انطلق كلٌّ منهما نحو الآخر، وصرخاتهما تزلزل ساحة المعركة. وجَّه سالم لكمةً نحو رأس علي، الذي تفاداها هو الآخر بسرعة وخفة نحو الأسفل ليوجِّه قدمه نحو سالم ويسقطه أرضًا. لا يكاد سالم يستوعب ما حصل حتى يرمي علي نفسه فوق صدره ويبدأ في لكمه بشدَّة. يستمرُّ ويستمر... حتى تكاد لا تُعرف ملامح سالم من شدَّة الضرب.

وبينما كان علي يوجِّه لكماته، تحرَّك شيءٌ ما في داخله دفعه للتوقُّف فجأة. اغتنم سالم الفرصة، فرماه بعيدًا ليسحب بندقيته ويُطلق صوب علي. تمالك الآخر نفسه وتجنَّب الرصاصة بكلِّ براعة، مما دفع سالم للتراجع خطوتين ولكن بلا جدوى، فقد تمكَّن علي من الإمساك بالبندقية ورميها بعيدًا وسط ذهول سالم!

⌖ علي: هذه الألعاب لن تُجدي معي.

⌖ سالم: سحقًا!

بدأ سالم في توجيه اللكمات نحو علي بكلِّ غضب، بينما كان الآخر يتفاداها بكلِّ براعة، ليستغلَّ بعدها فرصة تعب سالم ويسدِّد نحوه لكمةً أبعدته بعيدًا. توازن سالم من جديد واستعدَّ للجولة الثانية، لكن قاطعه صوت أحد الجنود الفرنسيين: "توقَّفا حالًا!"

⌖ الجندي: ماذا دهاك يا علي؟ أوامرنا واضحة، اقبض على "العقرب الأول" بأسرع وقت ممكن!

⌖ علي: آه، آسف، حاولتُ لكنه كان أقوى ممَّا توقَّعت.

أبصر سالم أخيرًا محيط المعركة، وهنا كانت الصدمة! جميع أفراد المقاومة ساقطون أرضًا، بما فيهم القائد والنساء والأطفال، والناجون منهم أُسِروا في السلاسل. ارتعب سالم ممَّا رأت عيناه، إشتعل غضبًا واتَّجه نحو الجندي الذي كان يخاطبهم، وانقضَّ عليه بوابل من اللكمات رغم موته سلفًا بعد أوَّل لمسة. وبينما هو يُفرغ غضبه في جمجمة ذلك الجندي مجهول الاسم، ناداه علي قائلًا:

⌖ علي: رويدك يا فتى! في الواقع، عليَّ شكرك، فقد كنتُ أبغض هذا الشخص بغضًا شديدًا، ولكني لن أسمح لك بفعل المزيد.

التفَّ الجنود بسالم وحاولوا إمساكه، وظلَّ يُسقطهم واحدًا تلو الآخر، وسط ضحكات علي التي ملأت ساحة المعركة ودوَّت في قلوب الأسرى كالصخرة المتدحرجة من قمَّة الجبل. وما إن تزحزحوا حتى قضى سالم على كلِّ جندي حاول إمساكه، حتى توقَّف البقية عن المحاولة، فمن هذا الذي سيسير نحو حتفه بقدميه؟

⌖ سالم: ما بالكم أيُّها الأوغاد؟ أخرَّت قواكم؟ هل ابتلع أقدامكم الشلل؟ فليتقدَّم منكم من كان مستعدًّا لموته!

⌖ علي: كفاك تعجُّرفًا يا فتى، فهم ليسوا بنفس غبائك.

⌖ سالم: لا تتجرَّأ على مخاطبتي بهذه الطريقة أيُّها الخائن.

⌖ علي: خائن؟ كيف لك...؟!

⌖ سالم: أجل خائن! هؤلاء الحثالة يملكون دافعًا لأفعالهم وهو توسيع وخدمة بلادهم، رغم عدم تخويلهم هذا حقَّ اقتراف أفعالهم، لكنه يظلُّ دافعًا! أما أنت، فمجرد جُردٍ حقير خان وطنه وباع نفسه لمجموعة من الحثالة الذين قتلوا عائلتك وأبناء وطنك ويستمرُّون في اقتراف أشدِّ الجرائم فيهم. ماذا عرضوا عليك؟ الأموال؟ السلطة؟ مهما كان السبب فهو تافه، واحزر ماذا؟ أنت أسوأ منهم بمراحل!

⌖ علي: جُرد؟ حقير؟ حثالة؟! ها... ها... ها... ها... هاهاهاهاهاهاهاهاها... ها... هـ... آه... هِم...

وقف سالم وباقي الجنود مذعورين من ضحكة علي التي أثارت القشعريرة في قلوبهم!

⌖ علي: ما الذي تعرفه عني بالضبط، هاه؟! تتكلَّم بثقة وتكبُّر، كما لو أنَّك البطل الطيب الذي يستمرُّ في إنقاذ الناس، ولكن الواقع مختلف تمامًا! في الواقع... لم أكن دقيقا في السابق.

⌖ سالم: ماذا؟

⌖ علي: أخبرتُك سابقًا بأنِّي أسير حرب وبأنِّي فقدتُ عائلتي، لكن هذا غير دقيق. أنا لم أفقدهم، أنا... لَم أقدهم، أتفهمني؟ هؤلاء الحثالة يحتجزون أمي وأختي في سجونهم، وإن لم أتَّبع أوامرهم، إن لم...

