الفصل الثاني: مملكة فارسا

---

تلك الليلة لم تكن للنوم. كانت للتفكير، وللخوف، ولتلك الحكة التي تسكن مؤخرة العنق حين يشعر المرء بأنه مراقَب. كلما أغمضت جفنيّ، عادت إليّ صورة العظمة البيضاء المعلقة في الظلام الداخلي، وصورة ذلك المخلوق يلوح بأنيابه الملطخة، وصورة الرجل ذي المعطف الأخضر وهو يهمس: "ستدين لي بشيء... حين أسألك عنه، لا تسأل لماذا."

نهضت قبل أن يكتمل الفجر. تحت سماء يتصارع فيها ضوءان، أخضر يخفت كذكرى بعيدة، وأحمر يشتد كغضب صامت. ألبستُ معطفي الأزرق الغامق، وتلمستُ جيبي، فأصابعي صادفت شيئين: العملات الفضية الباردة، وتلك العظمة الغامضة التي مازلتُ لا أفهم سرّها. كان نقشها يحكّ أناملي كأنه يحاول إخباري بشيء، لكن لغته كانت أعمق من أن أفهمها.

خرجت من الفندق متسللاً، متجاوزاً مارتا التي كانت تغفو على كرسيها، وشخيرها يخرج كخرير ماء بطيء. الباب الخشبي صرّ تحت يدي صريراً كئيباً، ثم انزلقتُ إلى الشارع حيث كان الهواء بارداً ورطباً. تحت قدميّ، كانت الحجارة تلمع بطبقة رقيقة من الندى، ورائحة الفحم والتراب والحديد الممزوجة بالرطوبة تصعد إلى أنفي كخيوط من دخان متشابك، تذكرني بأنني في مكان مختلف، مكان لا أعرف قوانينه بعد.

المدينة في ساعات الليل المتأخرة كانت كائناً مختلفاً. الشوارع الضيقة المرصوفة بالحجارة تنساب بين المباني القديمة كعروق في جسد نائم. المصابيح الغازية كانت تخفت وتشتد بإيقاع غير منتظم، كأنفاس مدينة تحلم بأحلام مزعجة. مشيت بلا وجهة، أتبع قدَّيَّ حيثما قادتاني، وربما كنت أبحث عن إجابات، أو ربما كنت أهرب من أسئلة لم أجرؤ على طرحها بعد.

المتاجر التي مررت بها كانت مغلقة، واجهاتها الخشبية القديمة تحمل نقوشاً لأسماء غريبة لا أعرف كيف أنطقها. في نافذة أحدها، رأيت دمية خشبية ترتدي ثوباً أحمر بالياً، عيناها الزرقاوان تحدقان في الليل كأنهما ترى ما لا يراه البشر. وقفت أمامها لحظة، وشعرت كأنها تنظر إليّ، كأنها تقول شيئاً لا أستطيع سماعه، لكني أفهمه بعمق: "أنت غريب هنا. وكل الغرباء يدفعون ثمناً."

هززتُ رأسي وتابعتُ طريقي، حتى انتهى بي المطاف في الميدان الواسع في قلب المدينة.

هناك، تغير كل شيء. كانت الأضواء أكثر كثافة، والحياة أكثر صخباً مما ينبغي لساعات الليل المتأخرة. ناس يمشون، ناس يتحدثون، ناس يدخلون ويخرجون من حانات ومقاهٍ مازالت مفتوحة. رائحة طعام غير مألوفة تصاعدت من عربة خشبية يقف بجانبها رجل بدين ينادي بصوت أجش، وامرأة تحمل سلة خبز تمر بجانب طفلين يركضان بين الأرجل ويضحكان كجرس مكسور. كان المشهد حياً، لكنني شعرت بأنني لست جزءاً منه. كنت واقفاً على الحافة، خارج الإطار، كظل زار حياة لا تخصه.

ثم رأيته.

في الجانب الآخر من الميدان، تحت عمود إنارة يتلألأ بوهج برتقالي، وقف رجل طويل نحيل يرتدي معطفاً بنياً وقبعة مستديرة منخفضة الظلال. لم يكن يتحرك، كان فقط يقف وينظر. وعيناه كانتا مثبتتين في وجهي بثقل لا يمكن تجاهله، كأنهما تقولان شيئاً لا يحتاج إلى كلمات: "أراك. أعرف أنك لست هنا. وسأعرف السبب."

