—الـفـصـل 2 : المستنقع (2)—
لعلّ ثلاثة أيام قد مضت، أو هكذا خمّن فيرا.
ولم يكن قادراً على الجزم، فـ«المستنقع» بطبيعته مكانٌ يعجز فيه المرء عن التمييز بين الليل والنهار.
فعندما تكون الشمس في كبد السماء، تحجبها ظلال برج السحرة الهائل، فلا يصل إلى الأرض شعاع واحد. وحين يحلّ الليل، تتراقص أضواء المصابيح التي يحملها النبّاشون الجائلون بين الأزقة، فتنشر وهجاً باهتاً مضطرباً.
كان المستنقع عالماً غارقاً في الشحوب الأبدي، عالماً لا يعرف صباحاً ولا مساءً.
لكن ذلك لم يكن السبب الوحيد لعجزه عن تقدير الزمن، فجسده نفسه كان في حالةٍ يرثى لها.
أوجاع لا تكف عن الانقضاض عليه لحظة بعد أخرى، ووعيٌ يتقطع كشمعةٍ توشك أن تنطفئ.
كان راقداً هناك، بين الحياة والموت، حتى غدا مرور الوقت مفهوماً بعيداً عنه.
"كح...!"
ما إن انفجرت نوبة السعال من صدره حتى شعر وكأن قفصه الصدري قد انطبق عليه بقوة، فسُدَّت أنفاسه وخُنقت روحه.
"هااه...!"
استنشق الهواء بصعوبة، ثم حاول تقييم حالته من جديد، وبعد برهة توصّل إلى النتيجة نفسها.
'أسبوع واحد... على الأكثر.'
كان سيموت خلاله.
صحيح أن اللعنة قد زالت، إلا أن جسده كان قد تحطم إلى حدٍ يفوق الوصف.
كان بحاجة إلى علاجٍ عاجل، إلى أطباء، إلى معجزات.
أما ما يملكه الآن...
فلم يكن سوى—
"هل أنت بخير؟"
—تلك القديسة العمياء التي فقدت قواها.
رينيه.
أي أنه لا يملك أي سبيلٍ للنجاة.
فقال بصوتٍ متحشرج:
"لا يمكن أن أكون بخير."
"لحظة واحدة."
"آغـه...!"
ما إن وضعت رينيه يدها على صدره حتى انطلق منه أنين مكتوم.
راقبها فيرا وهي تستدعي بقايا ضئيلة من القداسة التي أوشكت على الانطفاء تماماً.
ثم قال بسخرية مريرة:
"كفي عن هذا العبث، حتى أنتِ تعلمين أن لا أمل في الأمر."
جاءه الرد فوراً.
"لا أحد يعلم ذلك."
كان صوتها حازماً على غير العادة.
تأملها فيرا بعينين مثقلتين بالإرهاق، ثم خطرت له الفكرة ذاتها للمرة التي لا تُحصى.
'امرأة غريبة.'
خلال الأيام القليلة التي قضاها معها، أدرك أنها من النوع الذي يستحق أن يُوصف بالمختل أو الأعجوبة البشرية.
كانت تحمل على جسدها آثار حروق شوهتها حتى استحال التعرف إلى ملامحها الأصلية.
وكانت تتجول خارج الكوخ، بعينيها العاجزتين عن الرؤية، تستجدي المارة.
وكل ما تجنيه من ذلك الشقاء لم يكن سوى وعاء صغير من عصيدة رخيصة، لا تصلح حتى علفاً للماشية.
ومع ذلك... كانت تتناولها كما لو أنها وليمة ملكية.
تتلذذ بكل لقمة، تبتسم أثناء الأكل، وتشكر الحاكم بعدها.
وكان ذلك أمراً يستحيل على فيرا فهمه.
فهو نفسه نشأ في هذا المستنقع.
وقد أكل من تلك العصيدة القذرة أكثر مما أكل أي طعام آخر في حياته.
ويعرف مذاقها جيداً، يعرف أنها لا تستحق كل ذلك الرضا.
والأغرب من ذلك... أنها لم تكن تكملها.
كانت تلتهم بضع ملاعق فقط، ثم تسكب الباقي كله في فمه.
تهدره عليه.
نعم، في نظر فيرا لم يكن ذلك سوى هدرٍ أحمق.
فهو رجل يحتضر، جراحه تتفاقم يوماً بعد يوم، وقد يفارق الحياة في أي لحظة.
كم مرة أخبرها أن تتركه يموت؟ كم مرة طلب منها الكف عن إضاعة الطعام؟
لكن جوابها لم يتغير قط.
"لا أحد يعلم."
فقط هذه العبارة.
رفع بصره إلى السقف المتهالك وهمس:
"لم أكن أعلم أن القديسة بلهاء."
