ليس هناك سوى إجابة واحدة، عما يجب أن نحيا لأجله.
وكإجابة على هذا التساؤل الوجودي، قررتُ أن أضع حداً لحياتي بيدي.
اسمي وهويتي الحقيقية هي فاليري، الأمير الرابع عشر من سلالة فولسونغ الملكية. ومع ذلك، فقد نشأتُ حتى سن العشرين كابن غير شرعي لآل وينسلو الكونتية، غافلاً تماماً عن أصلي.
والسبب في ذلك يعود إلى نظام وراثة العرش في مملكتنا؛ إذ يُنتزع الأمراء من أحضان أمهاتهم فور ولادتهم، ويتربون دون أن يعرفوا هوياتهم الحقيقية. وعندما يلفظ الملك أنفاسه الأخيرة، تُكشف لهم الحقائق، لتبدأ حينها رحلة الصراع المريرة بين الإخوة.
وببساطة، كان على المرء أن يقتل جميع إخوته وأبناء إخوته، ليبقى الوحيد على قيد الحياة ويجلس على العرش. لا يهم إن كنت كبيراً أو صغيراً؛ فإما أن تقتلهم جميعاً، أو تقتل أنت.
هذا النظام في توارث السلطة، الذي قد يبدو غريباً أو بربرياً، لم يكن إلا بقايا من تقاليد القبائل القديمة التي استمرت حتى بعد قيام المملكة. ففي الأصل، تأسست هذه البلاد قبل ستين عاماً حين غزا "النورديون" أراضي أستريا واستوطنوها.
أما السكان الأصليون الذين خضعوا لهذا الغزو، وهم الأستريون، فقد أطلقوا علينا اسم النورديين.
لم تكن وراثة العرش مجرد قانون صارم فحسب، بل كانت نوعاً من الطقوس الدينية أيضاً. فآل فولسونغ هم السلالة الأخيرة للآلهة الراحلة، وكان الناس يؤمنون بأن نجاة أمير واحد فقط ليصبح ملكاً، والإخلاص له، هو السبيل الوحيد لبلوغ الجنة.
وعلى الرغم من أن الأمراء يتمتعون بحماية خاصة قبل حسم العرش، إلا أن كل ذلك يتلاشى بمجرد موت الملك.
فحين يموت الملك، يبدأ الأمراء والنبلاء في حياكة المؤامرات والاغتيالات، بل ويخوضون الحروب من أجل تنصيب الأمير الذي يدعمونه ملكاً. ورغم تسميتها "وراثة العرش"، إلا أنها في الحقيقة صراع سلطة وحشي يجر البلاد بأكملها إلى الهاوية.
علاوة على ذلك، لم تكن منافسة عادلة قط؛ فبعض الأمراء يكتشفون هوياتهم مبكراً ويجمعون القوى حولهم، بينما يكون البعض الآخر أصغر من أن يخوض غمار مثل هذا الصراع.
في حالتي، وفي اليوم الذي مات فيه الملك، حاول الكونت أيثيلريد —الذي كنت أظنه والدي— قتلي فوراً. والسبب أن سيد الكونت كان يدعم أميراً آخر.
حينها فقط أدركتُ أنني أمير، وعرفتُ أن سلالة فولسونغ تمتلك سمة فريدة لا تُورث إلا من جهة الآباء.
يولد الأمراء وأعينهم تشع ضياءً. ومع مرور الوقت، يخبو ذلك الضياء، لكن يُقال إنه لا يختفي تماماً؛ فإذا تم استخدام شيء مثل ورق الكربون أو إذا نُظر إليها بتمعن في مكان شديد الظلمة، يظل هناك بصيص خافت يلمع في أعماق الحدقة.
كان الناس يقدسون هذه السمة؛ فمنهم من قال إن رجال سلالة فولسونغ يولدون والسيوف في أعينهم، ومنهم من أطلق عليها لقب نجمة الفجر.
لكن، وسواء كانت مقدسة أم لا، فإنها لم تكن ذات نفع في صراع البقاء. بل على العكس، كانت سراً يجب إخفاؤه بكل الوسائل.