تذكرتُ نصيحة أمي القديمة: حين يحدق بك أحد، لا تحرك عينيك بسرعة، فالحركة المفاجئة تكشف الخوف. أبقيتُ نظري ثابتاً لوهلة، ثم حرّكته ببطء كأنني أتأمل الميدان كله، ونظرته كانت مجرد جزء من المشهد. كان التمثيل صعباً، وكاد قلبي يخونني، لكنني تمكنتُ من الانزلاق نحو متجر أحذية على طرف الميدان.

واجهته الزجاجية كانت تعكس أضواء الغاز والمارة، فوقفت أمامها أتظاهر بفحص حذاء معروض، بينما كانت عيناي تبحثان عن الرجل في الانعكاس. كان ما يزال هناك، صامداً كتمثال. شعرت بظهري يثقله نظره، كأن عينيه كانتا ترسمان خطاً نارياً على قفاي، وكلما حاولت تجاهله، ازداد الإحساس ثقلاً، كأنه يقول: "لا تهرب. سأعرف أينما ذهبت."

ثم رأيتُ ما بداخل المتجر، ونسيتُ كل شيء آخر.

كان هو. المستذئب. لكنه لم يعد ذلك المخلوق المفترس من الليلة الماضية. كان الآن رجلاً في الأربعين، يرتدي قميصاً أبيض وسروالاً رمادياً، يقف أمام رف أحذية يقلب حذاءً أسود بين يديه باهتمام رجل عادي. وجهه كان هادئاً، بشرياً تماماً، كأنه موظف يبحث عن حذاء ليوم جديد. انعكاسه في الزجاج كان عادياً، لا شيء يوحي بأن هذا الرجل نفسه كان قبل ساعات وحشاً يأكل الجثث.

لكنني عرفته. عرفت تلك الأكتاف العريضة التي تخفي قوة لا تُرى، وتلك اليدين الكبيرتين اللتين يمكنهما تمزيق اللحم كالورق، وتلك الطريقة التي يقف بها، كأن جسده يستعد للانقضاض حتى وهو ساكن. تراجعتُ ببطء واختبأت خلف عمود حجري قريب، وأنا أراه يرفع الحذاء، يفحصه، يعيده. كان عادياً جداً، وكأن تلك الجثة التي التهمها، وتلك النظرة التي تبادلناها، كانت مجرد حلقة من كابوس لم يحدث.

ثم شعرت به قبل أن أسمعه.

لم تكن هناك خطوات، ولا حصى يتحرك تحت حذاء، ولا صوت نفس ثقيل. كان فقط حضوراً، ثقلاً في الهواء خلفي، كأن الظل نفسه تجمع وتشكل ووقف هناك. ثم جاءت الكلمات، ناعمة وحادة كحافة سكين غير مرئية: "يبدو أنك لست طبيعياً كما كنت أظن."

ارتجفتُ والتفتُ، فوجدت الرجل البني المعطف واقفاً بجواري، يداه في جيوبه، عيناه الداكتان تحدقان في وجهي. لم أسمع اقترابه، لم أسمع وصوله. كان هناك فجأة، كما لو أنه كان دائماً هناك، وكنت أنا من لم أنتبه. وقفتُ وقلبي يخفق، ويدي ترتجفان، وفمي مفتوح دون كلمات.

ثم هربت. لم أخطط لذلك، لم أفكر. ساقاي تحركتا قبل عقلي. عبرت الميدان راكضاً، أتجاوز المارة، أصطدم بكتف رجل عجوز كاد يسقط، أسمع صيحات استغراب خلفي، وصوت امرأة تصرخ بشيء لم أفهمه. ظهري كان لا يزال يشعر بنظرات الرجل تثقبه، كأن عينيه كانتا تتبعاني كظل لا يُفارق. ركضتُ أسرع، أتجنب العربات، أتخطى الحجارة الزلقة، وأنا أسمع دقات قلبي في أذنيّ كطبول حرب، والهواء البارد يدخل رئتيّ كسكاكين صغيرة.

ركضتُ حتى ضاقت الشوارع، حتى صارت المباني أكثر اتساخاً وأقل إضاءة، حتى توقفتُ في ساحة صغيرة خالية محاطة بأبنية مهجورة، نوافذها مكسوة بالغبار والعناكب. وقفتُ هناك ألهث، يدي على ركبتي، وأنفاسي تخرج بسرعة كأنني أحاول استنشاق الهواء كله دفعة واحدة. رفعتُ رأسي لألتقط أنفاسي، وما كدتُ أتنفس حتى تجمّدتُ.