سألت بهدوء:
"وما الذي تقصده؟"
قال بتهكم:
"بعد عمرٍ قضيته قديسة، لا بد أنكِ تعرفين حالتي أفضل مني. ومع ذلك تواصلين التظاهر بالجهل، أليس من الطبيعي أن أظنكِ حمقاء؟"
كان منزعجاً، بل كان يتمنى حقاً أن تتركه وشأنه.
لكن رينيه لم تُبدِ أي رد فعل واكتفت بدفع الملعقة نحو فمه مجدداً.
"لا أحد يعلم، ربما تأكل هذه العصيدة وتستعيد قوتك فتنهض على قدميك."
"أقول لكِ..."
"كل أولاً."
حدق فيها فيرا بامتعاض.
أما هي فكانت تلوّح بالملعقة في الهواء، محاولةً تخمين موضع فمه بعينيها الغائمتين، فتمتم:
"...إنكِ إنسانة لشديدة الحماقة."
فابتسمت، وقالت:
"في المملكة المقدسة يسمّون ذلك بمحبة."
"هل تشعرين بالنشوة وأنتِ تشاهدين المحتضرين؟"
"المحبة لا تعني الشهوة وحدها."
ارتفعت آثار الحروق على وجهها مع ابتسامتها، ثم أردفت بنبرة رقيقة:
"لقد أوصى الحاكم بأن نحب جيراننا، فكيف لي، وقد كنت يوماً أكثر عباده حظوة، أن أدير ظهري لمن يتألم؟"
ضحك فيرا بسخرية.
"لو كان حاكمك يقدّر المحبة إلى هذا الحد، لما ترككِ في هذا المكان البائس."
لم ترَ تعبيره بالطبع، لكن ذلك لم يمنعه من السخرية.
أجابته بهدوء:
"لقد كان اختياري."
"في المستنقع نطلق على أمثالكِ لقب الحمقى."
"يسعدني ذلك."
ثم أضافت للمرة التي لا يملّ منها:
"ثم إنني لستُ القديسة... بل رينيه."
وكانت تبتسم مجدداً، دائماً تبتسم.
ومرت أيام أخرى، ربما يومان إضافيان.
وكان المشهد ذاته يتكرر.
رينيه تحمل الملعقة، وفيرا يحدق بها بعبوس.
"أنتِ لا تملّين أبداً."
"بل أملك قدراً من المثابرة."
"حمقاء."
"محبة."
فأطبق فمه صامتاً، وقالت:
"هيا، تناول الطعام."
تنهد باستسلام، ثم رفع رأسه وأكل.
فأشرق وجهها بابتسامة صغيرة.
"أحسنت."
نظر إليها.
لقد بات قادراً الآن على تمييز ابتسامتها، رغم تشوه ملامحها.
وفكر مجدداً:
'حقاً... إنها امرأة عجيبة.'
لا واجب يجبرها على رعايته، ولا مسؤولية تلزمها بذلك.
ومع هذا تواصل الاعتناء به وكأن حياته كنز لا يقدر بثمن.
كان وجهها مشوهاً إلى حدٍ يجعل الغرباء يفرّون رعباً عند رؤيته.
عينان زرقاوان تظهران من بين ندوب الحروق، وشعر أبيض باهت تلطخه الأوساخ.
ومع ذلك... لم يكن فيها أي أثر للكآبة.
أي لا ظل للحقد، لا مرارة.
فوق ذلك الوجه لم يكن يوجد سوى شيء واحد.
'ابتسامة.'
ولهذا السبب بالذات لم يستطع فهمها، وسأل أخيراً:
"ألا تشعرين بالندم؟"
"على ماذا؟"
"على تخليكِ عن قواكِ."
لو احتفظت بها لما عاشت هذه الحياة.
ولو اندلعت حروب العالم كلها، لبقيت في مأمن، لكن رينيه ضحكت برفق وقالت:
"لا أشعر بأي ندم."
"لماذا؟"
"ولماذا ينبغي أن أشعر به؟"
اختنقت الكلمات في حلقه.
لا لأنه لا يملك جواباً، بل لأنه يملك الكثير منها.
فالحياة في المستنقع ليست حياة.
إنها بؤسٌ محض، جوع دائم، واحتقار مستمر.
وصقيع يقتل الناس في الشتاء لأنهم لا يملكون حتى جداراً يحتمي به.
فلماذا لا تخاف ذلك؟ لماذا لا تشتاق إلى أيام مجدها؟
لماذا تتقبل كل شيء بهذه الابتسامة؟
وبينما كان غارقاً في أفكاره، قالت فجأة:
"أتعلم؟ لقد كانت لي عينان تبصران يوماً."
رفع رأسه نحوها، وأخذت تحكي.
عن طفلة صغيرة في الخامسة أو السادسة من عمرها، عن ابنة فلاح من قرية نائية في أطراف مملكة هوردن الشرقية، عن الزهور الملونة في الربيع، والشمس المتألقة في الصيف.
