"تباً... هذا الألم حقيقي جداً ليكون مجرد حلم."
كانت هذه هي الكلمات الأولى التي هربت من بين شفتيه الجافة والمتشققة، صوته كان مبحوحاً وغريباً عن أذنيه،
وكأنه صوت شخص آخر يتحدث من خلاله. حاول أن يبتلع ريقه، لكن حلقه كان جافاً كصحراء قاحلة،
وطعم مرارة غريبة يملأ فمه. فتح الشاب عينيه بصعوبة، ليجد أن السقف الرمادي الكئيب لزنزانته في سجن "بلاك روك" قد اختفى،
وحل محله سقف لا نهائي من أغصان الأشجار المتشابكة التي تحجب السماء كقبة خضراء عملاقة.
الضوء الذي يتسلل من بين الأوراق كان شاحباً ومريضا، يلقي بظلال طويلة ومخيفة على الأرض.
رائحة العفن والرطوبة التي اعتاد عليها في السجن، تلك الرائحة التي تغلغلت في مسامه لسنوات، استبدلت برائحة التراب الرطب، أوراق الصنوبر الميتة،
ورائحة حديدية نفاذة ومقززة... رائحة الدماء الطازجة التي لا تخطئها أنف اعتادت العنف. حاول الجلوس، لكن رأسه كان يدور في دوامة من الغثيان العنيف،
وكأن مطرقة حديدية تضرب داخل جمجمته. استند بيده المرتجفة على الأرض، ليلمس طحالب باردة ورطبة. نظر حوله بذهول،
لم يكن هناك حراس بوجوه جامدة، ولا قضبان حديدية صدئة، ولا صرخات سجناء يتعرضون للضرب. فقط غابة كثيفة وموحشة تمتد في كل الاتجاهات،
أشجارها ضخمة بجذوع ملتوية كأنها عضلات مشدودة، وصمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت الرياح وهي تعبث بالأوراق، كهمسات أرواح ضائعة.
تحسس جيب قميصه المخملي الفاخر -الذي لم يكن يرتديه قط في حياته السابقة حيث كان يرتدي خرقاً بالية-
وأخرج ورقة مطوية بعناية فائقة، ملمسها ثقيل وناعمة كأنها مصنوعة من أغلى أنواع البردي المستورد.
للمرة العشرين منذ استيقاظه، أعاد قراءة الحروف المكتوبة بخط يدوي أنيق ومذهب، الحبر يلمع ببريق خافت تحت ضوء الغابة:
"إلى السيد ديكس ويليامز، يسعدنا نحن إدارة أكاديمية 'هورايزون' أن نزف إليكم خبر نجاحكم في الانتقاء الأولي،
وندعوكم للالتحاق بالأكاديمية في بداية الشهر القادم لإتمام إجراءات التسجيل. لمزيد من التفاصيل، المرجو استخدام ختم المانا المرفق..."
ارتجفت يده وهو يحمل الرسالة، وكأن الورقة تزن طناً. "ديكس ويليامز؟ أكاديمية هورايزون؟ ما هذا الهراء؟ هل فقدت عقلي أخيراً؟" رفع يده ليتحسس وجهه،
أصابعه لمست بشرة ناعمة، خالية من الندوب الخشنة وشعر اللحية الشعث الذي اكتسبه خلال سنواته في السجن. نظر إلى يديه،
كانت بيضاء، نظيفة، وأصابعها طويلة ورشيقة كأصابع عازف بيانو أو فنان، وليست أيادي خشنة ومتورمة اعتادت تكسير الحجارة وحمل الأثقال.
"بحق الجحيم... هذا ليس جسدي."
تدافعت الذكريات إلى عقله كطوفان عنيف يجرف كل شيء في طريقه. آخر ما يتذكره كان الفوضى... ساحة السجن المتربة، صراخ المساجين الغاضبين، الشغب المفتعل الذي كان غطاءً لشيء أكبر، ثم ذلك الألم البارد والحارق في آن واحد عندما انغرس السكين "الخنجر المسنن" في جانبه الأيسر، ممزقاً أحشاءه. يتذكر برودة الأرض الخشنة تحت خده، تلاشي الأصوات، الظلام الذي ابتلعه ببطء، واليقين التام بأنه مات وحيداً ومنسياً. لكن، ها هو ذا، يتنفس، يشعر، ويتألم، ولكن في مكان آخر، وفي جسد آخر يبدو أصغر سناً وأكثر ترفاً.
"لا تخبرني أنني أصبحت واحداً من أولئك الأبطال في الروايات المبتذلة الذين يتجسدون في عوالم أخرى؟" تمتم بسخرية مريرة، صوته يتردد بصدى خافت بين الأشجار، محاولاً استيعاب الموقف السريالي. "ألم يكن الموت نهاية لقصتي البائسة؟ هل عليّ أن أعاني في حياة أخرى أيضاً؟"
وقف بصعوبة، مستنداً على جذع شجرة ضخم مغطى بطبقة سميكة من الطحالب الخضراء،
وهناك رآهم. خمس جثث متناثرة أمام مدخل كهف صغير مظلم يبدو كفم وحش يتربص بفريسته.
