في الصباح التالي، استيقظ زين ليس بفعل منبه سحري أو صياح ديك، بل بفعل ركلة من العمة ماري لسريره وهي تصرخ: "استيقظ يا كسلان! شمس الإمبراطورية أصبحت في كبد السماء".
خرج زين من المنزل وهو يفرك عينيه، يرتدي نفس القميص الباهت، وسار نحو ذلك المبنى الضخم الذي بُني فوق ذكريات طفولته. كان المبنى يضج بالحركة؛ فرسان بدروع لامعة يصقلون سيوفهم، وسحرة شبان يتباهون بكرات نار صغيرة ترقص بين أصابعهم.
عندما دفع الباب الخشبي الثقيل، لم يلتفت إليه أحد. كان يبدو كأنه "قروي تائه" جاء ليبحث عن عمل في المطبخ. توجه بخطوات متثاقلة نحو منصة الاستقبال الرخامية، حيث كانت تجلس فتاة في مقتبل العشرين، بشعر بندقي وعينين ذكيتين خلف نظارات طبية رقيقة.
رفعت الفتاة رأسها، تجمدت نظراتها لثوانٍ، ثم اتسعت حدقتاها وصرخت بعفوية: "زين؟! هل هذا أنت حقاً؟"
نظر إليها زين ببلادة، حاول استحضار ذاكرته المرهقة ثم قال: "سارة؟ الطفلة المزعجة التي كانت تحرق حواجبها وهي تحاول إشعال شمعة بالسحر؟"
ضحكت سارة بصوت عالٍ جذب أنظار بعض المغامرين الواقفين. "نعم! لكنني الآن السكرتيرة التنفيذية لفرع النقابة هنا. يا إلهي، أين اختفيت يا رجل؟ لينا كانت تقول إنك ربما اختطفت من قبل ملك الشياطين ليجعلك طباخه الخاص!"
هز زين كتفيه بلامبالاة: "في الحقيقة.. ذهبت لشراء بعض التوابل من القارة الجنوبية، لكنني ضللت الطريق قليلاً واستغرق الأمر عشر سنوات للعودة."
انفجرت سارة بالضحك مجدداً وهي تضرب الطاولة بِيَدها. "ما زلت مضحا كما كنت! ضللت الطريق لعشر سنوات؟ أنت مضحك يا زين. والآن، ما الذي أتى بك إلى هنا؟ هل جئت لتطلب وظيفة في الأرشيف؟"
"لا،" قال زين وهو يتكأ بمرفقيه على المنصة، "أريد التسجيل كمغامر."
توقف ضحك سارة تدريجياً، وحلت مكانه نظرة شفقة. "زين.. هل أنت جاد؟ لتكون مغامراً يجب أن تجتاز اختبار الكفاءة. أنت تعلم أن العالم خطير، والوحوش بالخارج لا ترحم ."
"فقط أرني أين الاختبار،" قال زين بتثاؤب.
تنهدت سارة وسحبت ورقة رسمية. "حسناً، بصفتك مبتدئاً تماماً وبدون سجل، ستخضع لاختبار الرتبة F. هو اختبار روتيني يتكون من جزئين: قياس كثافة المانا، واختبار القوة البدنية عبر 'حجر الصدى السحري'. إذا نجحت، ستحصل على رتبة F التي تسمح لك بجمع الأعشاب وتنظيف الآبار."
اقتادت سارة زين إلى قاعة الاختبارات في الخلف، حيث كان هناك جهاز ضخم يشبه التمثال، يتوسطه حجر كريستال شفاف، وجهاز ميكانيكي متصل برافعة حديدية ضخمة لقياس قوة اللكم.
"أولاً، المانا،" قالت سارة وهي تشير للكريستال. "ضع يدك واشحن الحجر بكل ما تملك."
وضع زين يده الكبيرة على الكريستال. في الداخل، شعر بكيانه الكوني يلمس السطح. كانت طاقته أكبر من أن تفهمها بلورة صنعت من معادن أرضية؛ بالنسبة للبلورة، كانت طاقة زين "غير مرئية" لأنها خارج التردد السحري المعروف.
انتظرت سارة.. خمس ثوانٍ.. عشر ثوانٍ.. البلورة ظلت مظلمة تماماً كقطعة فحم.
"صفر؟" همست سارة بذهول. "زين، حتى القطة تملك مانا بنسبة 5%! كيف تعيش بجسد فارغ تماماً؟"
"ربما أنا موفر للطاقة،" أجاب زين .
"حسناً.. هذا محبط،" تمتمت سارة وهي تدون الملاحظات. "لننتقل لاختبار القوة البدنية. هذا الجهاز متصل بحجر مانا يمتص صدمة اللكمة ويحولها إلى رقم من 1 إلى 1000. الشخص العادي يسجل 10، الفرسان يسجلون 100."
وقف زين أمام الجهاز. كان يعلم أنه لو ضرب بقوته الحقيقية، فإنه لن يحطم الجهاز فحسب، بل سيمحو البلدة من الخريطة ويخلق فجوة في القشرة الأرضية. كان عليه أن يكون "رقيقاً جداً".
أغمض عينيه، وحاول أن يتخيل أنه يلمس ريشة عصفور. دفع قبضته ببطء شديد نحو الجهاز. بمجرد أن لامست يده السطح، حدث شيء غريب لم تلاحظه سارة؛ التروس الداخلية للجهاز المصنوعة من الفولاذ السحري "انصهرت" في مكانها من شدة الضغط الجزيئي الصامت، مما أدى إلى عطل فني فوري في نظام الحساب.
على الشاشة السحرية، تذبذبت الأرقام بجنون، ثم استقرت فجأة على الرقم: (1) .
"واحد ؟" صرخت سارة وهي تفرك عينيها. "زين! حتى طفل في الخامسة يمكنه تسجيل 3! أنت حرفياً أضعف إنسان سجلته النقابة في تاريخها!"
نظر زين إلى يده ثم إلى الجهاز المعطل (الذي بدا سليماً من الخارج). "أوه، يبدو أنني بحاجة لتناول المزيد من البروتين."
أخذت سارة نفساً عميقاً، وشعرت برغبة في البكاء على حال صديق طفولتها. "بناءً على هذه النتائج.. أنت رسمياً في الرتبة F. بل وأقل من ذلك لو كان هناك رتبة أدنى. هذه بطاقتك الحديدية الصدئة."
سلمته بطاقة صغيرة مكتوب عليها بخط باهت: [زين - الرتبة: F - المهارات: لا يوجد] .
"شكراً سارة،" قال زين وهو يضع البطاقة في جيبه. "هل هناك مهمات متاحة؟"
نظرت سارة إلى لوحة المهمات بأسف، ثم سحبت ورقة مجعدة من أسفل اللوحة. "بما أنك 'قوي' لدرجة الرقم 1، فليس أمامك سوى هذه: 'تنظيف بئر قديم في أطراف غابة الهمسات'. القرويون يشتكون من أن الماء توقف عن الجريان، ويظنون أن هناك بعض الطحالب السادة للمجرى."
أمسك زين الورقة. "تنظيف بئر؟ ممتاز، سأفعل ذلك ثم أعود للقيلولة."
بينما كان زين يخرج من النقابة بظهره المنحني قليلاً، كانت سارة تنظر إليه بحزن وتقول لنفسها: "مسكين يا زين.. العالم مكان خطير على أمثالك."