الفصل الأول: جاذبية الأقمار

---

في تلك الليلة، قبل أن يحدث كل شيء، كنت أمشي تحت مصابيح الشارع التي كانت تومض كأنفاس مريض. كنت في طريقي إلى المكتبة، لكن الحقيقة أنني كنت أهرب من شيء ما، من ذلك الصوت الصامت الذي يسكن صدري منذ ماتت أمي: صوت الفراغ. كانت أمي تقول إن الفراغ ليس غياباً، بل حضوراً كثيفاً، كالضباب الذي يملأ رئتيك دون أن تراه. كنت أعيش في ضباب دائم، أتنفسه، أنام فيه، وأستيقظ على وجهي كل صباح.

سبعة عشر عاماً، وشعر أسود يميل إلى الزرقة تحت الضوء الأصفر، وعينان حمراوان كجمرتين لم تطفأا بعد. في المدرسة، كانوا يطلقون عليّ "العينان المحترقتان". ليس لأنني أحرق أحداً، بل لأنهم كانوا يشعرون بالحرق تحت نظراتي. كانوا يعتقدون أن عينيّ تلعنان، أن رؤيتي تشي بنحس ما. كنت أجلس في المقعد الخلفي، أقرأ روايات صينية عن أبطال يبدأون من الصفر، وأنميات يابانية عن مراهقين ينقذون عوالم، وأتساءل: لماذا لا ينقذني أحد؟ لماذا لا أنقذ نفسي؟

أمي ماتت قبل سنتين. لم تكن موتة درامية، لم تكن مشهداً سينمائياً. كانت سرطاناً يأكلها من الداخل ببطء، كالنمل الذي يأكل خشب بيت قديم. في أيامها الأخيرة، كانت يداها ترتجفان حين تمسح شعري، وتقول: "عيناك يا بني كالقمر في ليلة الحصاد. لا تدع أحداً يخبرك غير ذلك." كانت تكذب، لكنها كانت تكذب بحب، وهذا كان يكفيني. أبي؟ كان يحب الخمر أكثر مما يحبنا. رأيته آخر مرة خلف زجاج غرفة الزوار في السجن، ينظر إلي بعينين غارقتين في ندم ثقيل كالرصاص. حكم عليه بخمسة عشر عاماً. قلت لنفسي: سأنتظر. لكن الانتظار لا يملأ الفراغ، والفراغ لا ينتظر أحداً.

في طريق العودة من المكتبة، كنت أحمل الفصل الأخير من "سجلات التنين الأخير". الرواية التي كنت أتتبعها منذ عام، تلك التي كنت أقرأ فيها عن بطل ينهض من رماد عائلته ليصبح ملكاً على مملكة خيالية. كنت أريد أن أعرف كيف تنتهي قصته، لأنني كنت أتمنى أن تنتهي قصتي مثله. لكن الحياة لا تشبه الروايات، هذا ما كنت أظنه.

عندما عبرت الشارع إلى المول، كانت الساعة تقترب من السابعة مساءً، والسماء تميل إلى الأرجواني ككدمة قديمة. سمعت صوتاً، ليس طلقة، بل شيئاً أثقل، كأن مطرقة ضخمة ارتطمت بصفيحة حديد. التفت، ورأيت رجلاً يرتدي قناعاً أسود يدفع امرأة عجوزاً إلى الأرض أمام متجر المجوهرات. كانت يده تحمل مسدساً طويلاً يشبه آلة الخياطة القديمة، لكنه لم يكن يخيط، كان يمزق الصمت.

وبدأت أركض.

لم أركض خوفاً فقط، بل لأن جسدي عرف قبل عقلي أن هذا المشهد ليس لي. أنا لست بطلاً في قصة، أنا مجرد شاهد، وشهود الموت يموتون غالباً. ركضت نحو مدخل المول، والطلقات كانت ترسم خيوطاً نارية في الهواء من حولي.

ثم حدث الشيء.