المشهد كان مروعاً، لوحة دموية رسمتها السيوف والخناجر بعبثية قاسية. اقترب بحذر،
غريزة السجين -تلك الحاسة السادسة التي تبقيك حياً في بيئة من القتلة- تعمل بأقصى طاقته. تفحص الجثث بعين خبيرة اعتادت رؤية الموت بأبشع صوره.
"اثنان يرتديان ملابس نبيلة تشبه ملابسي، أقمشة فاخرة من الحرير والكتان، ودروع خفيفة مطرزة بشعار عائلة ما... أسد ذهبي يزأر؟" همس لنفسه وهو يقلب جثة أحدهم بطرف حذائه الجلدي المصقول. "يبدو أنهم كانوا مرافقي هذا الجسد، حراس شخصيين أو ربما أصدقاء مقربين." كانت الدماء قد جفت على دروعهم، ووجوههم متجمدة في تعبيرات الرعب والألم. "أما الثلاثة الآخرون..." انتقل نظره إلى الرجال المتشحين بالسواد من الرأس إلى أخمص القدمين. ملابسهم كانت مصممة للتمويه، خفيفة وتسمح بحرية الحركة الصامتة، وجوههم مغطاة بأقنعة قماشية تخفي الملامح تماماً. "قتلة محترفون،" استنتج فوراً، ملاحظاً جودة الأسلحة الملقاة بجوارهم. "طريقة القتل نظيفة،
ضربات موجهة لنقاط قاتلة في الرقبة والقلب. هؤلاء ليسوا قطاع طرق يبحثون عن المال، هؤلاء محترفون تم استئجارهم لمهمة محددة: التصفية."
نظر ديكس إلى صدره، حيث وجد شقاً طولياً في القميص فوق القلب مباشرة، والمنطقة ملطخة بالدماء الجافة التي كونت قشرة بنية. تحسس جلده تحت القماش الممزق، لكنه لم يجد جرحاً. الجلد كان سليماً تماماً، وكأن الطعنة لم تحدث قط. "لقد نجحوا في مهمتهم،" أدرك الحقيقة ببرود يرسل القشعريرة في العظم. "صاحب هذا الجسد، ديكس الأصلي، قُتل بالفعل. طعنة في القلب مباشرة أدت للموت الفوري.
لكن لسبب ما، عندما دخلت روحي هذا الجسد، التأم الجرح، أو ربما تطلب الأمر تضحية ما لجلبي إلى هنا. جسد جديد، وروح قديمة."
تنهد بارتياح مشوب بالقلق. "الجانب المشرق الوحيد في هذه الفوضى هو أن الشخص الذي أرسل هؤلاء القتلة يعتقد أنني ميت الآن. لقد أنجزوا المهمة، وغادر من تبقى منهم حياً وتركوا الجثث لتتعفن في الغابة.
هذا يمنحني عنصر المفاجأة... والوقت. العالم يعتقد أن ديكس ويليامز جثة هامدة، وهذا هو أفضل غطاء يمكن أن أحصل عليه."
بدأ العمل. في السجن، تتعلم ألا تترك شيئاً يذهب سدى، حتى من الموتى. اقترب من الجثث وبدأ تفتيشها ببرود أعصاب قد يصيب أي شخص عادي بالرعب والتقيؤ. "اكره هذا، لكن الضرورات تبيح المحظورات. أنا بحاجة لكل أداة للبقاء."
من القتلة، استولى على ثلاثة خناجر حادة مصنوعة من معدن أسود غير عاكس للضوء، تبدو وكأنها تمتص الضوء حولها، وقارورتين صغيرتين؛ واحدة تحتوي على سائل أصفر ذهبي تفوح منه رائحة الأعشاب القوية -ترياق ربما؟- والأخرى بسائل أخضر غامق لزج يبدو ساماً ومميتاً. من مرافقيه الموتى، وجد حقيبة ظهر جلدية متينة وعالية الجودة. فتحها بلهفة، ليجد كنزاً صغيراً بالنسبة لوضعه الحالي: وثائق التسجيل في الأكاديمية مختومة بالشمع الأحمر، خريطة مفصلة للمنطقة، قنينة مياه جلدية ممتلئة، وبضعة مأكولات خفيفة تشبه ألواح الطاقة المضغوطة المغلفة بورق شمعي.
"جيد، هذا يكفي للبقاء حياً لبضعة أيام إذا قمت بتقنين الحصص." قام بتجريد القتلة من معاطفهم السوداء الطويلة،
فهي مفيدة للتمويه في الليل والدفء ضد برودة الغابة القارسة، وارتدى واحداً منها فوق ملابسه الممزقة والملطخة بالدماء.