وحقول القمح الذهبية في الخريف، والعالم الأبيض الذي كان يغطيه الثلج شتاءً، كانت تتحدث كأنها تلمس تلك الذكريات بيديها، وقالت:
"كنت سعيدة آنذاك. سعيدة أكثر مما كنت بعد أن أصبحت قديسة، وإن سألني أحد عن أسعد لحظة في حياتي، فسأختار تلك الأيام."
ابتسمت، ثم تابعت:
"وعندما فقدت بصري فجأة، شعرت وكأن العالم انهار فوق رأسي."
تنهد فيرا.
"إذن أنتِ بشر في النهاية.*
ضحكت بخفة.
"بل بشرية تماماً."
ثم واصلت حديثها، عن سنوات البكاء.
عن شعورها بأنها أكثر الناس تعاسة، وأن العالم كان قاسياً معها وحدها.
وكان فيرا يفهم ذلك جيداً، فقد شعر بالأمر نفسه يوماً.
كما شعر به كل من يعيش في هذا المستنقع.
ثم أكملت:
"بعد ذلك ظهرت على جسدي وصمة الحاكم."
كان يعرف القصة.
المعجزة التي لم تظهر منذ أربعة قرون.
العلامة المقدسة التي ظهرت على فتاة لم تبلغ رشدها بعد.
الحدث الذي قلب القارة رأساً على عقب.
ابتسمت رينيه وقالت
"في البداية... كرهت الحاكم."
رفع حاجبيه، أما هي فأردفت:
"شعرت وكأنه سلب مني نور عينيّ ثم ألقى إليّ هذه البركة صدقةً منه."
ضحك فيرا.
"لو سمع الكهنة هذا الكلام لأصيبوا بالجنون."
"إنه سر صغير."
"وتخبرين به رجلاً يحتضر؟"
وقبل أن يكمل سخريته، وخزته بإصبعها في صدره.
"آغـه...!"
قالت بلطف:
"لا تقل إنك تحتضر عليك أن تفكر في الشفاء."
حدق فيها بعجز، لكن التحديق في عمياء كان عديم الجدوى.
فضحكت مجدداً وأكملت:
"ثم زرت المستنقع ذات يوم."
"هذه أول مرة أسمع ذلك."
"لأنها كانت زيارة سرية."
وصفت له ما شعرت به آنذاك.
الأنفاس المحتضرة، الصراخ المملوء بالألم، رائحة الدم والقمامة، الرطوبة الثقيلة واليأس الذي كان يملأ المكان.
ثم قالت بصوت خافت:
"هناك شعرت بالخجل للمرة الأولى."
وصمتت لحظة.
"حين رأيت الناس هنا، أدركت كم كنت مدللة وأنا أظن نفسي أشقى البشر."
ارتسمت الابتسامة على شفتيها مجدداً.
"ومنذ ذلك اليوم توقفت عن لوم الحاكم، وبدأت أعتقد أنه ربما أخذ مني النور لأتمكن من منحه للآخرين."
قال فيرا:
"استنتاج متسرع."
"ربما."
ثم ضحكت.
"لكن ما أهمية ذلك؟ المهم أنني وصلت إلى هذا القرار."
وأردفت بهدوء عجيب:
"لهذا لا أندم أبداً، حتى وإن أصبحت شخصاً ضعيفاً وضئيلاً، فما دمت أستطيع أن أكون عوناً لأحد، فأنا ممتنة لذلك من أعماق قلبي."
نظر إليها فيرا طويلاً.
إلى تلك الابتسامة الخالية من أي شائبة.
الخالية من أدنى تجعد للحزن.
وفجأة أدرك الحقيقة.
'القديسة.'
فهم أخيراً لماذا كانوا يطلقون عليها هذا اللقب.
لأنها كانت تملك بالفعل ذلك النبل الذي يتجاوز البشر، ذلك النقاء الذي جعله يشعر بالاختناق كلما نظر إليها.
هي التي اختارت الفقر لتمنح الآخرين أملاً.
أما هو... فقد سحق كل ما صادفه في طريقه خوفاً من العودة إلى الجوع والموت.
أدار وجهه بعيداً وأغمض عينيه.
ولأول مرة في حياته... شعر بالندم.
ندم لم يعرفه قط رغم كل ما ارتكبه من خطايا.
كان هذا الشعور أثقل من جراحه، وأشد إيلاماً من موته الوشيك.
تمتم أخيراً:
"مجنونة..."
فجاءه ردها مصحوباً بضحكة نقية:
"إنه وصف يسرني."
وظل صوت ضحكتها يتردد في الكوخ الصغير، بينما كان قلب فيرا يزداد ثقلاً كأنه يحمل صخرةً عظيمة في أعماقه.
**الـصـور التـوضـيحيـة للفـصـل الـثـانـي⋄ ׅ୭🕊!.**
**البطل: فـيـرا [شعـر أسـود]⋄ ׅ୭🖤!.**
**البطلـة: ريـنـيـه [شعـر أبيـض]⋄ ׅ୭🤍!.**
~الترجمة من قبل إيفالينا🤍~