كان الطريق المؤدي إلى قرية "أورينا" طويلاً بما يكفي ليجعل أي شخص يعيد النظر في خيارات حياته، لكن بالنسبة لـ زين ، لم يكن الطريق هو المشكلة، بل كانت الجاذبية اللعينة التي تجعل جفنيه يثقلان مع كل خطوة.​

سار زين ببطء، يجر قدميه فوق التراب الذي لم تطأه قدماه منذ عشر سنوات. كان يرتدي قميصاً من الكتان الباهت وسروالاً واسعاً يستر جسده بدا زين مجرد شاب عادي في الخامسة والعشرين، بوجه يخلو من أي طموح، وعينين نصف مغلقتين توحيان بأنه في حالة "سبات" حتى وهو يمشي.​:"عشر سنوات..." تمتم زين بصوت منخفض، ثم تبعها بتثاؤب عميق كاد يخلع فكه. "أتمنى فقط أن يكون سريري القديم لا يزال هناك. لا أريد إنقاذ عالم، ولا أريد قتل تنانين، أريد فقط وسادة لا تنبعث منها رائحة الرطوبة."​توقف زين فجأة.في منتصف الطريق الضيق الذي يمر عبر مضيق جبلي معزول، كانت هناك صخرة ضخمة، لا، كانت قطعة من الجبل قد قررت الانتحار والاستقرار في عرض الطريق. كانت الصخرة بحجم منزل ريفي صغير، صلبة، صماء، وتقطع المسار تماماً.​

نظر زين يميناً، كان هناك جرف حاد. نظر يساراً، كان هناك منحدر . الالتفاف حولها سيتطلب منه المشي لمسافة ثلاثة كيلومترات إضافية.​"هذا مزعج..." تنهد زين بضيق.​في امبراطورية "أستريا"، كان من المفترض في مواقف كهذه أن يستدعي المسافرون "ساحر أرض" من الرتبة B ليقوم بتفتيت الصخرة، أو ربما "فارس " ليحاول زحزحتها بشق الأنفس.

زين لم يكن يملك وقتاً للبحث عن سحرة.​اقترب من الصخرة، وضع يده في جيبه، وبحركة بدت أقرب لمن يركل علبة مياه غازية فارغة في زقاق ضيق، رفع قدمه اليمنى وركل الصخرة بطرف حذائه المهترئ.​لم يحدث "انفجار" بالمعنى التقليدي. بل ما حدث كان اختراقاً لقوانين الفيزياء. "بوووم!" انفجرت الهالة الجوية حول الصخرة نتيجة تسارع مفاجئ فاق سرعة الصوت بعشر مرات. في جزء من المليار من الثانية، تحولت الصخرة من جماد ساكن إلى قذيفة كروية مشتعلة نتيجة الاحتكاك بالهواء، وطارت في الأفق بخط مستقيم تماماً، مخلفةً وراءها نفقاً من الفراغ الهوائي الذي أدى لتحطم بعض الأشجار القريبة من شدة الضغط.​اختفت الصخرة. تلاشى صوت الانفجار في ثوانٍ. عاد الصمت المطبق للمكان.رمش زين بعينيه ببطء، وكأن ما فعله هو مجرد إزاحة غبار عن ثوبه."جيد، الآن الطريق أقصر،" قال لنفسه، وتابع سيره بكسل، غير مدرك لما حدث على بعد ثلاثة آلاف كيلومتر شرقاً.​

في العاصمة الإمبراطورية - ساحة القصر العظيم​ كان الدوق "أولاريك"، أحد أقوى فرسان الرتبة SS في الإمبراطورية، يلهث بشدة.

درعه المذهب كان محطماً عند الكتف، وسيفه "قاطع اللهب" يتوهج بضعف. أمام جيشه المكون من نخب السحرة والمقاتلين، كان "تنين الرماد الأسطوري" يحلق بارتفاع منخفض، يستعد لإطلاق زفيره من اللهب الذي يذيب الصخور.​"استعدوا للحواجز السحرية!" صرخ الدوق بيأس. ​

فجأة، انشق الغلاف الجوي فوقهم.شيء ما، جسم كروي ملتهب يحيط به برق أزرق ناتج عن السرعة، هبط من السماء وكأنه غضب من السماء . لم يكن هناك وقت للصراخ. الجسم الذي لم يكن سوى صخرة مشتعلة اصطدم بجمجمة التنين الأسطوري مفجرة رأسه الى اشلاء ، ثم أكمل طريقه ليصطدم بالجبل المقابل ، محدثاً هزة أرضية بلغت قوتها 7 درجات على مقياس الرصد السحري.​

ساد صمت مميت. الدوق أولاريك سقط على ركبتيه ينظر للفراغ حيث كان التنين قبل ثانية."ما.. ما هذا؟ هل أطلق الإمبراطور سلاحاً سرياً؟".

"سيدي الدوق!" صرخ أحد السحرة وهو ينظر عبر بلورته المكبرة، "لقد كان.. لقد كان مجرد صخرة من الجرانيت !"​.

بوابة قرية أورينا​ وصل زين أخيراً إلى البوابة الخشبية للقرية مع غروب الشمس.

كانت القرية قد تغيرت؛ أصبحت الأسوار أعلى، وهناك لافتات سحرية تومض بأسم اورينا.​

"توقف!" صاح حارس شاب يرتدي درعاً جلدياً جديداً، "رسوم الدخول للغرباء 10 قطع نحاسية، أو إبراز بطاقة هوية مسجلة في الإمبراطورية."​.