بعد هروبي من قبضة آل وينسلو بصعوبة، لم أترك عملاً إلا وزاولته. كان البرد والجوع ألمين لا يضاهيهما شيء، وهما ما جعلاني إنساناً مستعداً لفعل أي شيء. تسولتُ في الشوارع، وقتلتُ بشراً من أجل كسرة خبز.
تحسنت أحوالي قليلاً عندما انضممتُ إلى نقابة اللصوص، لكن كان هناك نظام الحصص؛ مبلغ من المال يجب دفعه للنقابة سواء كان من النشل أو السرقة. ومن يعجز عن سداد حصته، تُقطع أصابعه.
وبسبب محاولتي مساعدة بعض الرفاق بقلب نقي، فقدتُ إصبعين من يدي اليسرى: الخنصر والبنصر.
بعد مرور ستة أشهر، عندما لم يعد ظلام الليل يخيفني وأصبح كالثوب المألوف لي، كُلفتُ بأول مهمة اغتيال.
كان الهدف بائع كلاب في حلبات الصراع، قيل إنه كان يختلس المراهنات. وبعد قتله، تخلصتُ من الجثة بتقطيعها وإلقائها للكلاب التي كان يسيء معاملتها.
بعد ذلك، قتلتُ شتى أنواع البشر: مرابين، كهنة فاسدين، خونة داخل النقابة، قوادين عاجزين، وسحرة منحرفين.
ومن خلال عملي كقاتل مأجور، تعلمتُ أمرين: الأول هو أنه لا يوجد إنسان في هذا العالم يستحيل قتله، والثاني هو أن قياس البشر بميزان الخير والشر أمر لا جدوى منه.
لكن النقابة كانت تختار ضحاياها لأسباب تجارية بحتة، ولذلك كان طموحهم محدوداً. فرغم سيطرتهم وترهيبهم للأزقة الخلفية، إلا أنهم لم يكونوا في عالم العمالقة سوى فئران تجد صعوبة في البقاء.
مرت ثلاث سنوات على موت الملك، والحرب الأهلية تزداد ضراوة. وحين احتلت جيوش أحد الأمراء المدينة وبدأت تفتك بالناس دون تمييز، لم تستطع النقابة فعل شيء سوى الموت تحت وطأة أحذية الجنود.
كانت النقابة تقتل لأسباب تجارية، أما الكبار حقاً، فموت البشر بالنسبة لهم لا يحتاج إلى سبب.
إذاً، لماذا أحتاج أنا لسبب؟ وما الذي يمنعني؟ فأنا أيضاً أمير.
قمتُ فوراً باغتيال ذلك الأمير الذي احتل المدينة —أخي— ثم وقفتُ أمام الجنود وقلت:
"أنا فاليري، الأمير الرابع عشر. اختاروا الآن: إما قتلي وتقديم رأسي لأمير آخر، أو اتباعي."
قلتُ لهم أن يختاروا، لكن الحقيقة هي أنهم لم يملكوا خياراً. فلا أحد يملك الجرأة الكافية للمساس بأمير، وفوق ذلك، لم يكن هناك من يعوض مكان الأمير الذي فقدوه إلا أمير آخر.
أصدرتُ أوامري فوراً بالقبض على زعيم النقابة وقادتها وشنقهم. واستوليتُ على ثرواتهم المتراكمة، وجعلتُ التدفقات المالية للمدينة تصب في خزائني وحدي دون نقصان.
وهكذا، استطعتُ الحفاظ على جيشي لفترة دون الحاجة إلى اللجوء للنهب العشوائي.
بعد ذلك، قمتُ بتطهير النبلاء الذين كانوا تحت إمرتي؛ لأنني لم أستطع الوثوق بمن اتبعوا الأمير السابق.
انتزعتُ أراضيهم ووزعتها على قادة الميدان والفرسان الأكفاء كإقطاعيات.
