أعلم.. أعلم أنا أخلفت بوعدي لكن لم أدري أنني سأواجه بعض الأحداث التي لم تكن في الحسبان، لم أكن في حالة تسمح لي بالكتابة بشكل سليم لذا كان علي الإنتظار .
أقدم لكم خالص اعتذاري و دون مزيد من الكلام سأترككم للفصل الذي أرجوا أن يحوز على اعجابكم رغم قصره .
______________________
شعرت أن رأسها على وشك الانفجار بسبب الصداع الرهيب، تدفقت لذاكرتها أحداث ذلك اليوم كالسيل الجارف، و رغم أن بعض الأشياء لا تزال مشوشة إلا أنها كانت واثقة أنه نفسه، العينان القرمزيتان اللتان حدقتا فيها، و الشخص الغامض الذي ألقى بها في البحيرة .
لديهما نفس بحة الصوت و الابتسامة المخيفة .
فتحت عينيها بتثاقل ثم فحصت محيطها بعينيها اللتين استعادتا قدرتهما على الرؤية لتتكيف مع الضوء الذي واجههما بعد السواد الذي غمرهما، ثم و بشكل مثير للريبة وجدت نفسها واقفة.
" ألم أكن منذ لحظات أغرق وسط بحيرة ؟ " سألت نفسها، لكنها سرعان ما تجاهلت هذا السؤال فقد حاز شيء آخر على اهتمامها .
كانت واثقة أنها تقف فوق الماء غير أنها لم تشعر بالبلل في أقدامها، وكأنها تطفو فوقه، سارت بخطوات متقاربة إلى الأمام، لاحظت أنه كان يتموج في الموضع الذي تطؤه بأقدامها، هي تدري بوجود سحر يمكنك من السير على الماء لكن هذا أعطاها شعورا مختلفا، إما أن هذا ليس ماءا حقا و إما أن هناك حاجزا من نوع ما يضع فجوة بين الماء و بينها، هذا توصلت إليه، و أي الخيارين يحتاج إلى متطلبات سحرية هائلة .
هبت رياح باردة ذكرتها بسقوطها في البحيرة، اقشعر جسدها و بشكل غريزي حاولت سحب الوشاح بحثا عن الدفء لكن يدها لامست الهواء، وشاحها اختفى ! .
تخلت عن رغبتها الملحة في الحصول على دفء و أخذت بالسير ببطء ثم رفعت نظرها نحو الأفق و رأت أجمل سماء ليلة في حياتها، لم ترى قط ليلة بها هذا العدد الهائل من النجوم و لا شفقا بمثل لون عينيها، حتى و بغياب القمر القمر و بوجود بعض الغيوم التائهة فلم تكن كفيلة لإخفاء المنظر الآسر
انبهارها بالمنظر لم يدم أكثر من ثوان لتليه جولة جديدة من التساؤلات، كيف جاءت إلى هذا المكان ؟ أين هي ؟ و ما الذي حدث ؟ و أين اختفى شبح انتقامها ؟ .
كان عليها البحث عن أجوبة لكنها وضعت نصب عينيها مسألة اختفائها، كانت ستلتقي بياتسو في المساء، و هي في الأصل كانت متأخرة على موعدها ولا شك أنه لاحظ الأمر، بالتأكيد سيكون اختفائها هكذا مفاجأة غير سارة لسيدريك، رغم كونها واثقة من أنه لن يدخر جهدا لإيجادها إلا أن البقاء في مكان واحد و انتظاره لن يفيدها فهي لا تدري متى يلاحظون غيابها، كما أن إشكال موقعها يقف عائقا، من يدري أين هي بالتحديد .
كانت ستتحرك لكن في أي اتجاه ؟.
أخذت نفسا عميقا ثم أغلقت عينيها ببطئ، زفرت بتمهل و سلاسة وهي تنشر نطاقها نحو الخارج بحثا عن أي شيء يثير انتباهها، بعد دقيقة أخذت نفسا عميقا و سحبت نطاق روحها ثم قررت التوجه شمالا .
بدأ تفكر و هي تسير في أجوبة .
