقر جسدها، كانت تستغرق في نوم عميق و بالمقارنة مع الليلة الدموية منذ أسبوع بدت ملامحها بريئة و ناعمة وكأنها لم تكن ذات الفتاة التي قطعت أعناق أولئك المتحولين .


كانت كورومي تستلقي وسط غرفة بجدران وسقف خشبي و نافذة صغيرة، مع رفوف معلقة على الجدران مليئة بالأعشاب الطبية والضمادات و بعض الأدوات الطبية، في ما بدا كالعيادة المصغرة .


فُتِحَ الباب الخشبي و دخل شاب طويل، و إن تأملت ملامحه جيدا فستجد ملامح طفيفة من الإرهاق، تناول كرسيا من الجانب و وضعه قرب السرير ثم سمح لجسده بالجلوس و اخذ قسط من الراحة، أمسك بلطف يد كورومي البيضاء و احتضنها بخاصتيه، أطلق تنهيدة عميقة ثم قال مع نبرة تحمل في طياتها مسحة من الحزن .


" متى ستُفيقين و تتوقفين عن جعلي أقلق هكذا "


أغلق عينيه بقوة ثم أفلت يدها ثم وقف مغادرا يجر أذيال الخيبة، لكنه توقف إثر سماعه لآهة ألم .


استدار بسرعة نحو السرير من جديد فوجد كورومي و هي تحاول التحرك، قالت بصوت ضعيف " سيدريك ؟ " .



"استيقظتِ أخيرا " قال بإبتسامة .



" منذ متى و أنا على هذه الحال ؟ " تساءلت .


" أسبوع "


حاولت النهوض من السرير غير أن قواها خانتها، أسرع سيدريك نحوها ليساعدها " لا يزال النهوض مبكرا، دعيني أعنكِ على الجلوس فجسدك بالكاد يملك أي طاقة "


" رأسي يؤلمني، ما الذي حدث لي ؟ "


" أنا من يجب عليه طرح هذا السؤال، أحقا لا تذكرين ؟ "


" ذهني مشوش، آخر ما أذكره أننا وقعنا في .. " فتحت مقلتيها من الصدمة وقالت " الجميع .."


قاطعها مطمئنا " الجميع بخير لا تقلقي"


أمسكت رأسها بين كفيها و هي تقول " فقط ما الذي حدث بحق الجحيم كل ما أذكره أنني غرقت في ظلمة حالكة " .


" سأحكي لكِ ماحدث لكن دعيني أنادي الطبيب أولا، لا تزالين ضعيفة يجب أن نرى كيف هو وضعك الحالي "


أومأت موافقة على كلامه .


عاد سيدريك بعد برهة، تبعه شخص آخر بدا في أواخر العشرينيات، بشعر بندقي و أعين رمادية و نظارات طبية .



تحدث بصوت أقرب إلى الرسمية التي توحي بها ملابسه " استيقظتِ أبكر مما توقعت، كنتِ على حافة الهاوية، يسعدني أنكِ بخير الآن، دعيني أفحصك "


أمسك الطبيب معصمها ثم بدأ يتفقد تدفق الطاقة في جسدها .


" إروين، كيف هي ؟ " سأل سيدريك .


" لا تزال ضعيفة، لقد استنزفت طاقتها تماما سيستغرق بعض الوقت لاستعادة نشاطها لكن كل مؤشراتها الحيوية جيدة و هذه الحادثة لن تؤثر عليها تدريبها مستقبلا، سأصنع لها بعض حبوب استرجاع الطاقة لكن لا حركة لمدة يومين، أنا أحذرك " قال مشددا على آخر جملة .


" حسنا، سأحاول " ردت بخضوع .


استدار إروين مغادرا وهو يتحدث " سأترككم الآن، سأذهب لأطمئن ليو و سأمنعه من ازعاجك، لاحقا سأرسل الممرضة جيهو لتفقدك "


أغلق الباب وراءه لتسأل كورومي أخيرا " فلتخبرني الآن بما حدث " .