كان هناك. الرجل البني المعطف. يقف على بعد ثلاث خطوات، ينظر إليّ بهدوء مريب. لم يكن قد ركض، لم يكن قد لهث. كان كالظل، وحده الصامت الذي يتبعك دون أن تسمع خطواته، كالحقيقة التي تظن أنك هربت منها فتجدها تنتظرك في المحطة التالية. وقفتُ وقلبي يكاد ينفجر، ونظرتُ إليه بعينين واسعتين، وعرفت في تلك اللحظة أنني لن أستطيع الهروب منه، ليس لأنني خائف، بل لأنه كان يعرف طريقي قبل أن أعرفه أنا، وكانت خطواته لا تُسمع.

"هل تعبت؟" سألني. نبرته كانت هادئة، لكن فيها نغمة ساخرة خفيفة، كمن يسخر من محاولة هروب يائسة.

ثم قال اسمه: بِس. نطقه بهدوء كمن يلقي تحية على صديق قديم. وأردف أن السؤال الأهم ليس من هو، بل من أنا. كانت كلماته تنساب كالماء، هادئة لكنها تحمل في طياتها تياراً جارفاً. وقفتُ أمامه، وقلبي لا يزال يخفق، وحاولتُ تمثيل دور اليتيم، وذكرتُ تلك الحكاية المنسوجة عن الميتم ومدرسة بيكر.

لكنه لم يتركني أكمل.

ابتسم ابتسامة باردة، هز رأسه كمن يستمع إلى نكتة قديمة، ثم قال إن ذاكرته فوتوغرافية، وإنه لا يذكر أي كينج في ميتم زيكسل. قال إن الميتم أُغلق منذ عامين، وإن آخر طفل غادره كان طفلاً صغيراً اسمه ماكس، ذهب إلى عائلة بالتبني في الشمال. ثم أضاف شيئاً جعل الدم يتجمد في عروقي: سأل عن الرجل الذي سهّل لي هويتي، وقال إنه لن يخاطر لأي شخص عادي، فلماذا ساعدني؟

لم يجب، لكن السؤال كان كفيلاً بأن يجعل الأرض تتزحزح تحت قدميّ. كل ما بنيته من كذبات كان ينهار كبيت من ورق في عاصفة. وقفتُ هناك، أنظر إليه، وأفكر في كلماته، وفي تلك النظرة التي لم تترك عينيّ منذ لحظة وصولي إلى هذه الساحة.

ثم قال شيئاً آخر. قال إنه ينتمي إلى نظام قديم في هذه المملكة، نظام يعمل في الظل، يطارد المجرمين بطريقة لا تقيدها القوانين. كان يتحدث بغموض، كمن يختار كلماته بعناية، وكأنه يخشى أن تسمعه الجدران. ثم نظر إليّ بعينين ثاقبتين، وصمت لوهلة، كأنه يقرأ ما في داخلي قبل أن ينطق. ثم قال إنه يعرف أنني رأيته، وأنني رأيته يأكل جثة.

لم أستطع الكذب. لم أستطع حتى التحدث. اكتفيت بالإيماء، ورأيت عينيه تتسعان لوهلة، كمن يجد كنزاً في مكان لا يتوقعه. وقفتُ هناك، أنظر إليه، وأشعر بوزن كلماته يهبط على كتفي. ثم قال إنني سأساعده، سأكون الطعم، وسيفعل الباقي. لم يكن سؤالاً، بل قراراً.

---

عدتُ إلى الميدان تحت وطأة صمت ثقيل. الساعة كانت تقترب من الرابعة صباحاً، والحيوية بدأت تخفت تدريجياً. بعض المتاجر أغلقت، وبعض المارة تفرقوا إلى منازلهم، وصوت ضحكات الأطفال خفت حتى اختفى، تاركاً الميدان فارغاً إلا من أضواء الغاز التي كانت تومض بصمت.

المستذئب كان ما يزال في المتجر، لكنه بدأ يحرك جسده ببطء كمن يستعد للمغادرة. وقفتُ أمام الواجهة الزجاجية، ومشيتُ ببطء، وأنا أعلم أنه يراني.

