# الفصل الأول: الرماد الذي لم ينطفئ

كان الثلج يحترق.

هذه هي الصورة التي لن تفارق ذهن كيران دورن مهما طال الزمن: الثلج الأبيض النقي الذي يغطي قمم الجبال الشمالية، يتحول تحت قدميه إلى وحل أحمر داكن، يتصاعد منه بخار خفيف كأن الأرض نفسها تنزف.

وقف على تلة صغيرة تطل على قرية "دورنهولد"، معقل عشيرته منذ مئتي عام، ولم يكن هناك شيء يمكنه فعله سوى المشاهدة.

المنازل الخشبية التي بناها أجداده تحترق واحدًا تلو الآخر. الأصوات التي كانت تملأ الساحة الكبرى كل صباح — صوت المطارق على الحديد، ضحكات الأطفال، نداء والدته وهي تجمع الأعشاب من الحديقة الخلفية — كل هذا استُبدل بصراخ لا ينتهي.

"كيران!"

التفت نحو الصوت. والده، "بوريك دورن"، زعيم العشيرة وأعظم محارب عرفته الجبال الشمالية منذ جيلين، كان يركض نحوه، سيفه مكسورًا في يده، ودمه يغطي نصف وجهه.

لم يكن الرجل الذي يعرفه كيران. لا الرجل الذي كان يرفعه على كتفيه وهو طفل، ولا القائد الذي كانت كل قبائل الشمال تهابه. كان رجلاً منهكًا، مهزومًا، يركض نحو ابنه الوحيد ليس ليحميه بقوته — بل ليموت أمامه.

"أبي—"

لم يُكمل كيران الجملة. سهم فضي لامع، منقوش بطلاسم سحرية زرقاء، اخترق ظهر بوريك دورن من الخلف، وخرج من صدره. توقف الرجل العملاق في مكانه، كأن الزمن نفسه تجمد للحظة، ثم سقط على ركبتيه.

"أبي!"

ركض كيران نحوه، لكن قبل أن يصل، ظهرت امرأة من بين الدخان. كانت ترتدي جبة سحرة مطرزة بشعار "مجمع الأبراج" — شعار البرج المحاط بثلاث نجوم. وجهها هادئ، بارد، وكأنها تراقب تجربة علمية لا مذبحة.

"يا للأسف،" قالت بصوت رقيق لا يحمل أي أثر من الأسف الحقيقي. "عائلة بأكملها تُمحى من التاريخ في ليلة واحدة. لكن هذا ثمن ضروري، أليس كذلك؟ أرضكم أثمن من دمائكم."

كيران انحنى فوق جسد والده. لم يكن هناك وقت للحزن — لم يكن هناك وقت لأي شيء. عيناه التقتا بعيني والده للحظة أخيرة.

"اهرب... اذهب لأمك..." همس بوريك دورن بصوت يتلاشى، ثم سكن.

لم يكن هناك وقت حتى للبكاء.

***

وجد كيران والدته "إيلارا" في الساحة الكبرى، محاطة بثلاثة رجال يرتدون شارات مختلفة: أحدهم بزي فرسان الإمبراطورية الملكي، والثاني برداء أبيض عليه رمز الشمس المشعة — رهبانية النور، والثالث يحمل سيفين متقاطعين على درعه — نقابة الشفرة الفضية.

أربع قوى. أربع رايات. مأساة واحدة.

"إيلارا دورن،" قال فارس الإمبراطورية ببرود، وكأنه يقرأ حكمًا قضائيًا لا يأمر بمذبحة، "عشيرتكم تشكل خطرًا متزايدًا على استقرار الإمبراطورية. بأمر مباشر من العرش، يُنهى وجود عشيرة دورن اليوم."

"خطرًا؟!" صرخت إيلارا، وهي تحاول حماية ابنها بجسدها. "نحن من أنقذ الإمبراطورية قبل مئتي عام! نحن من دفع بدمائنا ثمن نبالتكم الكاذبة!"

"بالضبط،" قال راهب الرهبانية بصوت هادئ يحمل قسوة أعمق من أي صراخ. "دم غير مبارك لا يستحق أن يحمل لقب النبالة. لقد حان وقت تصحيح هذا الخطأ التاريخي."