كيف جاءت لهذا المكان ؟ .
احتمال بعيد أنها لا تزال في قاع البحيرة، هذا إن افترضت وجود مكانها الحالي هناك، قد يكون ممكنا صنع فقاعة ضخمة تسع الفضاء من حولها لكن ليس لمدى هائل، ربما تكون البحيرة نقلتها إلى فضاء آخر أو ربما جسدها لا يزال في البحيرة و هذا المكان موجود في وعيها، رغم أن الاحتمالات ضئيلة إلا أنها أكبر من الفرضية الأولى، هذه الاحتمالات الضئيلة فتحت عقلها على شيء مهم، الشخص الذي تتعامل معه ذو كيان هائل .
ساعة من الزمن قد مرت منذ بدأت المسير و لا علامات بعد لوجود أي شيء في الأفق، لكنها لم تتوقف، حدسها أخبرها بذلك وهي تثق به فقد أنقذها عشرات المرات، و لم يخنها هذه المرة كذلك فبعد دقيقة أو نحوه بدء المحيط حولها بالتشوه ليتوقف بعد قليل و يفرج عن تغير المكان، السماء بقيت ذاتها و إن كانت الغيوم قد اختفت، الأرض أسفلها تغيرت فهي الآن تقف على العشب الأخضر، و لم تخفِ ارتياحها لوجود أرض صلبة تطأ عليها بعد أن كانت تمشي بضع بوصات فوق الماء، أمامها كانت تلة متوسطة تتمركز فيها شجرة ضخمة لمحت على أحد فروعها شخصا متكئا على جذعها العريض بأريحية.
بتركيز طاقتها السحرية على عينيها استطاعت أن ترى أبعد من مداها العادي.
رغم أن عينها ترى جيدا إلا أنها لم تتبين شكله بوضوح، لكنها تجزم أنه هو ، بشعره الذي يقترب من كتفيه و هالة الغموض من حوله، توجهت إليه دون تردد لكن دون أن تخفض من حذرها، بدا قادرا على قتلها في أي وقت لكنه لم يفعل لذا بالتأكيد لديه هدف و هذا الهدف مرتبط بها بشكل أو بآخر .
______________
في مكان آخر ..
توالى الطرق على الباب و تجاهل هو ذلك، أصبح الطرق أعنف و أكثر ازعاجا خاصة مع الصراخ الذي ينادي باسمه لكنه و رغم ذلك لا يزال محافظا على هدوئه،و قد استمر على ذلك إلى أن كسر الباب من شدة الطرق.
" مصيبة، سيقتلني هذه المرة " تمتم ليو و قد غطاه العرق البارد .
" بحق الإله ما اللعنة التي أصابتك ؟!، لقد كدت أفسد الإكسير بسببك ! " صرخ غاضبا، ثم واصل " إذا لم تعطني سببا مقنعا لهذا فسأجعلك طعاما لآنغوس ".
قال بسرعة " جدي إنها كورومي، لقد اختفت و نحن نبحث عنها منذ مدة "
تحول فجأة من بركان ثائر الى جدول هادئ و اختفت من وجهه تجاعيد الغضب .
" إنه يغير مزاجه كما تغير الفتاة ملابسها " تذمر ليو بصوت يكاد لا يسمع .
" كان من المفترض أن تأتي لمقابلتي هذا المساء لكنها تأخرت فظننت أنها معكما لذا لم أرسل في طلبها، متى لاحظتم غيابها ؟ "
" منذ أكثر من ساعة، أراد سيدريك التحدث معها بعد الاجتماع لكنه لم يجدها في خيمتها و قد بحثنا عنها كثيرا في المعسكر لكن دون نتيجة .. "
" رئيس الوحدة ليو " سُمِعَ صوت من خارج الكوخ، كان أحد المجندين وقد بدا عليه التعب والإرهاق فسره ليو بأنه ناتج عن ركضه إليهم، أخذ بضع لحظات ليستعيد قليلا من أنفاسه ثم أكمل .
" القائد يبحث عنك ".
" حسنا، أنا قادم " .
تحدث ياتسو " مهلا سآتي أيضا " .