___________________


سابقا ..


تجمدت ملامح الجميع، بالتفكير بأن المتحولين قاموا باستدراجهم نحو فخ محكم كهذا، هم محاصرون الآن وسط الجبال و حتى لو حاولوا الهرب فقد فات أوان لذلك، تلك الدائرة السحرية في السماء، لا شك أنها بقوة خمسين ساحرا على الأقل، لصنع هجوم بهذه القوة .


عض سيدريك على شفتيه، قراراته هي التي وضعتهم في موقف كهذا و الجميع هنا سيدفع ثمن خطئه، وفي خضم صراعه الداخلي، استشعر فجأة هالة غريبة من ورائه فالتفت بسرعة، تفاجأ لأنها كانت كورومي، بدت غريبة للغاية، لم يظهر شئ من ملامح وجهها فقد حجبها شعرها .


موجة من الطاقة صدرت عنها، ما تسبب في دفع الجميع لبضعة أمتار، شعر الجميع بتزايد هالة الطاقة الصادرة منها على نحو صادم، التفت حولها دوامة من الرياح رفعتها نحو الأعلى لعشرة أمتار، مدت ذراعها امام وجهها مع اقتراب الهجوم أكثر نحوها ..


صرخ سيدريك " كورومي ! "


ثم رأى الجميع شيئا لم يخطر على بالهم قط، أوقفت كورومي الشعاع دون أدنى جهد و دون أن تهتز، بدا و كأن الهجوم اصطدم بدرع أو جدار منيع، استمر الوضع لثواني ثم بدأت الدائرة السحرية تضعف وتتلاشى، يبدو أنهم استهلكوا كل قوتهم .


ولم تكد جماعة العنقاء تبتلع صدمتها حتى فوجئت بصدمة ثانية أقوى !


لم تخفض كورومي ذراعها بعد توقف الهجوم بل أنها هذه المرة أطلقت هجومها الخاص غير أنه كان وعلى عكس الأول، ذا لون قرمزي و بدا أكثف و أقوى من سابقه، و قد سعت كورومي كذلك لاستهداف النقطة التي جاء منها هجوم العدو بالضبط، كما لم تتوقف إلى أن اختفى الجبل من أمامهم كما لم يوجد قط، و كل هذا دام لدقيقتين فقط .


وسط اندهاشهم، اختفى الحضور القوي لكورومي و توقفت توقفا مفاجئا، لم يعد شئ يحملها فسقطت من أعلى، التقطها ليو في آخر لحظة، أسرع إليهما سيدريك و بدأ يتفقدها .


" اللعنة، لا أشعر بأي نبض و لا أي طاقة "


حاول تهدئة نفسه ليكون دقيقا، نظم تنفسه ثم عاد ليستشعر مجددا .

همس لنفسه " أرجوكِ لا تذهبي، فقط ضوء صغير "


أرهف حواسه أكثر وأكثر الى أن شعر بها .


فتح عينيه فجأة و قال" إنها حية ! " .


بدا و كأنها فتحت عينيها لبرهة بينما يحيط بها سيدريك و ليو .


أعلن هذا الأخير " بسرعة فلنعد للمعسكر حالتها حرجة، سيدريك قم بنقل البعض من طاقتك إليها في الطريق أنا سأذهب قبلكم وأعلم الطبيب "


***********************

عودة للواقع ..


" ثم عدنا بك للمخيم، و سارع إيروين بعلاجك، كنت جافة من أي طاقة، لو تأخرنا أكثر.. " توقف عن الكلام .


علت وجهها ملامح معقدة، شعرت بصداع شديد و بدأ نظرها يتشوش .


" أنا لا أذكر أي شئ من هذا، سيدريك هل تمانع ؟، أحتاج إلى بعض الراحة "


" حسنا سأغادر الآن، لقد هبط الظلام بالفعل، أراكِ غدا "


انسحب بهدوء إلى الخارج في حين سقطت كورومي نائمة من جديد، و من فرط تعبها خاضت ليلة دون أحلام .