لم يكن "كسراً في الواقع"، ولا "تمزقاً في النسيج". كان أشبه بأن العالم توقف عن التنفس للحظة، ثم شهق شهيقاً عميقاً. فجأة، لم تعد الأرض التي أركض عليها ملموسة. صارت كالرمل الناعم تحت قدميّ، غائرة، لزجة قليلاً. الهواء تغير، صار أبرد وأنقى، كأنني دخلت إلى غرفة مكيفة بعد يوم في الصحراء. ولكن الأغرب كان الصوت: كل شيء أصبح مكتوماً، كأن أذنيّ مليئتان بالماء. سمعت الطلقات كأصداء بعيدة في نفق، ورأيت الأضواء تتمدد كأشرطة مطاطية.

شعرت بجسدي يمر عبر حاجز غير مرئي، كان لزجاً مثل شراب كثيف، دافئاً من جهة وبارداً من جهة أخرى. للحظة، شعرت أنني سأختنق، ثم انفتحت المساحة فجأة، وسقطت على عشب جاف، والسماء من فوقي لم تعد سماءً كنت أعرفها.

---

فتحت عينيّ على لونين لم أرَهما في أي سماء بشرية: أخضر زبرجدي وأحمر عقيقي. القمران كانا معلقين هناك، قريبين من بعضهما، كعينين عملاقتين تطلان على عالم لا يعرف شمساً واحدة. الضوء الأخضر كان بارداً، يبعث برودة تتسلل إلى العظام كأنها ماء مثلج يجري في الأوردة. الضوء الأحمر كان دافئاً، ثقيلاً، كأنه يلامس الجلد مباشرة ويوقظ فيه شيئاً بدائياً، شيئاً جائعاً.

نهضت، وتفقدت جسدي. لم يصبني أذى، لكنني شعرت بأنني أخف وزناً. رفعت يدي، وشعرت بأن الهواء أقل مقاومة، كأن الجاذبية هنا تهامس بدلاً من أن تأمر. كنت أقف على تلة عشبية جافة، وأسفل منها تمتد مدينة لم أرَ مثلها إلا في نقوش كتب التاريخ. مداخن شاهقة تنفث دخاناً أسود كثيفاً، وفي انعكاس ضوء القمرين على قضبانها الحديدية، رأيت أضواء الغاز تتلألأ في النوافذ كيراعات ميتة. قطار بخاري مر في الأسفل، أطلق صفيراً حاداً قطع الهدوء، ورائحة الفحم والحديد والتراب الرطب تشابكت في الهواء كخيوط عنكبوت غير مرئية.

مشيتُ نحو بوابة المدينة، وكل خطوة كانت أخف من السابقة، كأن الأرض ترحب بي أكثر مما فعلت أي أرض من قبل. عند البوابة، وقف رجل طويل، بدلة سوداء مكوية بحدة، ومعطف أخضر زيتي يصل إلى كعبيه، وقبعة غريبة عالية مطرزة بنقوش دائرية فضية. عيناه رماديتان، لكنهما كانتا تحترقان بجليد خفي، كأنه يرى أشياء لا يراها الآخرون.

"مساء الخير يا سيدي،" قال، بصوت عميق كأنه قادم من قاع بئر. "زائر جديد؟" كانت لغته غريبة، لكنني فهمتها كأنها لغتي الأم. فهمت المعنى مباشرة، دون ترجمة، كأن الدماغ يتجاوز الكلمات إلى جوهرها.

"أجل يا سيدي،" قلت، ورفعت ذقني قليلاً. تذكرت نصيحة أمي القديمة: "عندما تخاف، تحدث ببطء. الخوف يجعل الكلام سريعاً، والسرعة تكشف الضعف." أخذت نفساً عميقاً، وتذوقت الهواء البارد في رئتيّ. "أتيتُ من أقصى الشمال الغربي."

نظر إليّ الرجل، عيناه تفحصان وجهي، كتفيّ، حذائي المهترئ. "مدينة مانهتن السياحية. هل هنالك سكان مازالوا يعيشون فيها؟"

كان السؤال اختباراً. عرفت ذلك من نبرته، من الطريقة التي وقف بها، من ميل رأسه الطفيف. كان يرمي حصاة في مياه راكدة ليرى كم عمقها. شعرت بقلبي يخفق أسرع، لكنني أبقيت وجهي جامداً. فكرت في كل القصص التي قرأتها عن الهاربين، عن اللاجئين، عن الأشخاص الذين يخترعون هوياتهم الجديدة تحت ضغط الخوف. كان عليّ أن أكون مقنعاً، لكن ليس مقنعاً أكثر من اللازم.

