دون أي مقدمات، الفصل الجديد ..
ملاحظة : إيربس Erebus
تذكير :
لم تكن تعلم إن كانت ستتحمل مفاجأة أخرى فهذه الليلة أثبتت بجدارة قدرتها على ضرب هدوء كورومي و برودها المعتاد عرض الحائط، لكنها ورغم المفاجآت التي حملتها الليلة حافظت على رباطة جأشها، إلا أن ما رأته بعد أن نطق الغريب بكلماته تلك كاد ينافس بالنسبة لها صدمة ما حدث منذ عشر سنوات .
" ت..تنين "
____________________
كان شبه واقف، بشموخ يليق بهالته الطاغية التي أعطت بشكل غريب مظهرا من الملكية، جسده كان أضخم من أي شيء رأته كورومي قبلا، مثل الجبل، حراشفه سوداء تتخللها أشعة قرمزية، مخالبه حادة و قوية، ثم زوج من الأجنحة التي و إن كانت غير مفرودة إلا أن ارتفاعها قد تجاوز إرتفاع التنين نفسه.
رغم أن وجود التنين و مظهره ذاته كان مدعاة للخشية والغرابة إلا أن شيئا آخر جعل الشعر على جسد كورومي يقف، و هو الوجه المرعب الذي بدا و كأنه يحدق فيها من صدر التنين، كان أشد سوادا من قشوره و بدا كأنه جزء منفصل من جسده لذا افترضت هي أنه درع من نوع ما .
( هو ذاته )
التنين أحد الوحوش الأسطورية و أقواها في ذات الآن، ذُكِرَ فقط في الأساطير القديمة، ورغم أن أحدا لم يصدق في وجوده إلا أنه كان لا يزال رمزا للهيبة و البطش والقوة المطلقة، و الآن كانت تقف أمامه مباشرة، تنين حقيقي !
رغم ما سببه من رهبة شعرت بها في أوصالها، إلا أن الخوف و التوتر قد تبددا منها تماما، فكرت أن هذا أحد أكثر الأشياء الخارجة عن المألوف التي حصلت لها و إن كانت قد تعددت في هذه الليلة .
بقي التنين ساكنا طوال المدة التي استغرقتها كورومي في إجراء الحوار العقلي السابق، عدا الأنفاس القليلة التي أطلقها، وبعد أن بدت أخيرا في حالة تسمح لها بالخوض في الحديث نطق بصوته الجهوري .
" فلتسألي ".
غرقت كورومي مجددا في تفكير عميق، أيقظت تلك الكلمة الكثير من التساؤلات و قد بدا التنين أمامها على دراية بالعاصفة التي أثارها داخلها فعاد لسكونه، لكنها لم تستغرق الكثير من الوقت فهي قد قررت بالفعل سؤالها منذ أول لحظة دخل حياتها دون استئذان، قالت بصوت خافت مقارنة بصوته القوي .
" من تكون ؟ " .
أجابها في الحال .
" أنا أحد أسياد عرش العالم السفلي و رمز الظلام و الأوهام، أنا ملك تنانين، تنين الظلال إيربِس "
كان من الصعب فهم ما قاله بشكل كلي، لكن كان واضحا أن هويته بضخامة حجمه، و في النهاية انتهى بها المطاف فقط بأسئلة إضافية تحوم حولها، العالم السفلي ؟، لم تسمع مطلقا بوجود مكان بهذا الاسم، أحد أسياد العرش ؟، هل هذا يعني إذا أن هناك غيره ؟ …
لم تتمكن من انهاء تحليل كلامه بعد أن قاطعها صوته قائلا .
" لا تتأملي أن أجيبكِ على كل تساؤلاتك، سأوضح فقط بعض الأمور "
ما صرح به كان ضمن توقعاتها فلو كانت نيته شرح كل شيء حوله لما كان عليه التنكر مرتين .
" تراجعي "
نفذت الأمر دون تردد كالمرة السابقة التي أمرها فيها، بدأ الجو المحيط به يتغير و دوامة ضخمة بلونيه معا تحيط به أخفته تماما مسببة عاصفة رياح هوجاء من حوله، نفس الشيء تماما كالسابق حين تغير شكله من بشري إلى التنين، فكرت أنه يقوم بعملية عكسية، إلا إن كان لا يزال يملك شكلا آخر يتحول له .
تقلصت الدوامة بشكل متسارع و اختفت ليظهر شكل الغريب السابق الذي كان في الواقع تنينا !