يسقط علي على ركبتيه وسط حيرة سالم.

⌖ سالم: هيا أكمل! ماذا سيصنعون بهم؟

يبدأ علي في البكاء... بكاءٌ بلا دموع، فقط صرخة... صرخة باكية تفطِّر قلب كلِّ من سمعها. هذا مجرد شابٍ في النهاية، شاب عاش ما لا طاقة للرجال بتحمُّله، فقد حاسَّتَي بصره وسمعه، شاب اضطرَّ للعمل تحت قسوة الاستعمار لإنقاذ من يحب، تحامل على نفسه بكلِّ ما أوتي من قوَّة، تصنَّع القسوة وعدم الاهتمام لفترة، لكن كلمات سالم كانت القشَّة التي قصمت ظهر البعير!

وقف الجنود حائرين بينما يأمرون عليًّا بالوقوف والقبض على سالم، لتتلقَّفهم وابل من اللكمات القاتلة من سالم. يستمرُّ في قتلهم واحدًا تلو الآخر وهو يصرخ بكلِّ ما أوتي من قوَّة، لمدَّة نصف ساعة تقريبًا حتى يئس الجنود وتراجعوا هاربين، تاركين سالم والأسرى، وكذلك عليًّا، الذي كان لا يزال مستندًا على ركبتيه بملامح مخفيَّة، ويحاول استيعاب ما مرَّ به وما يحصل.

حدق به سالم بنظرات ملؤها الشفقة والأسف، واتَّجه نحوه قائلًا:

⌖ سالم: اسمع، أعرف أنَّ ما قلته كان قاسيًا وأنا أعتذر بشدَّة، لم أك...

⌖ علي: لا داعي للاعتذار، بل بالعكس، كلُّ ما قلته كان صحيحًا. ولكني متخوِّف الآن، فبعد الذي حصل وامتناعي عن مساعدتهم، قد... قد يفعلون ما لا يُحمد عقباه.

⌖ سالم: اسمع، أعرف أنَّ لقاءنا لم يكن لطيفًا، ولكن... هم لن يفعلوا شيئًا بعائلتك، لا تقلق!

⌖ علي: ما الذي ترمي إليه؟

⌖ سالم: هم ليسوا بأغبياء ليتخلَّصوا من الشيء الذي يتحكَّمون بك من خلاله، كما أنَّ خيانتك لم تثبُت بعد، لذا أنت في أمان في الوقت الحالي، ولكن...

⌖ علي: لكن؟

⌖ سالم: هذا الوضع لن يدوم. حتى لو عدت إليهم، سيتركونهم في السجون ولو أفنيتَ عمرك في خدمتهم، لكن إن وضعت يدك في يدنا، فسيغدو تحريرهم إضافةً إلى البلاد أقرب من كونه معجزة.

⌖ علي: أتمنَّى هذا! ولكننا لسنا الوحيدين.

⌖ سالم: ماذا تقصد؟

⌖ علي: في الواقع، يوجد المزيد من "العقارب" غيرنا، عددهم غير معلوم، وما أعرفه فقط أنَّهم ليسوا مغاربة مثلنا، وهذا يعني...

⌖ سالم: يعني...؟

⌖ علي: الفرنسيون لن يستخدموا سمَّ العقارب عليهم إلا إذا...

⌖ سالم: ماذا تعني؟

⌖ علي: تبا، أنت أغبى ممَّا توقَّعت! ببساطة هم ليسوا تجارب فاشلة مثلنا!

لم تعد قدما سالم قادرة على رفعه من شدَّة الصدمة، فهو حرفيًّا مضطرٌّ الآن لمواجهة خارقين أقوى منه، لا يدري كم عددهم، ولا كم مقدار قوَّتهم، ولا ما القدرات التي يتمتَّعون بها. حاول تمالك نفسه وحوَّل بصره نحو علي بنظرات تملؤها العزيمة.

⌖ سالم: قد يكون ما تقوله صحيحًا، قد لا تكون لنا فرصة أمامهم، ولكن... أنستسلم وحسب؟ قل لي؟

⌖ علي: ماذا؟!

⌖ سالم: قلتُ، هل نستسلم؟

نظر علي باتجاه سالم بكلِّ ذهول وقال بصوت خافت:

⌖ علي: لا

⌖ سالم: ماذا؟ ماذا قلت؟!

⌖ علي (بصوت أعلى): قلتُ لا!

⌖ سالم: صدقت! لا، ولن نستسلم لهؤلاء الأوغاد، سنحرِّر عائلتك، وكلَّ العوائل والأبرياء الذين سُلبت حريَّتهم على أيدي الأوغاد، أجل!

رفع سالم كمَّه حتى غطَّى يديه، ومدَّ يده مصافحًا نحو علي، الذي امتلأ هو الآخر حماسةً لهذه المصافحة. وبيدي رجلين متشبِّثتين ببعضهما، تبزغ الشمس معلنةً عن صداقة ستزلزل عروش فرنسا في القريب العاجل!

يــتــبــع...

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

إنستغرام الكاتب: uruma._.01@

تلغرام الكاتب: itz_shun1@

2026/08/14 · 2 مشاهدة · 1001 كلمة
Reda_Lhamdani
نادي الروايات - 2026