"كنا ثلاثمئة وثلاثين نفساً،" قلت، وتركت صوتي يهتز قليلاً، كأن الذكرى تؤلمني. "ثم جاءت العاصفة الرملية السوداء. استمرت سبعة أيام. دفنت نصف المنازل، وأصابت المحاصيل بالعفن." توقفت، وبلعت ريقي بصوت مسموع. "أكلنا ما تبقى من المؤن في اليوم الثالث. في اليوم الخامس، ماتت أمي. جفاف. لم يكن لديها ماء لتشربه، وأنا لم أستطع..." تركت الجملة معلقة، وتركت عينيّ تحمران أكثر. لم يكن البكاء صعباً، لأنني لم أكذب على مشاعري. أمي ماتت حقاً، والجوع والعطش كانا مجرد استعارات للسرطان الذي أكلها.

"في اليوم السادس، اختفى أبي بحثاً عن ماء." هنا توقفت، وارتكبت خطأً. "في اليوم السابع... لا، في اليوم السادس أيضاً، وجدتُ حصانين... حصاناً واحداً يموت في حظيرة مهجورة. ركبتُه وركضتُ حتى مات من التعب، ثم مشيتُ حتى وصلتُ إلى حدودكم."

لحظة صمت. رأيت عينيّ الرجل تضيقان قليلاً. كان قد لاحظ التلعثم، والتناقض في اليومين، والحصانين اللذين تحولا إلى حصان واحد. لكنه لم يعلق. ابتسم ابتسامة بطيئة، كأنه يقول: "رأيتُ كل شيء، لكنني سأختار تجاهله الآن."

"أنا راعي عقارات في هذه المدينة،" قال، ومدّ يده، كف مفتوحة، لا شيء فيها سوى دفء غير متوقع. "حالك بائس يا سيدي المجهول. لكنني أحب الرجال الذين يخترعون حكايات موجعة، لأن ذلك يعني أن لديهم خيالاً. والخيال، في مدينتنا هذه، هو أثمن ما يملكه الرجل." توقف، ونظر إلي بعينين جادتين. ثم قال بصوت خفضه كالهمس: "سأساعدك، لكن... ستدين لي بشيء. حين أسألك عنه، لا تسأل لماذا. فقط افعل."

تجمدت. شعرت بوزن كلماته يهبط على كتفي كعبء ثقيل، كأنه يضع في يدي مفتاحاً لقفل لا أعرف شكله. لكنني أومأت برأسي. لم يكن لدي خيار.

"الاسم،" قال، "قبل أن نمضي قدماً."

فتحت فمي لأنطق باسمي القديم، لكن الكلمات تجمعت في حلقي ككتلة من الطين. ذلك الاسم كان يحمل كل أحزان العالم القديم، كل نظرات العنصرية، كل ليالي الوحدة، كل دموع أمي في ليلة موتها. لم أستطع نطقه. بدلاً من ذلك، خرج من فمي اسم كنت أحلم به منذ كنت صغيراً، اسم ملك من رواية قرأتها، اسم بطل نهض من الرماد.

"كينج،" قلت، ورفعت عينيّ إلى عينيه. "اسمي كينج."

ضحك الرجل ضحكة جافة كصدأ باب قديم. "كينج... ملك. طموح كبير لرجل بلا مملكة." التفت ومشى، وصوته جاء من فوق كتفه: "تعال. سنبني لك مملكة صغيرة، أو على الأقل غرفة تنام فيها."