كيران، البالغ من العمر ستة عشر عامًا في تلك اللحظة، وقف عاجزًا كليًا. لم يكن يملك أي موهبة قتالية — "الفاشل" كما كان يُلقَّب في عائلته من محاربين أسطوريين، الابن البكر الذي لم يرث شيئًا من قوة أبيه.

لم يستطع حتى حماية أمه.

سيف نقابة الشفرة الفضية كان الأسرع.

***

الألم الذي شعر به كيران وهو يسقط لم يكن جسديًا فقط. كان شيئًا أعمق — إحساس بالفشل المطلق، بأن كل شيء انتهى، وأنه لم يستطع فعل أي شيء لإنقاذ من يحب.

آخر ما رآه قبل أن تُغلق عيناه للأبد كان السماء. سماء رمادية، مليئة بدخان القرية المحترقة، وثلج يتساقط ببطء كأنه يحاول إطفاء نار لا يمكن إطفاؤها.

ثم... ظلام.

ثم...

***

فتح عينيه.

كانت أول ملاحظة صادمة أن السقف الذي يراه ليس السقف نفسه. كان أخشابًا أصغر، أكثر بساطة، بدون النقوش التي اعتاد رؤيتها في غرفته. حاول أن يرفع يده ليتحسس وجهه، فتجمدت حركته.

يده صغيرة.

صغيرة جدًا.

جلس بسرعة، قلبه يدق بعنف، ونظر إلى جسده. كان جسد طفل. ذراعان نحيلتان، أصابع صغيرة، ولا أي أثر لأي إصابة أو ندبة كان يحملها منذ سنوات المران القاسي في العشيرة.

"هل... هل هذا حلم؟"

صوته أيضًا كان مختلفًا. رفيعًا، طفوليًا.

نهض من الفراش بحذر، ساقاه ترتجفان، ليس من الخوف فقط بل لأنهما ببساطة لم تكونا معتادتين على حمل وزنه بعد — كأنه يتحكم بجسد ليس جسده.

مشى نحو النافذة الصغيرة في الغرفة، وسحب الستارة الخشبية جانبًا.

القرية.

دورنهولد.

كاملة. سليمة. لا حرائق، لا دخان، لا دماء على الثلج. الشمس تشرق بهدوء فوق الجبال، ودخان المداخن يتصاعد بشكل طبيعي من كل منزل، وأصوات المطارق على الحديد تصدح من الورشة الرئيسية كما كانت دائمًا.

كيران وقف متجمدًا، يحدق في المشهد وكأنه يرى شبحًا.

"هذا... مستحيل."

باب الغرفة فُتح فجأة، وظهرت امرأة تحمل صينية خشبية عليها كوب حليب دافئ وخبز طازج.

كانت والدته.

إيلارا دورن. حية. تبتسم. بلا أي جرح، بلا أي أثر لسهم أو سيف.

"كيران، حبيبي، لماذا أنت واقف بجانب النافذة؟ الجو بارد، عد إلى الفراش."

لم يستطع كيران الحركة. حدق فيها لثوانٍ طويلة، وكأن الزمن توقف مرة أخرى، لكن هذه المرة ليس بسبب الموت — بل بسبب شيء أعظم من ذلك بكثير.

"أمي..." همس بصوت مرتجف، وقبل أن يستطيع منع نفسه، اندفع نحوها واحتضنها بقوة قد تبدو غريبة جدًا لطفل في السادسة من عمره.

"كيران؟ ما بك يا صغيري؟" سألت وهي تربت على ظهره، مندهشة من هذا الاحتضان المفاجئ. "هل رأيت كابوسًا؟"

كابوس.

لو فقط كان الأمر بهذه البساطة.

ابتعد قليلاً، ونظر إلى وجهها بعينين مليئتين بالدموع التي لم يستطع كبتها. كانت هذه المرة الأولى منذ سنوات — سنوات من حياته "الأولى" — التي يراها فيها بلا خوف، بلا حزن مطبوع على ملامحها بسبب فشله المتكرر، بلا القلق الدائم من نظرات الشفقة التي كانت تُرمى على عائلتهم.

"أمي، كم عمري الآن؟" سأل فجأة، بصوت لا يزال يرتجف.