" ماذا عن إكسيرك ؟ "
" و من يهتم !، مهلا انتظر "
عاد ياتسو بسرعة لكوخه و تمتم بضع كلمات ثم عاد قائلا " ما الذي تنتظرونه هيا بنا !"
_________________
اقتربت كورومي أكثر من الشجرة إلى أن وصلت لمحيطها، كان ذلك الغريب على حاله منذ أن بدأت بالسير نحوه إلا أنه وبعد أن توقفت لتمعن النظر فيه من جديد اختفى بشكل فجائي، و بالرغم من رد فعلها السريع و حدسها الذي تثق به فهي لم تتمكن من الاستجابة بالسرعة الكافية، ظهر الغريب وراءها و استولى على خنجرها ثم وضعه على رقبتها البيضاء المشرقة، لامس النصل البارد جلدها غير أن ملامح وجهها لم تتغير إطلاقا، لم تكن ترغب بإظهار ضعفها أمامه و لا أمام غيره، هذا شيء تعلمته من حياتها المليئة بالمخاطر، أن تظهر ضعفك لعدوك، يعني هذا أنك تحفر قبرك بيدك.
لم يصدر أدنى صوت من كليهما و إن كان الغريب قد بدأ يداعب عنقها بأنفاسه الباردة، رغم شعورها بالتوتر فقد حافظت على رباطة جأشها كالصخرة العنيدة .
" ألا تخشين أن أقتلك ؟" نطق الغريب أخيرا بصوته الجهوري .
" لو كنت تريد حقا قتلي، لما كنت الآن واقفة هنا " قالت بثقة .
" هل أنت متأكدة ؟ " سخر منها .
كانت كورومي تراهن على هذا فهي لم تكن تمام الثقة غير أنها لم تظهر ذلك بل قالت بكل جرأة " يمكنك المحاولة " .
اقترب نصل الخنجر منها أكثر ثم بدأ يمرره على عنقها، وبعد لحظات من الصمت الثقيل سحب الخنجر أخيرا ثم تراجع للوراء فاستدارت لتقابل عينيه البنفسجيتين المظلمتين، كان على عكس ما توقعت شابا، بدا في عمر سيدريك، لم يكن عمرهما الشيء الوحيد الذي تشاركاه فشعره كان كذلك أشد سوادا من ليلة بلا قمر ونجوم، عادت لتحدق من جديد في أعينه و نجحت أخيرا في ملاحظة شكلها فقد كانت إلى حد كبير تشبه تلك الخاصة بالمتحولين، فكرت أنه من غير المنطقي أن يكون متحولا و إلا ما كان ليساعدها، لكن كان من الصعب أن تتجاهل ما تراه .
أفاقت من غرابة شكله على يده التي وجدتها احترقت بنيران سوداء، كانت ذات اليد التي قبضت على خنجرها، اختفت النيران بنفس السرعة التي ظهرت بها فصارت يده فارغة، لم تستطع كورومي هذه المرة السيطرة على صدمتها فقالت بكلمات بدت أشبه بالهمس " مستحيل .. نيران الجحيم الأبدي ".
أخذت تنتقل بنظرها من يده نحو وجهه الذي قابلها بنظرات أبرد من الجليد لعدة مرات ثم لملمت شتات نفسها لتقول بسرعة " فقط من تكون ؟ ".
" هل تريدين أن تعرفي من أكون، متِّعي نظركِ إذن " أجابها بصوت قوي مخيف أكثر من أي وقت مضى .
__________________
لتجنب حدوث أي اضطراب قرر سيدريك أن لا ينشر خبر اختفاء كورومي، عدا دائرة صغيرة من المقاتلين المعتمد عليهم في الجماعة، لا أحد امتلك فكرة عما يحصل، لهذا و في طريق ليو وجده نحو سيدريك لاحظا أن المعسكر هاديء ككل يوم .
" لماذا نحن ذاهبون إلى حدود المعسكر ؟ " تساءل ياتسو ثم واصل " ألم يعثروا على أثر لها داخله؟ " .
