بعد قرابة عام، اندلعت معركة شرسة بين المقاومة المغربية والقوات الفرنسية. بدا وكأن رجال المقاومة قد هُزموا وبدؤوا بالانسحاب، فتقدم الجنود الفرنسيون لجمع غنائمهم. وبينما هم منشغلين، لمح أحدهم جثة شاب في مقتبل العمر لم يتجاوز العشرين، وقد غطت بقع سوداء كفَّيه.

اقترب منه بحذر، لكنه ما إن مد يده ليتحقق من موته حتى نهض الشاب فجأة، ووجه إليه لكمة واحدة أردته قتيلًا في الحال.

تراجع الجنود مذعورين، فقد سبق أن سمعوا عن شاب مغربي يمتلك قدرة مرعبة؛ فكل من يلمسه يلقى حتفه بعد أن ينتشر في جسده سم شبيه بسم العقارب، وقد عُرف بالبقع السوداء التي تغطي يديه. وقد تسبب في مذابح عديدة بين صفوفهم، حتى أصبحت القيادة الفرنسية تصدر أوامر مشددة بالقبض عليه حيًّا مهما كلف الأمر.

تقدم الشاب نحوهم بثبات، مكتفيًا بلكمة أو لمسة واحدة ليسقط الجنود تباعًا. حاولوا إطلاق النار عليه مع الحرص على تجنب إصابة أعضائه الحيوية تنفيذًا للأوامر، لكن الذهول سيطر عليهم عندما وجدوه يواصل التقدم رغم الرصاصات التي اخترقت جسده، وكأنها لا تؤثر فيه.

وفي تلك اللحظة، دوى صوت أحد رجال المقاومة:

"إنهم عائدون!"

عندها اتضح أن الانسحاب لم يكن سوى خدعة محكمة. فقد ترك رجال المقاومة الشاب وحده ليشغل الفرنسيين، بينما التفوا حولهم من الخلف وشنوا هجومًا مباغتًا. تشتتت صفوف القوات الفرنسية بين التصدي للهجوم ومحاولة إيقاف ذلك الوحش الذي يحصد رجالهم، لتنتهي المعركة بانتصار المقاومة وتحرير القرية.

بعد انتهاء القتال، نادى قائد المقاومة:

⌖ القائد: سالم!

⌖ سالم: نعم يا سيدي؟

⌖ القائد: أبليت بلاءً حسنًا. بفضلك حررت المقاومة أرضًا جديدة من أيدي أولئك الأوغاد.

⌖ سالم: هذا واجبي. إذا احتجتم إليَّ، فسأكون في الخيمة.

عاد سالم إلى خيمته، وبدأ يلف يديه بالضمادات خشية أن يلمس أحدًا دون قصد، بينما كانت ملامحه تغرق في حزن لا يفارقه. وما إن انتهى حتى استلقى ليستريح بعد يوم مرهق.

ومع طلوع الفجر، استيقظ على صرخات رجال المقاومة وهم ينذرون بعودة الفرنسيين. أمسك بندقيته واندفع مسرعًا نحو ساحة القتال. وكعادته، قلب سالم موازين المعركة، إلا أن أحد الجنود الفرنسيين لفت انتباهه؛ كان يتحرك بخفة غير طبيعية، يتفادى الرصاص والهجمات وكأنه يعلم مسارها مسبقًا. وكان رأسه ملفوفًا بالكامل بالضمادات، حتى بدا من المستحيل أن يرى أو يسمع.

شق ذلك الجندي طريقه وسط ألسنة اللهب ودخان المعركة، حتى وقف أمام سالم مباشرة، ثم قال باللهجة المغربية، بصوت بارد يخلو من أي مشاعر:

"أخيرًا وجدتك... أيها العقرب الثاني!"

استغرب سالم من هذا اللقب، وما إن استوعب كلماته حتى لمح خنجرًا مغروسًا في بطنه. اتسعت عيناه رعبًا ودهشة، فتراجع عدة خطوات وهو يهتف:

⌖ سالم: ماذا؟! ماذا فعلت؟!

ابتسم الفتى المجهول ابتسامة ساخرة وقال:

⌖ الفتى المجهول: أوهوه... كما توقعت، أنت لا تنزف.

خفض سالم بصره نحو الجرح، فتجمد في مكانه. كان الخنجر مغروسًا في بطنه بالفعل، ومع ذلك لم تسقط منه قطرة دم واحدة. رفع رأسه بذهول وسأل:

⌖ سالم: وما أدراك بهذا، أيها الغريب؟!

⌖ الفتى المجهول: يبدو من ردة فعلك أنك لا تفقه بعد حقيقة ما أنت عليه، ولا سبب امتلاكك لتلك القدرات العجيبة.