ضحكت إيلارا بلطف، ظانّة أن ابنها الصغير يمزح. "ست سنوات بالطبع يا صغيري، عيد ميلادك كان الأسبوع الماضي. هل نسيت بهذه السرعة؟"

ست سنوات.

الرقم ارتطم بذهن كيران كصاعقة. إذا كان عمره ستة عشر عامًا حين مات، وهو الآن في السادسة...

عشر سنوات.

عاد عشر سنوات بالضبط إلى الماضي.

قبل عشر سنوات من مجزرة دورنهولد.

***

قضى كيران بقية ذلك اليوم في حالة أشبه بالذهول. تناول الطعام آليًا، أجاب على أسئلة والدته بكلمات قصيرة، وحين خرج إلى الساحة الكبرى ورأى والده "بوريك دورن" واقفًا هناك، حيًا، يتدرب مع بعض محاربي العشيرة، شعر وكأن قلبه سيتوقف مرة أخرى.

جلس على درجات مدخل منزلهم، يراقب والده من بعيد، ودموع صامتة تنزل على وجنتيه دون أن يشعر.

"أبي..." همس لنفسه. "أنت حي..."

لكن الفرح الذي غمره سرعان ما أفسحته للحقيقة الباردة التي بدأت تتشكل في ذهنه. إن كان هذا حقيقيًا — إن كان قد عاد فعلاً بالزمن — فهذا يعني شيئًا واحدًا فقط:

لديه عشر سنوات فقط قبل أن يتكرر كل شيء.

عشر سنوات قبل أن يقف الملك وسحرة مجمع الأبراج ورهبانية النور ونقابة الشفرة الفضية على أطلال قريته مرة أخرى.

عشر سنوات ليمنع ما حدث... أو ليكون مستعدًا له هذه المرة.

نهض كيران فجأة، وقرر أن عليه أن يتصرف بحذر شديد. لا أحد يمكن أن يعرف بما يعرفه. لا أحد سيصدقه إن أخبرهم بأنه رأى المستقبل — بل سيعتبرونه مجنونًا، أو أسوأ، سيثيرون شكوكًا حول ما إذا كان قد أصابته لعنة أو مسّه شيء خارق للطبيعة.

هذه الفكرة بالذات جعلته يتجمد في مكانه.

لعنة.

في حياته السابقة، كان كيران يُعرف بلقب واحد لا يفارقه: "الفاشل". الابن البكر لأعظم عشيرة محاربين في التاريخ، وبلا أي قدرة قتالية تُذكر. لم يستطع قط أن يجاري حتى أضعف أطفال العشيرة في التدريب. كان الجميع يعتقدون أنه ببساطة وُلد بلا موهبة.

لكن الآن، بعد أن عاد بذاكرة كاملة، بدأ يتذكر تفاصيل كانت مدفونة في أعماق ذاكرته: شعور غريب بالثقل يجثم على صدره منذ الطفولة، كوابيس متكررة عن ظل أسود يحيط به وهو نائم، وحادثة غامضة حين كان في الخامسة من عمره — قبل عام واحد فقط من الآن — حين مرض لأيام دون سبب واضح، وعاد بعدها "طبيعيًا" لكن بلا أي أثر للموهبة التي يُفترض أن يرثها كابن بكر لعائلة دورن.

هل كان هذا... لعنة؟

جلس كيران على الأرض الباردة، يفكر بعمق أكبر مما يليق بطفل في السادسة من عمره، محاولًا استحضار كل ذرة معرفة يملكها عن السنوات القادمة.

وبينما كانت الذكريات تتدفق، تذكر شيئًا آخر. شيئًا سمعه بالصدفة قبل خمس سنوات من مجزرة عائلته — أي بعد خمس سنوات بالضبط من هذه اللحظة التي يعيشها الآن.

اكتشاف في زنزانة مخفية عميقًا تحت جبال الشمال، تحدث عنه بعض التجار والمغامرين في حانات المدينة القريبة، بصوت خافت وحذر: إكسير أسطوري، قيل إنه قادر على تحرير القوى الخفية المكبوتة داخل الجسد... وإزالة أي لعنة مهما كانت قديمة أو قوية.

