قاده الخادم عبر ممرات القصر حتى توقفا أمام باب ضخم من الخشب الداكن المنقوش بأشكال هندسية دقيقة. فتحه بهدوء.
الغرفة كانت كبيرة ، جدرانها مكسوة برفوف ممتدة من الأرض حتى السقف، مليئة بملفات ومجلدات مرتبة بعناية. في المنتصف مكتب واسع من الخشب الداكن ذاته، سطحه مغطى بأوراق وخرائط وأختام. ضوء النهار يتسلل من نوافذ طويلة خلف المكتب، يرسم ظلالاً متوازية على الأرض.
وخلف المكتب، جالسة بظهر مستقيم — فتاة بشعر أسود داكن وعيون سوداء عميقة.
هي.
عرفها دان على الفور. نفس ملامح وجهه الجديد.
رفعت رأسها من الأوراق وتوقفت عن الكتابة. نظرت إليه بثبات.
“إذاً دان.” قالتها ببرود. “هل تعرف لماذا طلبت مجيئك؟”
“كلا.” أجاب بصراحة تامة.
نظرت إليه بغضب واضح، كأن إجابته كانت استفزازاً بحد ذاتها.
هل قلت شيئاً خاطئاً؟
“لا تعرف.” كررتها ببطء، كأنها تتأكد من سماعها بشكل صحيح. ثم وضعت قلمها على المكتب.
“هاجمت إحدى الفرسان دون سبب. وأشعلت النار في الحديقة مرتين.”
قلت هذا سابقاً. صاحب هذا الجسد مجنون حقاً.
“أنا آسف.” قالها دان بهدوء.
تنهدت بعمق، كأن هذا المشهد تكرر حتى يأست منه.
“على أي حال، ستُعاقَب الفارسة. لكن لا تتوقع الكثير — أنت المخطئ في المقام الأول.”
“في الواقع …” قال دان بنبرة عابرة. “أظن أنه لا داعي لمعاقبتها على الإطلاق.”
توقفت. نظرت إليه بعيون ضاقت قليلاً.
“لماذا؟ هذا ليس طبعك. اعتقدت أنك ستطالب بتعذيبها.”
توقف دان.
لا أعرف كيف أجيب على هذا.
“على أي حال.” قالتها بنبرة تُغلق الموضوع. “كيف حال تدريبك؟”
أجاب الخادم بأدب: “السيد الشاب توقف عن التمرين منذ أسبوعين، يا سيدتي.”
“هكذا إذاً.”
تغيرت ملامح وجهها ببطء. جاءتها ابتسامة لا تحمل أي دفء.
“لنذهب إلى ساحة التدريب.”
“مهلاً، أنا متعب قليلاً—”
“لا أعذار.” التفتت للخادم. “اولدريك جهّز الساحة.”
“حاضر، يا سيدتي.”
كانت ساحة التدريب واسعة مكشوفة، أرضها مرصوفة بحجارة رمادية داكنة. على جوانبها رفوف خشبية تحمل أسلحة متنوعة — سيوف بأحجام مختلفة، رماح، أقواس، خناجر. كل شيء مرتب بعناية كأنه لم يُلمس منذ زمن.
مد أولدريك سيفاً لدان وآخر لألينا.
مهلاً. هذه سيوف حقيقية. هل هي جادة؟
نظر إلى السيف في يده. كانت المرة الأولى في حياته يحمل فيها واحداً.
حاول أن يتراجع خطوة للخلف.
لكنها لم تهتم.
انقضت عليه بسرعة لم يتوقعها. حاول صدها — فشل. اصطدم السيف بكتفه بالجانب المسطح وارتد متعثراً.
حسناً. إذاً هي جادة.
ما تلا ذلك لم يكن تدريباً بالمعنى الحقيقي. كانت ألينا تتحرك بثقة مطلقة، هجماتها منضبطة ومحسوبة. لم تستهدف أي نقطة حيوية، ولم تتركه ينزف — لكنها لم تترك له أي مكان آمن أيضاً. ضربات على الساقين، على الذراعين، على الظهر.
كان المثير للشفقة أنه كلما بدا مستوى دان أسوأ، زاد غضب ألينا واشتدت ضرباتها.
كل ضربة بالجانب المسطح للسيف، مؤلمة بما يكفي ليتذكرها لأيام.
هذا ليس تدريباً. هذا تعذيب.
بعد عشر دقائق كان دان يلهث بصعوبة، وجسده يشتكي من عشرين مكاناً في نفس الوقت.
نظرت إليه بتمعن بارد، ثم التفتت لأولدريك.
“مستواه مخيب للأمل.”
غادرت الساحة دون أن تلتفت.
ثم توقفت.
“أولدريك.”
“سيدتي؟”
“الفارسة تيا — أطلق سراحها.”
توقف دان عن اللهاث.
“ستتولى تدريبه.” أضافت ألينا بنبرة باردة. “أظن أن هذا عقاب مناسب للطرفين.”
