شعر دان بوخز خفيف خلف عينيه.
قام بلمس عينيه للتحقق من مكانهما.
أرادت سيرا أن تواصل، فتحت فمها: "وهناك أيضاً تلك المرة عندما—"
رفع دان يده بهدوء.
"يكفي. يمكنكِ الذهاب الآن."
أومأت سيرا راغبةً بالذهاب، انحنت وتوجهت نحو الباب.
"مهلاً."
استدارت.
"بالمناسبة…" قال دان بنبرة عابرة متعمدة. "ماذا يقولون عن موهبتي؟ هل يتحدثون عنها أيضاً؟"
فكرت سيرا لحظة، ثم تذكرت وأجابت بعفوية تامة:
"أجل، يقال إن السيد الشاب هو الوحيد في العائلة الذي يملك موهبة ضعيفة في عنصر الظلام… وإنه عار عائلة نوكتاين."
سكون.
لم تنتبه سيرا لما قالته إلا بعد ثانيتين كاملتين.
شحب وجهها. مسكت أنفاسها. وبدأت عيناها تتلألآن بدموع تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تمنعها.
"لا بأس." قال دان بابتسامة خفيفة، صوته أهدأ مما توقعت.
أطرقت سيرا برأسها، وتنفست ببطء حتى هدأت.
ثم انحنت بسرعة. "إذن… إذا أذنت لي يا سيدي."
ولم تنتظر رداً.
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بحذر شديد، كمن يحاول ألا يوقظ وحشاً نائماً، رغم أن الوحش كان مستيقظاً طوال الوقت وكان يبتسم.
أخذ دان نفساً طويلاً ونظر إلى السقف.
أي نوع من المجانين كان صاحب هذا الجسد؟
مسك رأسه بيديه والصداع يشق طريقه ببطء.
الاستيقاظ في جسد نبيل مجنون.
أليست هذه رواية كليشيهية أكثر من اللازم؟
---
أخذ دان المذكرات وأكمل قراءتها.
الصفحات عشوائية بشكل مزعج. بل إن بعضها يتوقف في منتصف فكرة ويستمر بعد عدة صفحات.
توقف عند اسم لفت انتباهه.
كايل — فارس الأخ الأكبر. معزول. يمكن الاستفادة منه.
الأخ الأكبر... بذكر الأمر، لم أره حتى الآن. وماذا عن الوالدين؟
تنهّد وأغلق الموضوع في رأسه.
حسناً. لنكمل القراءة.
---
في الوقت ذاته، في ممر القصر.
خرجت سيرا بسرعة، خائفةً قليلاً من أن يتم مناداتها مجدداً.
رغم هذا، أصبح انطباعها أفضل عن السيد الشاب.
ليس سيئاً كما يقال عنه. في الواقع... يبدو طيب القلب.
لا بد أن الفتيات الأخريات كنّ يكذبن. يجب أن أوبّخهن لاحقاً.
لكنها توقفت فجأة.
انتظري...
هل قمت بإخباره عن أسرار الخدم؟
ماذا لو استدرجني لكي أتحدث؟
لا... لا يمكن.
أليس كذلك؟
---
مرّ يومان.
كانت الساحة هادئة في هذا الوقت من الصباح.
وقف دان ممسكاً سيفه الخشبي، ينتظر.
دخلت تيا.
شعر أسود قصير لا يتجاوز ذقنها، ملامح هادئة بشكل لافت — ليس البرود المصطنع الذي يراه في وجوه الخدم حين يخافون، بل هدوء حقيقي، كمن اعتاد الوقوف في وسط العاصفة دون أن يتزعزع. أمسكت سيفها الخشبي بيد واحدة وأخذت موقفها أمامه دون مقدمات.
لم تقل كثيراً.
أشارت إلى وقفته. نزلت وأصلحت زاوية قدمه بخطوة واحدة. ثم أومأت.
ابدأ.
هجم دان على الفور.
لم تتغير ملامحها. لم تتراجع. فقط أخذت تصحّح أخطاءه أثناء الهجوم — كلمة هنا، إشارة هناك — كأنها تُدرّس وتقاتل في نفس الوقت.
استمر حتى طار السيف الخشبي من يده.
تنهّد وانحنى ليلتقطه.
المرة الخامسة.
نظر إليها وهو يمسح العرق عن جبهته.