---

المدينة من الداخل كانت أكثر فوضى مما بدت من بعيد. الشوارع ضيقة، مرصوفة بحجارة ناعمة زلقة من الرطوبة، والمباني كانت تتكئ على بعضها كسكارى في نهاية ليلة. في كل زاوية، كانت هناك عيون تطل من نوافذ مغلقة، تتبعنا بفضول كلبالي. كان الوقت يقترب من التاسعة، والهدوء هنا لم يكن سكوناً، بل كان انتظاراً، كغرفة عمليات قبل أن يفتح الجراح أول شق.

مررنا بطفل صغير كان يركل كرة ممزقة على الرصيف. توقف عن اللعب حين رآنا، ونظر إليّ بعينين واسعتين، ثم ركض إلى داخل منزله وأغلق الباب خلفه. لم يكن خائفاً مني، بل كان فضولياً. فضول الأطفال لا يخاف، إنه يتأمل. كان أول تفاعل لي مع سكان هذا العالم، وكان صامتاً.

أدخلنا مبنى من الحجر الرمادي، واجهته مزينة بتماثيل لغربان حجرية تحمل مصابيح متقدة بلهب أزرق غريب. بداخله، جلس رجل خلف مكتب ضخم من خشب البلوط، كسفينة غارقة جرفتها الأمواج إلى هنا. كان في الأربعين، نحيفاً، نظارة مدلاة على طرف أنفه، وأصابعه ملطخة ببقع حبر زرقاء كوشم مؤقت.

ألقى الرجل صاحب المعطف الأخضر على الطاولة ثلاث عملات برونزية مصقولة، كل واحدة تحمل نقش شجرة وجمجمة. قال للرجل الجالس: "ضيف جديد. يحتاج هوية من زيكسل. مدرسة بيكر."

حدق الرجل الجالس في العملات، ثم في وجهي، ثم في صاحبي. كان تعبيره مزيجاً من التردد والخوف. قال شيئاً عن التفتيش، عن المخاطر، عن سابع شخص هذا الشهر. لكن صاحب المعطف الأخضر رد عليه بنبرة ناعمة كقطيفة، وقال إنه ليس خطراً، ونصحني أن أرفع رأسي ليرى عينيّ.

رفعت رأسي، ونظر الرجل الجالس إلى عينيّ. للحظة، رأيت ارتباكه. العيون الحمراء كانت تشتت انتباهه، جعلته يراني غريباً، مختلفاً، ربما خطيراً. لكنه أيضاً جعله يراني يستحق استثناءً. كان الأمر كما لو أن عينيّ كانتا سلاحاً لم أعرف أنني أمتلكه.

"ثلاث برونزيات،" تمتم الرجل الجالس، "وخمس ورقات فضية، تُدفع عند الاستلام."

أخرج صاحب المعطف الأخضر عملة فضية من جيبه وألقاها على الطاولة، ثم نظر إليّ: "عليك دفع أربع عملات فضية، خصم من مصروفك الأول." لم يسألني إن كنت أوافق. كان يعلم أنني لا أملك خياراً آخر.

كتب الرجل الجالس بسرعة، دون أن يرفع رأسه، ودون أن يسألني عن اسمي، كأنه يعرف أنه سيكون اسماً مستعاراً: "الاسم: كينج. الحالة: يتيم. مدينة المنشأ: زيكسل. العمر: الثامنة عشر. المؤهل: خريج مدرسة بيكر الثانوية (أغلقت عام 476 بسبب حريق كبير)." رفع عينيه إليّ، ونظرته كانت ثقيلة كالحجر. قال: "تذكر... أي خرق للقانون، أي جريمة، أي شك في هويتك، سيكون اسمك في السجلات، وسأفضح كل شيء. أنا لا أخاف من أحد. أخاف فقط من العقاب."

دفع إليّ بطاقة من النحاس الأصفر، على وجهها صورتي التي التقطها بكاميرا تشبه صندوقاً خشبياً، تحتيها اسمي الجديد، وتوقيعان، وختم دائري لشجرة بجانبها جمجمة. كانت البطاقة ثقيلة، أثقل مما ينبغي لنحاس، كأنها تحمل وزناً أخلاقياً لم أستوعبه بعد.