تحرك إيربِس قليلا في مكانه وأشار بيده في الهواء ثم تشوه المكان، اختفت سماء الليل و انتقلا إلى مكان مغلق أَضَاءَتهُ أشعة الشمس من إحدى نوافذه الكثيرة، بَدا رواقا هائل الحجم قادِرا بسهولة على استيعاب إيربِس بشكله الأصلي، و أعمدة طويلة مزخرفة ملأت جنباته، استنتجت كورومي من ما لاحظته أنهم في قلعة أو كاثدرائية من نوع ما .
بدأ إيربس بالسير دون كلام فتبعته كورومي، الشكوك و الأسئلة كانت لا تزال تضايق تفكيرها لكن لا خيار أمامها سوى إخضاعها والتركيز على ما يحدث في الواقع .
_____________________
عند سيدريك ..
وصل سيدريك إلى الجزء الشرقي الأبعد عن المعسكر دون مشاكل بالرغم من أنه قد صادف بعض عناكب الذئب الشيطانية الضخمة، ورغم أنه قادر على قتلها إلا أنه لم يفعل و إلا سيجذب أنظارا غير مرغوب بها، و باستغلال سرعته العالية استطاع القفز بهدوء بين فروع الأشجار الطويلة دون جذب انتباهها .
أخذ يفكر في ما حدث أثناء اجتماعهم سابقا، فرغم أن ليو قد ذكر ضعف احتمال أن يكون للمتحولين يد في اختفاء كورومي إلا أن سيدريك علم أنه ما قال ذلك إلا من أجل الحفاظ على نفسية المقاتلين، الخوف والضغط قد يكون أحيانا مفيدا في المعارك لكنه في بعض الحالات يضعف المعنويات، و هو كذلك في هذه الحالة خاصة و أن معظم الأفراد الأقوياء في الجماعة غائبون حاليا .
و مما لا شك فيه أن الأعداء سيحاولون القضاء على كورومي بعد أن أظهرت تلك القوة الغاشمة، أقتل الشبل قبل أن يصبح أسدا، كانت هذه استراتيجيتهم الفعالة، و الآن بما أنها تشكل أكبر خطر عليهم فهم سيجعلون من أولوياتهم القضاء عليها، لكنها الورقة الرابحة التي تملكها جماعة العنقاء و سيدريك بصفته القائد سيقوم بحمايتها مهما تطلبه ذلك .
بعد القفز بين الأشجار لنصف ساعة استشعر وجود هالات قريبة، مختلفة عن هالة الكائنات الشيطانية، أصبح الآن أكثر حذرا كما قام بإخفاء وجوده إلى أقصى درجة .
صدق حدسه فقد كان هناك متحولون، خمسة منهم تحديدا، يلتفون حول نار مخيم صغيرة، اقترب سيدريك إلى أقصى ما يستطيع دون الكشف عن نفسه و بدأ يسترق السمع .
" كم تظن أنهم سيمنحون السيد داريوس مقابل رأس الفتاة ؟ "
" على الأرجح سيكافئونه بمدينة أخرى، رغم أنني أجده متعجرفا و متسلطا إلا أساليبه في القتل مثيرة للإعجاب "
" اخرس !، أنت تسعى إلى موتك، كيف تهينه هكذا؟ ماذا لو وشى بك أحدهم "
" توقفا انتما، فليذهب كلاكما للحراسة إذن ما دمتما ترغبان بالثرثرة لهذه الدرجة، آخر من نريده هو عناكب تتطفل علينا "
نفذ الإثنان أوامر من بدا قائدهم و غادرا، استغل سيدريك الفرصة و تبعهما، و طوال الطريق كانا يتجادلان .
" كل هذا بسببك الآن علينا حراسة أولئك الأوغاد "
" ليس ذنبي إن كان لسانك أطول من سيفك "
" هذا بسبب تلك اللعينة، ثم ما الذي نفعله هنا على كل حال ؟ ألم يرها فاج و هي تدخل الغابة ؟ "
" لقد تبعها إلى البحيرة لكنها اختفت فجأة كما قال "
" هراء !، إنه عديم التركيز لقد قال ذلك لأنه فقدها و خشي العقاب "
" لكنه عثر على شيء يخصها، على كل حال لماذا لم نذهب للبحيرة، على الأقل هي بعيدة عن هذه العناكب البغيضة "
" نحن ننفذ الأوامر فقط و .. مهلا هل سمعت ذلك ؟ "
" سأذهب وأرى، لا شك أنه عنكبوت آخر "
مرت بضع دقائق منذ أن غادر ذلك المتحول فبدأ زميله يناديه، على الأرجح سمعه أحد في المخيم فقد سارع إليه و هو يسأل .
