—الـفـصـل 1: المستنقع (1)—

كان الألم يجتاح جسده كما لو أن كل عظمة فيه تتفتت وتنهار.

وعلى وقع ذلك العذاب، انفتحت عينا فيرا ببطء.

"آه..."

لم يخرج من شفتيه سوى صوتٍ أجش متشقق، جافٍ كغصنٍ يابس أوشك أن يتفتت مع أول لمسة.

طنَّ رأسه بقسوة، فيما تسللت إلى أذنيه أصوات خشخشة متواصلة، كانت الرطوبة تستقر فوق جلده فتزيد شعوره بالنفور، وكل شهيقٍ يستنشقه كان يوقظ في صدره ألماً مبرحاً يقلب أحشاءه رأساً على عقب.

أحاسيس بغيضة لا تُطاق، وجسد بلغ أسوأ حالاته.

'ما الذي حدث بالضبط؟'

وبينما كانت هذه الفكرة تدور في ذهنه، أدار فيرا رأسه بصعوبة، مستعيناً بما بقي له من قوة، وأخذ يتفقد ما حوله.

'هذا المكان...'

فضاء مظلم.

كوخ متهالك لا يستحق حتى أن يُدعى منزلاً؛ ألواح خشبية بالكاد تصد الرياح والأمطار، حتى إن الماء كان يتسرب من سقفه المتداعي في خيوطٍ متواصلة.

أما الأثاث، إن جاز تسميته كذلك، فلم يكن سوى بضع قطعٍ من القماش البالي، ووعائين نحاسيين أكلهما الصدأ حتى سالت على جوانبهما خطوط حمراء قاتمة.

كانت حشرات سوداء تزحف على الجدران، بينما تتساقط قطرات الوحل من شقوق السقف الواهنة.

ولعل ذلك كان مصدر الهواء الكالح وأصوات الخشخشة التي ملأت المكان.

وما إن جال ببصره في الأرجاء حتى أدرك على الفور أين هو،

بل لم يكن ممكناً ألا يدرك.

'المستنقع...'

المكان الذي فتح فيه عينيه كان الحي القذر الذي وُلد وترعرع فيه، ذاك الذي لُقّب بين الناس بـ«قيح الإمبراطورية».

لكن سؤالاً واحداً ارتسم في ذهنه.

'لماذا أنا هنا؟'

أغمض عينيه قليلاً محاولاً استرجاع آخر ما يتذكره.

لقد كان...

'أحتضر بسبب اللعنة...'

لعنة استجلبها بنفسه من خلال آثامه التي تراكمت عبر السنين.

بعد ثلاث سنوات من هزيمة ملك الشياطين، وبينما كان الأبطال يعملون على تطهير آثار الحرب الطويلة وإعادة ترتيب شؤون القارة، قرروا أخيراً ملاحقته هو أيضاً.

لقد حاول الهرب، وقاوم بكل ما أوتي من حيلة.

إلا أنه في النهاية كان يسقط ضحية لتلك اللعنة القاتلة.

ومع ذلك... الغريب أن أثر اللعنة التي كانت تنهش روحه وجسده لم يعد موجوداً.

كل ما كان يشعر به الآن هو آلام الإصابات والجراح التي خلفتها سنوات القتال الطويلة.

حاول أن يتذكر كيف انتهى به المطاف هنا بعد سقوطه قرب مدخل المستنقع، لكنه لم يجد جواباً مقنعاً.

فأعرض عن التفكير وأغلق عينيه.

سواء أكان أحدهم قد أنقذه... أم كان هذا فخاً دبّره عدو جديد...

فلم يكن يملك حالياً ما يفعله حيال الأمر.

ورغم بؤس المكان، إلا أن آثار المعيشة كانت واضحة في أركانه،

لا بد أن صاحب هذا المسكن سيعود عاجلاً أم آجلاً.

وعندها يمكنه طرح أسئلته.

وهكذا، وبينما كان يقتل الوقت في صمت، انفتح باب الكوخ فجأة مصدراً صريراً حاداً.

"كريييك...!"

فتح فيرا عينيه والتفت نحو الباب.

الشخص الداخل كان...

'امرأة؟'

امرأة ترتدي عباءة رثة.

لكن ما شد انتباهه لم يكن لباسها، بل بشرتها.

كانت الحروق قد التهمت جسدها كله تقريباً، حتى بدا مظهرها منفراً ومروعاً.

خصلات من الشعر الأبيض انسلت من تحت قلنسوة العباءة، وقد لوثتها الأوساخ والطين.

أما قدماها فكانتا حافيتين، مغطاتين بالوحل، وبدت كأنها فاقدة للبصر.