---

غادرنا المبنى، ومشى صاحب المعطف الأخضر بي في شوارع جانبية تضيق كلما تقدمنا. توقف أمام فندق "الوردة السوداء"، وكانت واجهته زرقاء داكنة كسماء قبل العاصفة، ونوافذه مغطاة بستائر مخملية بالية. في الداخل، التقى بمضيفة عجوز تدعى مارتا، تبادل معها نظرة معبرة، ثم أعطاني مفتاحاً ثقيلاً من الحديد الصدئ.

قال إن الشهر الأول مجاني، وبعدها سأدفع. ثم أخرج كيساً صغيراً من الجلد البني ووضعه في يدي. كان ثقيلاً بالعملات الفضية داخله. قال إنها تكفي لأكل متواضع وزي واحد، وأضاف: "الفضية تساوي خمسة أرغفة خبز... الذهبية تساوي عشرين فضية. تذكر هذا."

شكرته، وذهبت إلى متجر صغير في نهاية الشارع. في الطريق، مررت ببائع فواكه كان ينادي بصوت أجش: "تفاح الليل، تفاح الليل، يضيء في الظلام!" نظرت إليه، ورأيت تفاحات زرقاء غريبة تتلألأ تحت ضوء القمرين. لم أشتري شيئاً، لكن الرائحة الحامضة للفواكه علقت في أنفي.

اخترت بدلة سوداء من الصوف الخشن، معطفاً أزرق غامقاً بطول الركبة، وقبعة هومبورغ سوداء. لم أشتريها لأنني أحبها، بل لأن الأسود والأزرق الداكن يختلطان بالظلال، ولأن القبعة العالية يمكن أن تخفي وجهي في الأزقة المظلمة.

في غرفتي، في الطابق الثالث، كان المكان ضيقاً كصندوق. سرير حديدي يئن تحت أي وزن، طاولة خشبية يغطيها غبار الزمن، حوض صغير ومغسلة بها صدأ يتسلل من الصنبور. أغلقت الباب خلفي، وألقيت بنفسي على السرير، وشعرت بأن كل عضلة في جسدي ترتجف. كنت قد تمكنت من التماسك طوال المساء، لكن الآن، في هذه العزلة الصغيرة، سمحت لنفسي بالانهيار.

بكيت. بكيت بصمت، ودموعي كانت ساخنة على خدي الباردين. بكيت على أمي التي لن تراني الآن، على أبي الذي لا يعرف أين ذهبت، على نفسي التي فقدت كل شيء مرتين في حياتها. بكيت حتى جفت عيناي، وتحول البكاء إلى شهيق عميق، ثم إلى صمت.

نهضت، وفتحت النافذة.

القمران كانا هناك، أخضر وأحمر، يملآن السماء بضوئيهما المتضاربين. نظرت إليهما طويلاً، وشعرت بالضوء الأخضر يبرد جفنيّ المنتفخين، والضوء الأحمر يدفئ صدري كما لو أن يداً خفية تلامس قلبي. كان الجمال هنا مؤلماً، جميلاً لدرجة أنه يذكرك بكل ما فقدته.

ثم نظرت إلى الأسفل.

في الزقاق الخلفي للفندق، تحت ظلال كثيفة كالحبر، كان هناك شيئان. الأول كان جثة رجل، ممدودة على الحجارة، ملابسها ممزقة، ووجهها مشوه كأنه ذاب تحت حرارة هائلة. الثاني كان فوق الجثة، جاثياً على أربع، يأكل. لم يكن يأكل كإنسان، بل كذئب، بأنياب طويلة لامعة كسكاكين صغيرة، وفك بارز يتحرك بحركات سريعة دقيقة. كان يمزق الجثة بهدوء غريب، كل صوت مضغ كان رطباً، ثقيلاً، كأنه يمضغ طيناً ممزوجاً بالدم.

وفجأة، توقف، ونظر إليّ.