رفع عينيه، نظر إليّ، ثم ابتسم. تلك الابتسامة كانت أبطأ من الأولى، وكأنه يقول شيئاً بلا كلمات: "أراك يا صغيري. أعرف أنك تعرف. وسنلتقي قريباً." انعكست عيناه للحظة في الزجاج، امتزجتا بلون أصفر خافت كصفار البيض الفاسد، ثم عادتا إلى طبيعتهما.

هذه المرة، لم أرفع نظري بسرعة، ولم أتظاهر بأنني لا أراه. أبقيتُ نظراتي ثابتة، وابتسمتُ ابتسامة بطيئة، متعمدة، خفيفة، كمن يقول: "أراك أيضاً. وأنا جاهز." اختفت ابتسامته، وحل محلها تعبير كان أشبه بالغضب، أو الفضول، أو ربما الجوع. أدار ظهره وخرج من المتجر، ومشى بسرعة دون أن يلتفت، وابتلعته ظلال الميدان كأنه لم يكن هناك.

في ذلك المساء، تحت ظلمة الليل العميقة التي تكاد تكون مطلقة لولا ضوء القمرين، وقفتُ في الزقاق بجانب متجر الأحذية. الزقاق كان ضيقاً، جدرانه من الطوب الأحمر القاتم الذي تبدو عليه آثار الزمن والعفن، ورائحة الصرف الصحي والرطوبة تملأ الهواء كأنفاس ثقيلة. كانت كل الخلايا في جسدي تصرخ بأن أرحل، بأن أهرب، لكن قدميّ بقيتا ثابتتين، كأن خوفاً أكبر كان يشدني إلى المكان: الخوف من أن أكون جباناً في أول اختبار حقيقي في هذا العالم الجديد.

سمعتُ الخطوات قبل أن أراه. كانت ثقيلة، غير بشرية، كأن الحجارة تتأوه تحت وطأتها. ثم خرج من الظلام، وقد تضخم جسده حتى أصبح ضعف حجمه الطبيعي، وتمزقت ملابسه لتكشف عن جلد رمادي خشن مغطى بشعر كثيف، ووجهه تشوه إلى خطم حاد فيه أنياب طويلة لامعة، وعيناه صفراوان حادتان تحترقان بجوع قديم. رفع يده، ومخالبه تمددت كخناجر حية، ونظر إليّ كأنني فريسة هربت منه مرة، ولن تهرب هذه المرة.

انقضّ عليّ بسرعة الصاعقة، وكدت أُفنى لولا غريزة حركتني في اللحظة الأخيرة. جسده الضخم ارتطم بجدار الطوب خلفي، فتحطمت الحجارة كبسكويت قديم تحت ثقله. لكن الثانية كانت أسرع مما توقعت. شعرتُ بمخالبه تغوص في صدري قبل أن أرى حركتها، اخترقت القماش، ثم اللحم، وغرست بعمق حتى كادت تلمس العظم. سقطتُ على الأرض، أتلوّى من ألم حاد كجمرة ملتهبة تدخل جسدي، ثم من ألم أعمق وأكثر برودة، كأن شيئاً ما كان ينتزع شيئاً آخر من داخلي.

فتحت عينيّ، ورأيت المستذئب يقف فوقي، جسده الضخم يحجب القمرين، وظله يغمرني كليل لا ينتهي. فتح فمه الواسع، وأسنانه تتلألأ كخناجر مصطفة، وكنتُ أعرف أن هذه هي النهاية.

لكنها لم تأتِ.

لم أسمع شيئاً. لا خطوات، لا حصى يتحرك، لا صوت قطع للهواء. كان فقط أن الظلام انفتح فجأة، ووهج أزرق ملأ الزقاق، ووجدت بِس يقف بيني وبين المستذئب. كان قد قفز من فوق سطح المبنى، معطفه البني يرفرف كجناحين مكسورين، وفي يده سيف قصير لا يزيد طوله عن ذراعه، يتوهج بضوء أزرق كالبرق المحبوس في معدن. لم يتحدث، فقط وقف هناك ينظر إلى المستذئب بعينين هادئتين، كمن يرى وحشاً تعود على رؤيته.