تنهد زين، وبدأ يبحث في جيوبه الممزقة. "أنا من هنا.. غادرت قبل عشر سنوات فقط."سخر الحارس الشاب: "نعم، والجميع يقولون ذلك هرباً من الضريبة. انظر لشكل جزمته، هل هذا شكل مغامر؟ ادفع وإلا..."​.

"انتظر يا أحمق!"خرج حارس ضخم الجثة، ذو لحية كثيفة وندبة قديمة فوق عينه. حدق في زين لثوانٍ، ثم انفجر ضاحكاً لدرجة أن درعه اهتز." يا رفاق! إنه زين! الطفل الذي كان يربط ذيول الخيول ببعضها ويختبئ فوق أسطح المنازل!"​ضرب الحارس (برونو) كتف زين بقوة كانت لتكسر عظام أي رجل عادي، لكن زين لم يتحرك مليمترًا واحدًا، بل شعر فقط ببعض الإزعاج."برونو؟" قال زين بصوت خافت." يا صاح! انظر إليك، ما زلت تملك تلك النظرة الناعسة. أين كنت يا رجل؟ ظننا أنك مت في رحلتك."

"كنت.. أتدرب قليلاً،" أجاب زين بصدق، لكن بالنسبة لبرونو، "التدرب" يعني الجري حول الغابة أو حمل بعض الأثقال.​دخل زين القرية برفقة برونو الذي لم يتوقف عن الحديث."القرية لم تعد كما كانت يا زين. منذ ظهور (البوابة) في الغابة المجاورة، أصبحت القرية مركزاً للمغامرين. حتى أنهم بنوا فرعاً للنقابة فوق أرض عائلتك القديمة لأنهم ظنوا أن لا وريث لها!"​.

توقف زين أمام الساحة المركزية. منزله القديم، الكوخ الصغير الذي كان يفوح برائحة خشب البلوط، اختفى. مكانه الآن مبنى ضخم من الحجر المشيد، تعلوه لافتة ضخمة لسيفين متقاطعين "نقابة المغامرين".​"لقد هدموا بيتي؟" سأل زين، ولأول مرة ظهرت نبرة من "الانزعاج الحقيقي" في صوته.

"القانون الإمبراطوري يا صديقي، الأرض المهجورة لسنوات تصبح ملكاً للتاج،" قال برونو بأسف.​"زين؟ أهذا أنت يا بني؟"صوت أنثوي دافئ جاء من خلفهما.

كانت العمة ماري ، جارتهم القديمة التي كانت دائماً ما تطعمه "فطائر التفاح" عندما كان صغيراً. كانت تبدو أكبر سناً، لكن عينيها لا تزالان تشعان طيبة.​"العمة ماري،" قال زين، وانحنى قليلاً.​"يا إلهي، لقد كبرت وأصبحت رجلاً وسيماً! رغم أنك تبدو وكأنك لم تنم منذ قرن،" ضحكت العمة ماري وسحبته من يده.

"لا تقلق بشأن منزلك، غرفتي الإضافية جاهزة. لا يمكن أن ينام ابن جارتي الغالية في الشارع، خاصة في عالم مليء بالوحوش والسحرة المتكبرين."​داخل منزل العمة ماري​جلس زين على مائدة خشبية بسيطة، وأمامه حساء ساخن يخرج منه البخار.

كانت العمة ماري تتنقل في المطبخ وهي تتحدث بسرعة لا يستطيع ملاحقتها إلا شخص يملك سرعة رد فعل زين.​"العالم أصبح مجنوناً يا زين. ابنتي (لينا)، هل تتذكرها؟ كانت تلحق بك دائماً وتشد قميصك.. لقد أصبحت الآن في عامها الأخير في أكاديمية السحر الملكية بالعاصمة! يقولون إن لديها مانا نقية جداً، وستصبح ساحرة من الرتبة A قريباً."

​أومأ زين برأسه وهو يبتلع لقمة كبيرة. "رتبة A.. هذا جيد."​"جيد؟ إنه عظيم!" صاحت العمة ماري بفخر. "المغامرون في هذه الأيام هم الأباطرة الجدد. لكن أنت يا زين، ماذا ستفعل؟ لا يمكنك البقاء هكذا، لن تجد عملاً محترماً. حتى الحمالين في النقابة يشترطون أن تملك بعض المهارات السحرية الخفيفة لتقليل وزن الأحمال."​.

نظر زين إلى يديه. لم يكن يملك "مانا"، لأن جسده تجاوز فكرة "الاستعارة من طاقة الكوكب". هو كان الطاقة نفسها.

لكنه فضل الصمت."سأقوم بالتسجيل في النقابة غداً،" قال ببرود. "ربما أجد بعض المهمات البسيطة لجمع بعض المال وإعادة بناء كوخي."​ضحكت العمة ماري بشفقة: "النقابة؟ يا بني، الاختبارات هناك قاسية. لكن لا بأس، جرب حظك."​استند زين بظهره إلى الكرسي، وأغلق عينيه.

" أي عمل هادئ طالما لا يتطلب قوة او إنقاذ العالم، أنا موافق.".

انا اطلب منكم تشجيع و طرح افكاركم لمساعدة 🤝

استمرو في التشحيع

2026/02/08 · 5 مشاهدة · 1082 كلمة
osph
نادي الروايات - 2026