⌖ سالم: ماذا تعني؟

⌖ الفتى المجهول: ماذا أعني؟ ببساطة... أنا وأنت متشابهان. كلانا مجرد تجربة فاشلة من تجارب أولئك الأوغاد الفرنسيين. ألم تلدغك عقرب من قبل؟

ساد الصمت، بينما ارتسمت الصدمة على وجه سالم.

⌖ الفتى المجهول: إذًا فقد أصَبت. ألم تتساءل يومًا لماذا نجوت من تلك اللدغة؟ في الحقيقة، لم تكن تلك العقرب مجرد حشرة عابرة، بل إحدى تجارب المختبرات الفرنسية، صُممت لتحويل البشر إلى كائنات خارقة للطبيعة، تمهيدًا لصناعة جيش من الوحوش القادرة على غزو العالم بأسره.

⌖ سالم: وكيف وصلت إليّ؟ ما تفسيرك لذلك؟

⌖ الفتى المجهول: لا أدري... يبدو أنها هربت من المختبر، وانتهى بها المطاف بلدغ فاشل مثلك.

قبض سالم على يديه بغضب وصاح:

⌖ سالم: أيها الوغد!

ابتسم الفتى بسخرية وقال:

⌖ الفتى المجهول: رويدك يا فتى، فأنا أفهم شعورك. في الحقيقة، أشبهك إلى حد كبير. كنت أسير حرب، فقدت قبيلتي وكل من أحب، ثم انتهى بي المطاف كتجربة فاشلة. وإثر تلك التجربة فقدت حاستي السمع والبصر، إذ كنت أول من لُدغ بهذه العقارب المعدلة.

⌖ سالم: لهذا ناديتني بالعقرب الثاني... لكن لحظة، كيف تتحدث معي إذا كنت قد فقدت السمع؟

⌖ الفتى المجهول: صحيح أن تجربتي فشلت، لكنها لم تفشل بالكامل. فقد منحتني تلك العقرب قدرة استشعار هائلة، أستطيع بها رصد الأصوات والحركات بدقة مذهلة، مما يمكنني من توقع مسار الرصاص والهجمات وتفاديها. أما أنت، فقد حصلت على قدرة قتل أي شخص بمجرد لمسه... لكنك، مثلي تمامًا، لست سوى تجربة فاشلة.

⌖ سالم: ماذا؟! ماذا تقصد؟

⌖ الفتى المجهول: ألم تلاحظ أنك لا تنزف مهما تعرضت للإصابة؟ تلك ليست قدرة خارقة، بل لأن دمك قد بدأ في التخثر. وهذا يعني أن حياتك تسير نحو نهايتها. قد تموت بعد لحظات، أو غدًا، أو بعد سنة... وربما بعد خمسين عامًا. الأمر كله رهن بالحظ.

هوى سالم على ركبتيه، وأخذ يتقيأ بمرارة. وبعد لحظات من الصمت، أسند يديه إلى ركبتيه، وحدق في الأرض ثم قال بصوت يملؤه الغضب:

⌖ سالم: قد يكون كلامك صحيحًا... ولا أبالي إن مت اليوم أو غدًا، فأنا لم أعد أملك شيئًا. ولكنني لن أموت... أجل، لن أموت قبل أن أصفي حسابي معكم أيها الأوغاد! لقد قتلتم قبيلتي، وسلبتم مني عائلتي، وتسببتم في مقتل جدي، وما زلتم تغزون القرى وتستعبدون أهلها. لن أموت... قبل أن أذيقكم أضعاف ما أذقتموه لشعبي، ولأطردنَّكم من هذه الأرض مهما كلفني ذلك!

رفع سالم رأسه ونظر إلى الفتى الغريب بثبات وقال:

⌖ سالم: أفلن تخبرني باسمك؟ فأنا لا أريد دفن رجل دون شاهد قبر.

ابتسم الفتى ابتسامة باردة وأجاب:

⌖ الفتى المجهول: سأعتبرها أمنيتك الأخيرة. اسمي علي ابن قاسم... الرجل الذي سيغرقك في دمائك. آه، نسيت... هذا مستحيل، أليس كذلك؟

تبادل الاثنان نظرات ملؤها الحقد والغضب، ثم اندفع كلٌّ منهما نحو الآخر، بينما دوّت صرختهما في أرجاء ساحة المعركة.

يــتــبــع...

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

إنستغرام الكاتب: uruma._.01@

تلغرام الكاتب: itz_shun1@

2026/08/14 · 2 مشاهدة · 909 كلمة
Reda_Lhamdani
نادي الروايات - 2026