وهنا، في تلك اللحظة، شممت رائحته. كانت غريبة، كالورق القديم والبارود، كأنه يحمل في ثناياه ذكريات معارك لم تخض بعد، وكأن جسده كان مستودعاً لأيام لم تأتِ بعد. تذكرتها جيداً، لأنها كانت آخر شيء وعيت به قبل أن يبدأ القتال. وفي صمت خطواته، كان هناك شيء آخر: حضور لا يُفسر، كأنه لم يكن يقف على الأرض بل يطفو فوقها بمسافة شعرة.

انقضّ عليه المستذئب بشراسة، مخالبه تمددت كخناجر حية، لكن بِس تحرك كراقص يؤدي رقصته الأخيرة، تفادى المخالب بمسافة شعرة، ثم غرز سيفه في يد الوحش. وعندها حدث الشيء الذي لم أنساه منذ تلك اللحظة: خرج من السيف برق أزرق كثيف، كأن السيف نفسه كان وعاءً لعاصفة محتجزة. صعق المستذئب فاهتز جسده كأن زلزالاً يمر من خلاله، ثم انهار على الأرض بثقل هائل، وعاد شكله بشرياً تدريجياً، كأن الوحش كان مجرد قناع يخلعه صاحبه بعد انتهاء الحفلة.

سقطتُ أيضاً، أو ربما كنت قد سقطتُ قبل ذلك. لم أعد أميز. جرحي كان ينزف بغزارة، وملابسي ملطخة بدماء كانت تنساب بين أصابعي كخيوط حمراء دافئة. لكن الألم بدأ يخفت شيئاً فشيئاً، ليحل محله شعور غريب: إحساس بالدفء يتسلل من الجرح، كأن شيئاً ما كان يلتئم من تلقاء نفسه، كأن جسدي كان يتعلم شفاء نفسه في هذا العالم الجديد.

جلست بِس بجواري، ونظر إليّ بهدوء كمن يفحص شيئاً غريباً وجده في طريقه. كانت عيناه الداكتان تتأملانني. تأملني، ثم تأمل جرحي الذي كان يلتئم ببطء، ثم عاد إليّ بنظرة مختلفة، كأنه رأى شيئاً لم يتوقعه.

ثم قال شيئاً غامضاً. كلماته لم تكن مباشرة، لكن رسالتها كانت واضحة كالنور في الظلام: أنني لم أعد غريباً، لم أعد عابراً، لم أعد مجرد لاجئ بلا هوية. أنني الآن جزء من هذا العالم، جزء من حكاية أكبر مني، جزء من مملكة اسمها فارسا.

رفعني بِس كأنني لا وزن لي، وجسده القوي حملني بخفة غريبة. لم أسمع خطواته وهو يمشي بي، كانت مجرد حركة صامتة عبر شوارع الليل، كأنه يطفو فوق الحجارة، وكأن جسده لا يريد أن يترك أثراً في هذا العالم. بين الوعي والغيبوبة، وبين الألم والرضا، رأيت القمرين من فوقي، أخضر وأحمر، وهما ينظران إليّ كأنهما يشهدان لحظة ولادتي الثانية. تذكرت العظمة في جيبي، وتذكرت نقشها: دائرة وهلالان، أخضر وأحمر، وكأنها كانت علامة مملكتي الجديدة، علامة تلك المملكة التي كان بِس قدماً من قدمائها، تلك المملكة التي خطوات أبنائها لا تُسمع.

أغمضت عينيّ، وتركت جسدي يطفو في ظلام دافئ، وأنا أعرف أنني عندما سأفتحهما مجدداً، سأكون في مكان جديد، بحياة جديدة، وبأسئلة لا حصر لها تنتظر إجاباتها.

لكن قبل أن أغيب تماماً، سمعت صوته مرة أخرى، هامساً بشيء لم أفهم كلماته، لكنني فهمت روحه. كان يقول إنني الآن واحد منهم، وإن مملكة فارسا كانت تنتظرني منذ وصولي إلى هذا العالم، وإن العظمة التي وجدتها على نافذتي لم تكن صدفة.

ثم صمت، وحملني في صمت خطواته التي لا تُسمع، نحو مكان لا أعرفه، نحو مستقبل لا أراه.

وكنت أعرف أن الأسئلة كانت تنوي الانتظار، ولم تكن تنوي الانتظار طويلاً.

---

نهاية الفصل الثاني

2026/07/10 · 4 مشاهدة · 2197 كلمة
K1NG
نادي الروايات - 2026