عيناه كانتا صفراوين حادتين، وفيها وعي خالص. لم يكن مجرد حيوان جائع، كان يفكر، كان يرى، كان يعرف أنني أراه. رفع يده، يده التي كانت تغوص في صدر الجثة قبل لحظة، ولوّح لي. لوّح ببطء، كأنه يقول: "أهلاً بك، أيها الجديد." ثم ابتسم، ابتسامة واسعة، أظهرت أنيابه الملطخة بالدماء، وقبل أن أتمكن من الرد، اختفى في الظلام كأنه لم يكن موجوداً أبداً.

أغلقت النافذة ببطء، دون أن أنقطع عن النظر إلى المكان الذي كان فيه. أغلقتها حتى لامس الإطار الخشبي العتبة، ثم أدرت المزلاج بصمت، ووقفت هناك، قلبي يخفق داخل أذنيّ، ورجلايّ تغوصان في الأرض كأنهما جذور.

لم أصرخ. لم أذعر. لأن الذعر كان رفاهية لا أملكها.

عدت إلى السرير، وجلست عليه، وفتحت كفيّ أنظر إلى العملات الفضية الخمس. كنت قد خططت لأشتري طعاماً، وربما أسأل عن الجامعة، وربما أبحث عن وظيفة في النهار. لكن الآن، أدركت حقيقة بسيطة:

أنت لست في رواية يا كينج. الروايات لها نهايات سعيدة. هذا العالم ليس رواية.

نظرت إلى البطاقة النحاسية في يدي الأخرى، وقرأت الاسم ثلاث مرات: كينج. في عالمي القديم، كنت ضحية. هنا، يمكنني أن أكون شيئاً آخر.

وضعت العملات تحت الوسادة، ونظرت إلى النافذة المغلفة بالظلام. لم أنم تلك الليلة. مكثت ساعات أتأمل السقف المتشقق، أسمع أصوات المدينة الليلية: صفير قطار بعيد، نباح كلب مبحوح، وخطوات خفيفة على حجارة الزقاق تحت نافذتي. خطوات كانت تتوقف كل بضع دقائق، ثم تستأنف. وفي إحدى المرات، سمعت صوتاً مختلفاً، ليس خطوات، بل شيئاً يُجرّ على الحجارة. ثم صمت.

في الفجر، عندما بدأ القمر الأخضر يخفت والأحمر يشتد، نهضت ونظرت من النافذة مرة أخرى. الزقاق كان فارغاً، لا جثة، لا وحش، لا أثر لأي شيء. كأن ما رأيته كان حلماً.

لكن أسناني كانت ترتجف، ويدي كانت لا تزال تحمل البطاقة النحاسية، وشعري كان لا يزال يحتفظ ببرودة القمرين.

وعندما هممت بإغلاق النافذة، رأيت شيئاً. على حافة النافذة الخارجية، كانت هناك عظمة صغيرة، نظيفة تماماً، كأنها غُسلت بالماء والملح. كانت بيضاء كالثلج، وفي وسطها نقش غريب: دائرة بداخلها هلالان، واحد أخضر وآخر أحمر. التقطتها، ووزنها كان خفيفاً بشكل غير طبيعي، كأنها مصنوعة من عظم طائر لا يُعرف.

وضعتها في جيب معطفي، دون أن أعرف لماذا. شعرت بأنني أحمل سراً لا أفهمه.

جلست على حافة السرير، وانتظرت شروق شمس لا أعرف لونها. في ذهني، كانت الأسئلة تتزاحم: من ذلك الرجل صاحب المعطف الأخضر؟ ما ثمن مساعدته؟ ما تلك العظمة؟ من كان ذلك المخلوق؟

ولم أجد إجابة واحدة.

لكنني عرفت شيئاً واحداً: في جيبي، بجانب العظمة، وضعت بذور التفاح الأزرق التي اشتريتها في طريقي إلى الفندق. لا أعرف إن كنت سأزرعها، أو آكلها، أو أرميها. لكنني عرفت أن في هذا العالم، حتى البذور تحمل أسراراً.

كانت هذه أول ليلة لي في العالم الجديد. وكانت البداية فقط.

لأن هناك أشياء كثيرة لم أفهمها بعد. وأشياء أخرى كانت تنتظرني في الظل.

---

نهاية الفصل الأول

2026/07/10 · 6 مشاهدة · 2495 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026