______________________


الغرفة، أو العيادة التي كانت كورومي بها كانت في الواقع كوخا صغيرا خشبيا، و لم يكن وحيدا بل كان هناك خمس مثله، تلك الأكواخ الصغيرة كانت عيادات مؤقتة قابلة للتفكيك و النقل، رغم أنها لم تكن كاملة التجهيز، فهي تظل أفضل من لا شئ .


بعد مغادرته العيادة توجه سيدريك نحو خيمته و طلب من أحد جنوده مناداة ليو .


بعد أحداث الأسبوع الماضي كان سيدريك غارقا في الأشغال، مع وضع إصابة كورومي جانبا و بالرغم من إنقاذها لهم إلا أن القوة التي أظهرتها جذبت اهتماما غير مرغوب فيه و شحنت الأجواء في المعسكر متسببة توتر الجميع ما اضطره للتغطية على ذلك، هذا بالإضافة للنقص الحاد في الموارد، كانوا يحصلون على بعض الدعم من بعض المدن المجاورة التي لا زالت تحتفظ ببعض السلطة البشرية إلا أن الضغط المتواصل الذي سببه المتحولون عليهم جعلهم يوقفون تلك الإمدادات ليتجنبوا المشاكل .


كل هذا كان يدور في عقل سيدريك و هو يحاول إيجاد حلول لهذه المشاكل، إلى أن قطع صوت ليو حبل أفكاره ..


" من المريح السماع أن كورومي أفاقت من الغيبوبة "

" هذا صحيح، لكن.. "


" أنت تفكر بالقوة التي أظهرتها " قاطعه ليو .


هز رأسه موافقا .


أطلق ليو حواسه لدائرة تتجاوز قطر الخيمة وبعد أن تأكد أن لا أحد في الجوار تحدث ..


" هل تظن للأمر علاقة بذلك الكتاب ؟ "


" على الأرجح، عندما حملتها ذاك اليوم لاحظت أنها تملك وشما كبيرا على ظهرها و رغم أنني لم ألمح سوى جزئه العلوي، إلا أنني طابقته مع أحد الوشوم في الكتاب "

تساءل ليو " أي واحد ؟ "


رد عليه سيدريك " سأريك فهذا أفضل "


سحب كتابا مهترئا يبدو عليه القدم، مع ختم غريب على غلافه .


وضع سيدريك يده على الختم و تلفظ ببعض الكلمات المبهمة .


تحرك الختم و فتح، بدأ سيدريك بتقليب الصفحات بحذر و مهل إلى أن توقف، أمال ليو رأسه نحو الكتاب، ظهر على الصفحة رسم لتنين بلون قرمزي .



" لم أستطع فك شيفرة هذه اللغة القديمة تماما بعد لكنني على الأقل أملك فكرة عنه، صديقي ليو، إن هذا الكتاب سيكون مفتاحنا في تحقيق هدفنا "


رفع ليو حاجبه قائلا " هل أنت واثق ؟ "


" جدا، هل ستكون معي في هذا ؟ "


" و منذ متى تخليت عنك، أنا معك في أي شيء يمكنك الإعتماد علي حتى و لو كان علي بيع روحي للشيطان، كما أنني قد أستطيع المساعدة تعلم أنني ماهر في فك الرموز المعقدة " أجابه و هو يشير لنفسه بفخر ثم واصل كلامه " دروس العجوز ياتسو ستثمر أخيرا "


إبتسم سيدريك " هذا ما كنت أرغب بسماعه "


ما إن فتح ليو فمه ليرد حتى سُمع صوت انفجار قوي في الخارج .


" أيعقل اننا تحت الهجوم مجددا ؟! "

2017/06/19 · 667 مشاهدة · 1723 كلمة
Kim_Nevin
نادي الروايات - 2026