" لربما أخبرك العريف ليو لكننا قلبنا المسكر بحثا عنها دون أي نتيجة، حسنا عدا السائس الذي أبلغ أنه شاهدها وهي تغادر المعسر، أو رأى خيالها، لقد كان شبه ثمل لذا لا أعلم إلى أي حد يمكن الاعتماد على شهادته " قال المجند الذي رافقهم سابقا.
حك ياتسو ذقنه بحيرة و هو يفكر، لكن رؤيته لسيدريك أمامهم أوقفته عن ذلك .
قال سيدريك بعد وصولهم إليه " لم تكن هناك في النهاية ".
أومأ له ليو ثم قص عليه ما حدث .
أطلق سيدريك تنهيدة عميقة، ثم طلب من الثلاثة أن يتبعوه إلى خيمة قريبة لم تكن خالية فقد اجتمع بها نحو ثلاث مقاتلين آخرين ممن بدوا على دراية بما يجري تحت الطاولة، سحب سيدريك خريطة كانت في أحد أدراج مكتب صغير ثم فردها على سطحه .
و بدأ سيدريك يشرح " إن كنا سنعتمد على كلام السائس فهذا يقودنا إلى الغابة، البحث فيها سيستغرق بعض الوقت لكن إن انفصلنا سيكون البحث أسرع، الطريق هناك لن يستغرق وقتا طويلا، عشرون دقيقة على الأقدام و أقل إن ذهبنا ركضا" .
قاطع أحد المقاتلين كلام القائد متسائلا " لم لا نستخدم الخيول ؟ إنها أسرع و سنتمكن تمشيط الغابة في وقت أقصر " .
أجابه ليو قبل أن ينطق سيدريك " حوافر الخيل تصدر ضجيجا غير مطلوب، و رغم أنني أستبعد احتمال أن يكون للمتحولين يد في اختفاء كورومي إلا أنهم قد يملكون فكرة تقريبية عن موقعنا بعد آخر مواجهة و قد نقابل بعضهم في الغابة " .
أومأ سيدريك موافقا ثم أكمل " حواس المتحولين هي بالفعل أقوى من البشر لذا فإن التسلل هو الخيار الوحيد الآمن، ياتسو أنت قم بتمشيط الجزء الغربي الأعمق من الغابة، ليو فلتبحث حول البحيرة، و أنا سأبحث في الجزء الشرقي ".
قوطع للمرة الثانية بقول ياتسو " أن نغادر ثلاثتنا المعسكر، أن تضع في حسبانك احتمال أن يكون هذا فخا صحيح ؟ ".
شرح سيدريك " سيكون أكثر أمانا أن نغادر نحن المعسكر فحتى لو واجهنا أعداء أقوياء سنملك فرصة ضدهم أو على الأقل يمكننا الهرب بسهولة، هذا أفضل من ارسال دزينة من المقاتلين، و لا تنسى أن ايروين هنا، أرسلت له بالفعل التفاصيل و سيتكلف بقيادة المعسكر ريثما أعود "، استدار ثم وجه كلامه لبقية المقاتلين قائلا " كار، ماكو، هيرمي و فاج أنتم الأربعة قوموا بدوريات مكثفة داخل المعسكر وعلى حدوده و إن واجهتم أي اضطرابات أو إن عادت كورومي في غيابنا استخدموا جوهرة التخاطر لإعلامي"
استأذن الأربعة ثم غادروا ليباشروا مهامهم في حين غادر البقية للغابة، آملين العثور على كورومي و إنهاء هذه الليلة الطويلة .
_________________
لم تكن تعلم إن كانت ستتحمل مفاجأة أخرى فهذه الليلة أثبتت بجدارة قدرتها على ضرب هدوء كورومي و برودها المعتاد عرض الحائط، لكنها ورغم المفاجآت التي حملتها الليلة حافظت على رباطة جأشها، إلا أن ما رأته بعد أن نطق الغريب بكلماته تلك كاد ينافس بالنسبة لها صدمة ما حدث منذ عشر سنوات .
" ت..تنين "
___________________
لا تبخلوا بتعليقاتكم و دعمكم و أكرر لكم اعتذاري .
نيفين ..