فالعينان الزرقاوان اللتان فقدتا بريقهما، وطريقتها المتعثرة وهي تتحسس الجدران، كانتا دليلين واضحين على ذلك.

راقبها فيرا بصمت.

'من تكون؟'

وأثناء تأمله لها، لفت انتباهه صوت رنينٍ خافت يتكرر مع كل خطوة تخطوها.

لقد كان طنين معدنٍ يصطدم بمعدن.

'هل هو سلاح مخفي؟ أم نقود؟ أم حُليّ؟'

ظل يخمن حتى جلست المرأة على الأرض.

عندها فقط أدرك مصدر الصوت.

فوق عنقها الذي شوهته الحروق، تألقت قلادة بلون البلاتين.

'حلية إذاً...'

ضيّق فيرا عينيه.

لم يكن من المنطقي أن تمتلك امرأة تعيش في هذا الخراب قطعةً ثمينة كهذه.

فخطر بباله احتمالٌ ما.

'هل باعت هذه المرأة شخصاً ما... وربما سلّمته هو... مقابل تلك القلادة؟'

كان استنتاجاً منطقياً.

فالأشخاص الراغبون في رأسه كثيرون، وبينهم من يستطيع دفع ثروة مقابل ذلك.

لكن... حين انحنت المرأة أكثر، ظهرت القلادة كاملة.

وفي اللحظة التي رآها فيها، انحبس نفسه.

لأنه عرفها فوراً.

كانت...

'روزاريو المملكة المقدسة.'

روزاريو بلاتيني لا يُمنح إلا لأصحاب أعلى المراتب في الدولة المقدسة.

ولم يكن مقلداً، كان متأكداً من ذلك.

بل إن مجرد المتاجرة بهذه القطعة كفيل بأن يجعل الدولة المقدسة بأسرها تطارد الفاعل.

وهكذا لم يبق سوى استنتاج واحد، هذه المرأة تنتمي إلى الدولة المقدسة.

وفجأة، ومضةٌ خاطفة مرت في ذهنه.

'شعر أبيض، عمياء، روزاريو بلاتيني.'

صفات قد يشترك فيها غير شخص، لكن شعوراً غريباً منعه من تجاهل الفكرة التي خطرت له.

راقبها للحظات، ثم تمتم بصوتٍ خافت:

"القديسة..."

تجمد جسد المرأة للحظة، ارتجفت أصابعها.

وعندها تأكد من صحة حدسه، رفع نظره إليها بحذر أشد.

فاستدارت نحوه وقالت:

"يبدو أنك قد استيقظت."

كان صوتها صافياً على نحو لا ينسجم إطلاقاً مع مظهرها المشوه، وكان ذلك أول ما خطر في ذهن فيرا.

ثم بدأت عضلات وجهها تتحرك.

التوت آثار الحروق بصورة غريبة، لكن فيرا شعر بأنها... تبتسم.

فكل شيء فيها كان يوحي بذلك.

نبرة صوتها الهادئة.

وعيناها الزرقاوان اللتان، رغم فقدانهما البصر، ظلتا تتجهان نحوه بدقة.

والمحاولة الواضحة لرفع زاويتي شفتيها، كل ذلك بدا له كابتسامة.

ظل يحدق في وجهها المشوه قبل أن يسأل:

"سمعت أنكِ متِّ."

فالقديسة كانت، بحسب الروايات المعروفة، قد سقطت في المعركة الأخيرة ضد ملك الشياطين.

ولهذا كان وجودها هنا أمراً عصياً على الفهم.

ضحكت المرأة ضحكة خافتة وقالت بمزاح لطيف:

"إن كنت تقصد القديسة، فهي بالفعل قد ماتت."

"إذن من أنتِ؟"

"مجرد متسولة بائسة من المستنقع."

ورغم مراوغتها، فهم فيرا المعنى.

"إذن... كانت جنازة مزيفة."

"ليست مزيفة تماماً، فالقديسة التي عرفها العالم قد ماتت حقاً."

ثم مدت يدها تتحسس صدره.

وفي اللحظة التالية أفلت منه أنين مكتوم.

لقد لامست إحدى أضلاعه المكسورة.

"آغـه...!"

"هل يؤلمك كثيراً؟"

شد فيرا أسنانه وحدق فيها بصمت، لم يكن من الحكمة أن يظهر ضعفه.

لكنها لم تعبأ بصمته، واستمرت في فحص جراحه، ثم قالت برقة:

"أنهيت الإسعافات الأساسية، لكنك تحتاج إلى الراحة هنا لبعض الوقت، أرجو أن تتحمل الأمر."

صوتٌ مفعم بالقلق الصادق، وهذا بالذات ما أثار حذر فيرا.