وبعد أن أحكمتُ قبضتي على الجيش، بدأتُ بتوسيع نفوذي. استخدمتُ التهديد بخطف عوائل الأقوياء، وأغويتُ الماديين بالرشاوي، ولوثتُ شرف النبلاء الصالحين بالافتراءات والمكائد.
لقد غلفتُ أفعالي تحت مسمى "حرب وراثة العرش"، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى أعمال سطو وابتزاز. وكنتُ أمتلك مهارة في هذا المجال تفوق الجميع.
علاوة على ذلك، لم أعرف طعم الهزيمة في المعارك قط. هزمتُ أعداءً يفوقونني عدداً بأضعاف، لأنني كنتُ أعلم أن دفع الخصم للتعجل، وخداعه، وتحريض الانقسام الداخلي، يحول كثرة العدد من ميزة إلى عبء ثقيل.
وعندما احتلتُ مقاطعة وينسلو التي نشأتُ فيها، قمتُ أولاً بإعدام عائلة الكونت أيثيلريد بوحشية أمام عينيه، ثم مزقتُ أطرافه هو في النهاية.
ويا للدهشة، لم أشعر بشيء. ظننتُ أن صدري سينشرح قليلاً، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
واصلتُ مسيري بعد ذلك بمزيد من الجرأة. استغللتُ كل ما يمكن استغلاله: المال، الشرف، المنصب، الرغبة، الحب، والصداقة.. أي شيء.
كنتُ أستغلهم حتى الثمالة، ثم ألقي بهم حين تنتهي حاجتي إليهم. وكل من يقف في طريقي، أقتله أياً كان عدده. حتى إنني أحرقتُ مدينة كاملة فقط لأعثر على ابن أخٍ لي.
تساءل البعض: كيف يمكن لإنسان أن يفعل هذا؟ بينما قال آخرون إنهم فخورون بالولاء لي حتى النهاية.
كل من اتبعني انتهى به المطاف بائساً، وكل النساء اللواتي مررن بحياتي صرن شقيات.
ومع ذلك، أصبحتُ كائناً لا يمكن عصيانه. وعندما قتلتُ آخر الإخوة وأبنائهم، أطلق عليّ الناس هذا اللقب: فاليري "عديم القلب".
غداً هو يوم التتويج. ورغم اقتراب المراسم، إلا أن القلعة الملكية كانت غارقة في صمت مطبق وموحش، والسبب هو أن الجميع، نبلاءً وعامة، يرتعدون خوفاً مني.
كانت غرفة نوم الملك بسيطة لدرجة مفرطة، خالية من الزخارف أو المنسوجات المعتادة. بل لم تكن تشبه غرف الملوك، بقدر ما كانت تشبه ثكنة عسكرية قاحلة.
كان الظلام يخيم على المكان بسبب الستائر السميكة، التي تسلل من بين شقوقها ضوء الشمس الحاد كالنصل. ضوء أحمر.. شمس الغروب كانت تلامس طرف قدمي.
يتمسك الناس بالأمل ليعيشوا غدهم، ومن بين آمالهم كان إيمانهم بأن الملك سيقودهم إلى الجنة.
لكن، ولسوء الحظ، لا أمل لدي. فالآن، وبعد أن انقطع دابر السلالة الملكية، لم يعد هناك سوى شيء واحد له معنى بالنسبة لي.
أمسكتُ بيدي سيف السلالة الأسطوري الذي تروي الأساطير أنه قتل تنيناً؛ السيف المسمى "غرام".
استللتُ السيف وتفحصتُ نصله. رغم مرور مائة عام، كان النصل حاداً كأنه صُنع لتوّه. جرى ضوء الغروب الأحمر على طول النصل، وتجمع في طرفه كقطرة واحدة.
وضعتُ المقبض على زاوية الأرضية، وثبتُّ طرف السيف على عنقي، ثم ألقيتُ بكل ثقلي عليه دون ذرة تردد.
إنهاء سلالة الملك بيدي.. كان ذلك هو غرامي (غضبي) على الحياة، وكان هو إجابتي الوحيدة.