في حياته السابقة، لم يعرْ كيران هذا الخبر أي اهتمام. كان مجرد فتى محبط يائس من موهبته المفقودة، لا يؤمن بالخرافات ولا يبحث عن حلول سحرية.

لكن الآن؟

الآن يعرف بالضبط أين تقع تلك الزنزانة، وتقريبًا متى يُكتشف الإكسير فيها.

خمس سنوات من الآن.

كيران نهض ببطء، ومسح دموعه المتبقية بكم قميصه الصغير. نظرة جديدة بدأت تتشكل في عينيه — نظرة لا تليق بطفل في السادسة، نظرة رجل عاش، ومات، وعاد ليعيش مرة أخرى.

"لن أنتظر خمس سنوات لأصل إلى تلك الزنزانة،" همس لنفسه بعزم هادئ. "وإن كانت هناك لعنة تسكنني فعلاً... فسأجد من ألقاها عليّ. وسأجعله يندم على أنه تركني حيًا ليروي القصة."

نظر نحو الجبال البعيدة، حيث تقبع أسرار لا يعرفها أحد في هذا الزمن بعد.

"هذه المرة،" قال بصوت أكثر حزمًا، "لن أكون الفاشل."

***

في تلك الليلة، بينما كانت والدته تغني له أغنية قبل النوم كما كانت تفعل دائمًا في ذكرياته البعيدة، لاحظ كيران شيئًا لم يلاحظه من قبل — أو ربما لم يكن يملك الوعي الكافي في حياته الأولى ليلاحظه.

حين اقتربت يد إيلارا من صدره لتربت عليه بحنان، شعر كيران بوخزة خفيفة، شبه مؤلمة، تنبعث من مكان قريب من قلبه. لم تكن قوية، لكنها كانت هناك، واضحة، غريبة.

فتح عينيه في الظلام بعد أن غادرت والدته الغرفة، ورفع قميصه الصغير بحذر، محاولًا رؤية جلده في ضوء القمر الخافت المتسلل من النافذة.

وهناك، بالقرب من قلبه مباشرة، كانت هناك علامة صغيرة جدًا، بالكاد تُرى، بلون رمادي داكن يشبه الرماد المحترق. لم تكن ندبة عادية. كانت رمزًا — رمزًا معقدًا مثل تلك الطلاسم التي رآها منقوشة على سهام سحرة مجمع الأبراج في ليلة مقتله.

يده ارتجفت وهو يلمسها.

كانت باردة. باردة بشكل غير طبيعي، رغم أن باقي جسده كان دافئًا.

"إذن... هذا حقيقي،" همس كيران في الظلام، وقلبه الصغير يخفق بعنف. "هناك حقًا لعنة تسكنني. ومن ألقاها عليّ... لا بد أنه هو نفسه سبب فشلي طوال حياتي الماضية."

أغلق عينيه، وحاول أن يهدئ من روعه، لكن سؤالاً واحدًا بدأ يتردد في ذهنه بإلحاح لا يمكن تجاهله:

من فعل هذا به؟ ومتى بالضبط؟

وإذا كانت هذه اللعنة حقيقية منذ الآن — منذ أن كان عمره ست سنوات فقط — فهذا يعني أن العدو الحقيقي، ذلك الذي يقف خلف كل شيء، بدأ يتحرك ضده منذ زمن أبعد بكثير مما تخيل كيران في أسوأ كوابيسه.

بعيدًا، خلف جدران دورنهولد، وتحت سماء مليئة بالنجوم التي لا تعرف بعد ما ينتظر هذه القرية الصغيرة، كانت هناك عين تراقب من الظل — عين لم يرها كيران، ولم يشعر بوجودها.

لكنها كانت هناك.

تنتظر.

تراقب الطفل الذي يظن الجميع أنه "فاشل"...

بينما هي وحدها تعرف الحقيقة المرعبة: أن هذا الطفل بالذات، لو تُرك بلا قيد، قد يصبح أعظم خطر عرفه هذا العالم منذ قرون.

وكانت قد بدأت تخطط بالفعل... لضمان ألا يحدث ذلك أبدًا.

2026/07/21 · 6 مشاهدة · 1770 كلمة
Cr7
نادي الروايات - 2026