ولم تنتظر رداً.
تنهّد دان ونظر إلى السماء.
الفارسة التي أسقطته أرضاً… ستصبح مدربته.
رائع.
عاد دان إلى الغرفه لايزال يشعر بالألم من تلقي الضربات لاحظ ان الطعام الذي سقط على الأرض قد تم تنظيفه بالفعل
ذهب إلى المذكرات راغبا باكمالها
تصفّح الصفحات بتمعن أكبر هذه المرة، حتى وقعت عيناه على سطر كتب بخط أكثر حدة من بقية الصفحات:
“ضعف موهبتي في عنصر الظلام يسبب اعتراض الشيوخ على جعلي رئيساً للعائلة.”
توقف.
عنصر الظلام.
شيء ما في هذين الكلمتين أوقد ذاكرته فجأة — صورة غلاف أسود، شرارات زرقاء، ووصف قرأه في لحظة لم يتخيل أنها ستكون الأخيرة في حياته.
ابتسم ابتسامة لا تخلو من مرارة.
“رائع. إذن أنا داخل رواية؟ تلك الرواية الكليشيهية بالذات.”
تنهد بعمق ووضع المذكرات على المكتب.
“حسناً… لا بأس.” قالها لنفسه محاولاً أن يصدق ما يقوله. “إن كان هذا العالم يملك ما يشبه السحر، فلا بد أن هناك طريقة للعودة إلى عالمي.”
وللمرة الأولى منذ استيقظ في هذا الجسد الغريب، شعر بشيء لم يتوقعه.
أمل.
انفتح الباب.
أدركت الخادمة على الفور أنها أخطأت — نسيت أن تقرع. خفضت رأسها مباشرة معتذرة، لكن دان قاطعها قبل أن تنطق.
“لا بأس حقاً.” ثم بعد ثانية: “ما اسمكِ؟”
رفعت نظرها بشيء من الريبة. “سيرا، يا سيدي الشاب.”
حاول دان أن يُظهر أكثر ابتسامة بريئة يستطيع. “لماذا أنتِ خائفة هكذا؟ هل فعلتُ شيئاً يستحق كل هذا الخوف؟”
أرادت سيرا أن تجيب لكن الكلمات لم تأتِ بسهولة. الحقيقة أن كل ما تعرفه عنه سمعته من الخادمات والعمال في القصر — هذه هي المرة الأولى التي تراه فيها وجهاً لوجه.
“كلا، يا سيدي الشاب.” صوتها هذه المرة كان أهدأ.
"إذن لا داعي لافتراض أنني شخص سيء من أول لقاء." ثم أضاف بنبرة أخف: "ربما لستُ مثالياً، لكن إن عرفتِني فلن تجديني بذلك السوء."
صمتت سيرا للحظة وهي تُقيّمه بعيون لم تقرر بعد إن كانت تصدق أم لا.
"ما الذي سمعتِه عني بالضبط؟"
ترددت سيرا للحظة، ثم قررت.
"إن كنت تريد أن تعرف يا سيدي… سأخبرك بما سمعته."
ابتسم دان
"الخدم… يتجنبون الممر المؤدي لغرفتك يا سيدي. حتى في وضح النهار. يفضلون الطريق الأطول على أن يمروا من هناك."
“أفهم.” قال دان بهدوء. الابتسامة في مكانها.
أومأت سيرا وواصلت. “وكان هناك خادمة… أحضرت لك الشاي ذات مرة.”
“ماذا حدث لها؟”
أحنت رأسها قليلاً. "رميته بوجهه يا سيدي. لأن الشاي لم يكن على ذوقك."
رميته بوجهها.
دان يبتسم.
"وهناك حارس… اقترب منك يوماً في الحديقة دون إذن."
"وماذا فعلت؟" سأل دان بنبرة فضولية تامة، كأنه يسأل عن شخص آخر.
"طعنته." قالتها بسرعة. "بقلم الرصاص. في عينه. ثم طلبت منه بهدوء أن يغادر وعدت لقراءة كتابك."
قلم رصاص.
بدأت الابتسامة تتصدع من الأطراف.
أخذت سيرا نفساً عميقاً.
"هذا ليس نهاية الأمر. عندما تم توبيخك من قبل السيدة الشابة… يبدو أنك شعرت بالذنب."
عند سماع هذا شعر بشيء من الراحة.
حسناً. صاحب هذا الجسد ليس سيئا بالكامل.
قالت سيرا بحذر أكبر هذه المرة، كأنها تزن كل كلمة قبل أن تنطق بها:
"قيل إنك ذهبت للحارس… وقمت باقتلاع عينك اليمنى. وأعطيته إياها قائلاً أن يأخذها بدلاً من عينه."
صمت.
"تمت إعادة عينك لمكانها بعدها."
تجمّد دان تماماً.
بدأ الصداع يشق طريقه ببطء.
فقد كل ما تبقى لديه من أمل.