جر الجثث واحدة تلو الأخرى بعيداً عن الكهف، ساحباً إياها من أقدامها. كانت الشمس قد بدأت تميل للمغيب، والظلال تطول وتتحول إلى وحوش وهمية ترقص بين الأشجار. "لا يمكنني تركهم هنا،" فكر وهو يمسح العرق البارد عن جبينه. "رائحة الدماء ستجذب كل مفترس في هذه الغابة نحوي. وأنا لست في حالة تسمح لي بمواجهة أرنب بري، ناهيك عن وحش سحري."
استخدم غصناً قوياً ومدبباً وجده ملقى على الأرض كأداة حفر بدائية. كانت الأرض صلبة ومليئة بالجذور، وجسده الجديد، رغم مظهره الصحي، كان يفتقر للياقة البدنية وقوة التحمل التي اعتاد عليها في حياته السابقة. عضلاته بدأت تصرخ من الألم، ويداه الناعمتان بدأت تتقرح. بعد ساعات من الجهد المضني، حفر ثلاث حفر ضحلة؛ واحدة جماعية للقتلة، واثنتان منفصلتان لمرافقيه كنوع من الاحترام الأخير لولائهم. "ارقدوا بسلام،" قال وهو يهيل التراب الأخير بصوت خافت. "لقد قاتلتم بشجاعة، أياً كنتم. آمل أن تجدوا الراحة التي لم أجدها أنا."
عاد إلى الكهف منهكاً، جسده يرتجف من التعب والبرد. الظلام قد ابتلع الغابة بالكامل، محولاً إياها إلى عالم من السواد الحالك والأصوات المجهولة. حاول النوم،
لكن الأدرينالين والأسئلة كانت تضخ في عروقه كالسم، تمنع جفونه من الانغلاق. خرج من الكهف وجلس على صخرة باردة عند المدخل،
محاولاً تنظيم أفكاره المشتتة. رفع رأسه نحو السماء بحثاً عن النجوم، وتجمدت الدماء في عروقه من هول المنظر.
"لن أعتاد أبداً على هذا المشهد..." في السماء، لم يكن هناك قمر واحد كما في عالمه القديم، بل اثنان.
الأول كان بدراً عملاقاً فضي اللون، يضيء الغابة بنور شاحب وبارد، سطحه مليء بالفوهات والبحار الداكنة.
وبجانبه، يطفو قمر آخر، أصغر حجماً ولونه يميل للأرجواني الدموي، لكنه كان محطماً. نصفه مفقود تماماً،
وحطام هائل من الصخور والكويكبات المتوهجة يطفو حوله في رقصة كونية حزينة وبطيئة، شاهداً صامتاً على كارثة قديمة ومدمرة حلت بهذا العالم.
"قمرين... اسم ويليامز... أكاديمية هورايزون... وهذا الشعور بالطاقة الغريبة التي تملأ الهواء..." أخذ نفساً عميقاً، وشعر بشيء يتدفق مع الهواء إلى رئتيه، شيء ليس أكسجيناً فقط، بل طاقة خفيفة، حيوية، تدغدغ صدره وتسري في عروقه كالكهرباء الساكنة. "المانا. إنها حقيقية هنا."
وفجأة، بينما كان يتمتم بكلماته، ظهرت أمامه. شاشة زرقاء شفافة تطفو في الهواء، مستطيلة الشكل وحوافها تتوهج بضوء نيون، تماماً كتلك التي في ألعاب الفيديو والروايات التي كان يقرؤها. "حالة؟" همس متردداً، صوته يرتجف. توسعت الشاشة، وظهرت أحرف وأرقام، لكنها كانت مشوشة، تهتز وتومض كأن هناك خللاً في الاتصال أو تداخل في الإشارة. الشيء الوحيد الواضح والثابت كان الاسم في الأعلى: ديكس ويليامز.
"لا مجال للشك الآن،" أسند رأسه بين يديه،
وشعر بضحكة هستيرية تحاول الخروج من صدره. "لقد تجسدت داخل عالم 'إيكارثا'. عالم رواية 'أسطورة التنين الفضي'."
تذكر الرواية التي كان يقرؤها في مكتبة السجن لقتل الوقت الطويل والممل. رواية فانتازيا ملحمية تتكون من ثلاثة أجزاء ضخمة،
قرأ منها الأولين فقط قبل أن تنتهي حياته بتلك الطعنة الغادرة. "من بين كل العوالم، لماذا هذا العالم اللعين؟
ولماذا هذه الشخصية؟" حاول تذكر كل ما يعرفه عن "ديكس ويليامز". الذاكرة كانت ضبابية، فالشخصية كانت هامشية للغاية، تكاد لا تذكر.
"تم ذكره مرتين فقط... تم ذكره فقط مرتين وفي الآرك الأول للرواية، آرك الأكاديمية. المرة الأولى عندما ذكر بشكل عرضي بين الأساتذة
وتساؤل أحدهم عن سبب غيابه الغير مبرر عن اختبارات القبول، ومرة كجثة مجهولة الهوية تم العثور عليها في الغابة بعد شهور،
" تذكر بمرارة وحسرة. "شخصية جانبية؟ لا، أنا أقل من ذلك. أنا مجرد 'أداة حبكة' رخيصة لإظهار خطورة الغابة وقسوة العالم."