'ما غايتها؟'

كانت الأسئلة تتراكم في ذهنه.

لماذا ما زالت حية؟ ولماذا هي بهذه الهيئة؟

وكيف وجدته؟ وهل تعرف هويته؟

وبعد لحظة سأل:

"أأنتِ من أزلتِ اللعنة؟"

أجابت بهدوء:

"لحسن الحظ، كانت لدي القدرة على فعل ذلك."

كانت إجابة غامضة.

"القدرة؟"

"لقد حظيت بعناية الحاكم."

ارتسمت على وجهها المشوه ابتسامة هادئة، لكن فيرا لم يقتنع.

فالقديسة التي يعرفها كان ينبغي أن تزيل تلك اللعنة دون أدنى مشقة.

وفجأة توصّل إلى استنتاج.

"هل سُلبت منكِ القداسة؟"

هزت رأسها برفق.

"ليس سلباً، فهي لم تكن ملكي منذ البداية."

ثم أضافت:

" لقد أعدت ما استعرته إلى صاحبه."

"تخلّيتِ عنها بإرادتك؟"

"لم يعد لدي سبب للاحتفاظ بها."

عندها ضحك فيرا ضحكة قصيرة، فقد فهم الآن.

لقد زيفت موتها بنفسها، ولم يحتج أن يسأل لماذا.

فالجواب كان واضحاً في ذلك الوجه الهادئ.

قال:

"يبدو أنكِ سئمتِ الحرب."

لو بقيت القديسة في مكانتها بعد انتهاء الحرب، لتحولت إلى سبب حرب جديدة بين الممالك.

وقواها كانت كفيلة بإشعال القارة كلها، ولهذا اختارت أن تمحو وجودها.

ساد الصمت لحظة، ثم قالت بصوت أخفض:

"أنت تعرف أشياء كثيرة."

رفع نظره إليها.

"وهل ستقتلينني بسبب ذلك؟"

أغمض عينيه، الآن جسده محطم بكامل.

ولو أرادت خنقه الآن لما استطاع المقاومة، ولم يكن يملك الكثير من الندم على الموت.

فقد عاش حياة تستحق هذا المصير.

لكن بعد لحظة، سمع صوتها الهادئ:

"لا يوجد سبب يدعوني لقتلك."

فتح عينيه مجدداً.

كانت لا تزال تحتفظ بتلك السكينة الغريبة.

"ولماذا؟"

"ولماذا أفعل؟"

"لأنني أعرف حقيقتك."

"كل ما أرجوه هو أن تحفظها لنفسك."

"وإن نشرتها بين الناس؟"

ابتسمت ابتسامة باهتة.

"عندها سيكون ذلك مؤسفاً."

لم يستطع قراءة أي شيء من وجهها المشوه، وبعد صمت طويل قالت:

"استرح الآن، حالتك ليست جيدة."

ثم سألها:

"هل تعالجينني وأنت لا تعرفين من أكون؟"

"وهل ينبغي أن أعرف؟"

"ربما أكون قاتلاً سفاحاً."

أجابت دون تردد:

"إن كان الأمر كذلك فسيكون مؤسفاً حقاً، لكنني لا أملك الشجاعة لأدير ظهري لمريض يتألم، كل ما أستطيع فعله هو أن أدعو ألا تكون ذلك الرجل."

استندت إلى الجدار وأخرجت الروزاريو من بين طيات ثوبها.

ضمت القلادة بين كفيها وأغمضت عينيها، كأنها تصلي.

راقبها فيرا وشعر بانقباض غريب في صدره، ثم قال بسخرية:

"يبدو أنكِ شديدة الإخلاص، أيتها القديسة."

ساد الصمت لحظة، ثم قالت بهدوء:

"رينيه."

"ماذا؟"

"لستُ القديسة."

رفعت رأسها قليلاً.

"اسمي رينيه."

ظل فيرا صامتاً.

ومن بين كل الاعتراضات الممكنة... لم تجد ما تصححه سوى اسمها.

وعندها خطرت له فكرة واحدة فقط.

'إنها امرأة غريبة على نحوٍ لا يُصدَّق.'

ثم أغلق عينيه ببطء، فيما ظل اسمها يتردد في أعماق ذهنه.

'رينيه.'

**الـصـور التـوضـيحيـة للفـصـل الأول⋄ ׅ୭🕊!.**

**البطل: فـيـرا [شعـر أسـود]⋄ ׅ୭🖤!.**

**البطلـة: ريـنـيـه [شعـر أبيـض]⋄ ׅ୭🤍!.**

~الترجمة من قبل إيفالينا🤍~

2026/08/13 · 2 مشاهدة · 1335 كلمة
sysmonl
نادي الروايات - 2026