" أين ذهب صديقك الثرثار ؟ "
" لقد سمعنا صوت عنكبوت ما فذهب للتخلص منه "
" أظنه قد وجد مكانا لينام فيه، أولا فاج صاحب التركيز المعدوم و الآن هذا الثرثار الكسول، سأذهب وراءه "
بقي المتحول الأول ينتظر للمرة الثانية لكن لا أثر لأي منهما، زحف إليه الخوف و التوتر و استل سيفه، و مع كل خرخشة للأشجار كان يقف فجأة و يصوب سيفه نحو مصدر الصوت .
قرر أخيرا أنه لا فائدة من البقاء في مكانه و الإنتظار، فعاد مسرعا إلى المخيم .
استقبلته هناك رائحة الدم الطازجة التي لفحت وجهه، كانت جثث الجميع هناك ومن ضمنها الإثنان اللذان اختفيا وكان واضحا عليهما آثار الجر .
فقد أعصابه و بدأ بالصراخ " من هناك ! فلتظهر نفسك "
قفز ظل من بين الأشجار نحوه مباشرة، طار السيف من يده وسقط أرضا، وضع مهاجمه حافة سيفه على عنقه ثم تحدث بصوت تشبع بالبرود و نية القتل .
" تحدث إن أردت موتا سريعا "
___________________
في البحيرة ..
" أنا أدور في حلقة مفرغة، لقد تتبعت آثار الأقدام لكن كيف يعقل أن تختفي هكذا، إلا إن ابتلعتها الأرض حينها سيكون هذا منطقيا "
قال ليو بنبرة تذمر فهو قد عثر على آثار أقدام تأكد أنها تعود لكورومي بعد أن وجد قطعة قماش ممزقة تعود لوشاحها بين الشجيرات الصغيرة على أطراف البحيرة لكن آثارها اختفت فجأة عند نقطة معينة، لكنه لاحظ أنها قد قفزت قبل اختفائها فالآثار كانت أعمق، مهما فكر لم يستطع إيجاد أي تفسير فهي إن تعرضت لهجوم فلا دلائل إطلاقا لا لمهاجمها و لا لما خلفته معركة محتملة .
قرر أخيرا أن يبحث عنها في مكان آخر في محيط البحيرة عله يعثر على نتيجة أفضل .
شعر و هو يسير بهالة ضعيفة جدا أمامه، ضعيفة لدرجة أنه بالكاد شعر بها، لكنه لم يتجاهلها و استمر بالسير إلى الأمام نحوها مباشرة، و حين اقترب أكثر شعر بحرارة لا توصف تلفح وجهه، كما لو كان داخل فرن، تسابقت قطرات العرق على جلده، و مع ذلك لم يستسلم بل زاد فضوله نحو مصدر هذه الحرارة، فاستخدم كل الطاقة في جسده من أجل حمايته من النار قدر المستطاع فتمكن من التقدم أكثر نحو الأمام .
فتح فمه على مصراعيه أمام ما رآه، فقد كان أمامه عش بحجمه على الأرض تحيط به نيران ذهبية متألقة، و داخلها كان مخلوق صغير لم يتبين شكله جيدا راقد وسط الرماد، كان يشع بضوء خافت مقارنة بألسنة اللهب المحيطة به، أحمر اللون مع بقعة سوداء الظلام وسطه.
الحرارة أصبحت أشد ارتفاعا لدرجة أن ملابس ليو قد بدأت تحترق و إن كان العرق الذي تشربته قد أخر من العملية، و وسط كل ما قاساه كانت النباتات و الأشجار حوله سليمة لم يصبها ضرر .
بدا كأن ذلك المخلوق قد لاحظ وجود ليو فحدق نحوه بعينين باهتتين، و أمام تلك النظرات لم يعد ليو يشعر بالنيران بجسده بل شعر أنها تحرق روحه بقوة، كان ألم الحرق أشد الآلام على الإطلاق، سقط ليو على الأرض و غرق في الظلام ..
____________________
" لا بد أنك تتساءلين عن موقعنا الآن "
أجابت كورومي " بلى "
رد عليها إيربس" نحن الآن داخل بعدك الروحي "
قاطعته فجأة " هذا غير ممكن، أنا لم أشكل بعد جوهر الروح داخلي، و أن يوجد بعد روحي لا نهائي، هذا فقط غير قابل للتصور "
" بعد أن أيقظتِ دماء التنين لم تعودي بحاجة لتشكيل جوهر الروح "
تركها جوابه حائرة تماما ..
________________
آمل أن ينال اعجابكم ..
بقلمي ..
نيفين .