خلال حقبة الاستعمار الفرنسي للمغرب في القرن العشرين، عانى المغرب من أشد أنواع البطش والتعذيب والجرائم على يد المستعمر، وهو ما أشعل في قلوب كثير من المغاربة حب الوطن والغيرة عليه، فوقفوا في وجه الاحتلال محاولين طرده من الأراضي المغربية الشريفة. وفي إحدى القرى التي عُرفت بمعارضتها للمستعمر، وُلد بطل قصتنا، سالم.
عاش سالم طفولته كأي طفل عادي، يحب اللعب والاستكشاف وافتعال المشاكل. كان والده، عبد القادر، أحد أفراد المقاومة، وقد حلم سالم منذ صغره بالانضمام إليها، أما والدته فاطمة فكانت ربة منزل تهتم ببيتها وابنها الذي أحبها حبًا جمًّا.
وفي أحد الأيام خرج سالم إلى الصحراء ليلعب قليلًا، وأخذه الوقت حتى غربت الشمس. وبينما كان عائدًا، سمع دوي إطلاق النار، ولمح بعينيه البريئتين قريته التي وُلد وتربى فيها تحترق، والناس الذين كبر معهم يسقطون واحدًا تلو الآخر. ومن بينهم رأى أمه تركض طالبة النجدة، لكن أحد الجنود أطلق عليها النار فسقطت غارقة في دمائها. أراد سالم أن يهرع إليها، غير أن الخوف تغلب على شجاعته، فوجد نفسه يركض بكل ما أوتي من قوة نحو أعماق الصحراء.
ظل يجري يومًا كاملًا حتى أنهكه التعب، فاستلقى فوق صخرة ليستريح. وبينما هو كذلك شعر بلدغة مؤلمة، فقفز مذعورًا ليرى عقربًا سوداء ضخمة تبتعد عنه مسرعة. ارتعب سالم وأخذ يركض بحثًا عن أي مساعدة، لكن السم بدأ يسري في جسده، وما هي إلا دقائق حتى فقد وعيه، وهو لا يعلم إن كان سيفتح عينيه من جديد أم سيلحق بوالديه.
استيقظ سالم داخل كوخ قديم، ممددًا على سرير مهترئ، لا يدري كيف وصل إلى هناك ولا كيف بقي حيًا. وبينما كان غارقًا في التفكير، دخل عليه رجل عجوز يحمل إناءً من اللبن.
⌖ العجوز: أوه، لم أتوقع أنك ستنجو يا ولد.
⌖ سالم: من أنت يا عم؟ وما هذا المكان؟
⌖ العجوز: أنا إبراهيم، أعيش هنا وأرعى الغنم. قبل يومين وجدتك ملقى في الصحراء ويدك متورمة، فعرفت أنها لدغة عقرب، لذا أحضرتك إلى هنا. كنت أظنك ستموت لا محالة، لكن يبدو أن الله شاء غير ذلك.
شكره سالم، ثم سأله إبراهيم عن أهله وقبيلته، فقص عليه كل ما جرى لقريته وعائلته. تأثر العجوز بما سمع، بينما أقسم سالم في تلك اللحظة أن ينتقم ممن فعلوا ذلك بأحبته.
مرت السنوات، وكبر سالم وأصبح شابًا قويًّا شجاعًا. تعلم رعي الغنم والتجارة بصوفها ولبنها، وصار يساعد إبراهيم في كل أعماله. وفي أحد الأيام قصد البلدة القريبة ليبيع اللبن والصوف كعادته. باع اللبن للحاج جلال، ثم توجه إلى محل الخياطة زينب، لكنه لم يجدها، بل وجد فتاة في مثل عمره تقريبًا.
⌖ الفتاة: هي أنت، هل تحتاج شيئًا؟
⌖ سالم: أين الخالة زينب؟ أريد بيعها بعض الصوف.
⌖ الفتاة: آه، أنت سالم راعي الغنم. أمي ليست هنا الآن، لكنها أوصتني أن أشتري منك الصوف إن أتيت.
أخذت الصوف، وزنته، وأعطته ثمنه، بينما ظل سالم شاردًا في جمالها، فهي أول فتاة في نفس سنه يتحدث معها عن قرب منذ سنوات.