تيا — قليلة الكلام، لا يبدو عليها أي اهتمام بما يفعله. فقط تؤدي عملها.
أخذ موقفه من جديد.
بعد أن سقط للمرة السادسة، قالت أخيراً:
"هذا يكفي لليوم."
سحبت سيفها دون أن تلتفت إليه، وغادرت الساحة.
جاءت سيرا مسرعة بمنشفة.
"عمل جيد يا سيدي الشاب."
أخذ المنشفة ومسح العرق عن جبهته.
نظر دان إلى الساحة الرئيسية من حوله — ساحة فرسان عائلة نوكتاين. كان الفرسان يتدربون باستمرار على أطرافها.
في اليوم الأول كانوا يراقبونه باهتمام.
الآن لا أحد يلاحظه. أو بالأحرى — لا أحد يرغب بالتورط معه.
حسناً. لا يمكن فعل شيء بسبب سمعتي الفضيعة.
رفع بصره.
في طرف الساحة البعيد، واقفٌ بمفرده — رجل لا يتدرب ولا يتحدث مع أحد. فقط يراقب.
لم يلاحظه أحد من الفرسان. أو ربما تجاهلوه عمداً.
التفت دان نحو سيرا.
"من هذا؟"
نظرت سيرا في الاتجاه، ثم خفضت صوتها.
"هذا… كايل يا سيدي."
عند سماع هذا الاسم، شدّ انتباهه فجأة.
"لماذا يبدو وكأن أحداً لا يريد الاقتراب منه؟"
فتحت سيرا فمها بسرعة.
"بعد اختفاء السيد الشاب الأكبر، بدأت الشكوك تحوم حوله. كان فارسه الشخصي، فكان أول من وقع تحت الاشتباه." توقفت لثانية. "تمت محاكمته، لكن المحاكمة كانت سرية — لا أحد يعرف ما الذي جرى فيها بالضبط. لم تُؤكد خيانته… لكنه لم يُبرَّأ أيضاً."
نظرت نحو كايل بعيون تحمل شيئاً من الشفقة.
"فعزلوه من منصبه. وأصبح… هكذا."
صمت.
ثم رفعت نظرها نحو دان.
توقفت للحظة.
"سيدي الشاب… لماذا تسألني؟ أليس من المفترض أن تعرف هذا أكثر مني؟"
نظر إليها دان للحظة.
سؤال جيد.
"سيرا، أنا جائع. أحضري لي فطيرة."
تفتحت عينا سيرا بلمعان.
"فطيرة؟ بالتأكيد يا سيدي! هل تريد نفس النوع من بالأمس؟"
"نعم."
انصرفت بخطوات سريعة، نسيت سؤالها تماماً.
ابتسم دان وهي تبتعد.
في اليومين السابقين كانت تتحدث بحذر، لكن بعد أن شاركها الطعام والحلويات — وهذا وحده كان كافياً لتخبره بكل ما يريد وتحكي كل ما تعرفه عن القصر دون أن تدرك.
فتاة طيبة لكنها ساذجة.
نظر دان نحو كايل للحظة.
تذكّر ما قرأه في المذكرات.
ثم حوّل نظره.
هذا لا يعنيني.
---
بعد لحظات وصل دان إلى غرفته، ووجد سيرا هناك. كانت قد أحضرت الفطيرة ووضعتها على المكتب بحذر.
جلس دان وبدأ بالأكل.
بعد لحظة رفع نظره.
سيرا واقفة في مكانها، عيناها تتبعان الفطيرة بشكل لا إرادي.
ابتسم.
"سيرا."
"نعم يا سيدي؟"
"لم أعد جائعاً. خذيها."
اتسعت عينا سيرا. "أ… أنا لا أستطيع—"
"خذيها."
بعد أن أنهت الفطيرة، غادرت سيرا بخطوات خفيفة لا تخفي سعادتها.
دُق الباب.
دخل أولدريك بخطواته الهادئة وانحنى.
"سيدي الشاب، أود إبلاغك بأنه سيعقد اجتماع للعائلة غداً. بعد أحداث البوابة، رأت السيدة ألينا أن الوقت مناسب لجمع الشيوخ لمناقشة ما جرى."
"حضورك مطلوب يا سيدي."
"فهمت."
غادر أولدريك.
بقي دان وحده ينظر إلى السقف.
اجتماع العائلة .
ابتسم بمرارة.
لنرَ كيف سيسير هذا.