عاد سالم إلى الكوخ محملًا بالطعام، فاستقبله إبراهيم بفرح، لكنه ما إن عانقه حتى شعر بدوار شديد وسقط أرضًا. حمله سالم إلى السرير وظل ساهرا إلى جواره طوال الليل. وبعد ساعات، فتح إبراهيم عينيه بصعوبة.
⌖ إبراهيم: يا... يا ولدي...
⌖ سالم: نعم يا جدي!
⌖ إبراهيم: يبدو أن المرض اشتد علي، ولم يبق لي الكثير...
انهار سالم باكيًا، لكن إبراهيم طلب منه أن يتماسك، ثم أوصاه ألا يلتحق بالمقاومة، وأن يبيع الغنم وينتقل إلى حياة أفضل. واعترف له بأنه كان في الماضي أحد رجال المقاومة، وأنه رأى رفاقه يموتون واحدًا تلو الآخر، حتى انتهت مقاومتهم بالهزيمة.
وقبل أن يكمل حديثه، بدأ يحتضر شيئًا فشيئًا، بينما كان سالم يناديه باكيًا، حتى أسلم إبراهيم الروح بين يديه.
مع شروق الشمس، أدرك سالم الحقيقة المرة. دفن الرجل الذي أنقذه ورباه وعلمه، ثم أخرج الخرفان للرعي، لكنه ما إن لمس أحدها حتى سقطت ميتتًا أمامه. ظن في البداية أنه مرض معدٍ، فأبعد الخروف عن القطيع وألقاه في الصحراء.
لم تعد له رغبة في الرعي، فتوجه إلى البلدة ليخبر الناس بوفاة إبراهيم. حزن الجميع عليه، فقد كان رجلًا صالحًا حسن الخلق. وعندما وصل إلى محل الخياطة، قدمت له زينب التعازي، وبينما كان يغادر سمع صوتًا رقيقًا يناديه.
كانت حفصة، ابنة زينب، تقف أمامه بثيابها المحتشمة وملامحها الهادئة.
⌖ حفصة: أحسن الله عزاءك.
⌖ سالم: شكرًا.
⌖ حفصة: سمعت أنه لم يعد لديك من يرعاك، هل...
قاطعها سالم بلطف، معللًا انشغاله بإبلاغ بقية أهل القرية، ثم انصرف. شعرت حفصة بالحرج، وظنت أنه يكرهها، بينما لم يكن يشغل سالم سوى وحدته والذكريات التي تثقل صدره.
قرر أهل القرية إقامة جنازة تليق بإبراهيم، فتعاون الجميع على إعدادها. وبعد الصلاة عليه، جلسوا يستمعون إلى خطبة شيخ القرية، ولم يتمالك سالم نفسه فانهمرت دموعه.
انتهت الجنازة، وبدأ الناس يعزونه. كان أولهم الخباز أحمد.
⌖ أحمد: تقبل الله عزاءك يا ولدي.
⌖ سالم: آمين.
⌖ أحمد: إذا احتجت أي شيء، فباب مخبزي مفتوح لك دائمًا.
شكره سالم، فاقترب أحمد وعانقه، لكن العناق طال على غير العادة. حاول سالم إبعاده، فإذا بالرجل يسقط فجأة أمام الجميع. هرع الحاضرون إليه، لكنهم لم يجدوا فيه حياة.
وقف سالم جامدًا وهو يربط بين الأحداث... إبراهيم مات بعد أن عانقه، والخروف مات بعد أن لمسه، وها هو أحمد يسقط ميتًا بعد العناق.
خرج راكضًا من القرية وهو يصرخ:
{أنا... أجل، أنا السبب! أنا من قتلت جدي، والآن قتلت هذا الرجل الطيب! لماذا؟ هل أنا... قاتل؟!}
توقف في قلب الصحراء تحت ضوء القمر، وأخذ ينظر إلى يديه المرتجفتين وقد بدأت تظهر عليهما بقع سوداء، ثم خر على ركبتيه هامسًا:
{لماذا يحدث كل هذا...؟}
يــتــبــع...
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
إنستغرام الكاتب: uruma._.01@
تلغرام الكاتب: itz_shun1@