1 - العثرات لن توقف الشيطان

أين أنا؟ ما هذا المكان؟"

​انبعث صوتٌ مبحوح من بين شفتي الفتى القابع على الفراش. كان هناك ألمٌ حارق يمزق رأسه وكأن آلاف الإبر تنغرس في وعيه. فتح عينيه ببطء، لتتحرك حدقتاه الزرقاوان المنهكتان في أرجاء الغرفة. الغموض والذهول غطيا ملامحه، لكن سرعان ما حلّت الصدمة مكانهما عندما وقع نظره على الأثاث الخشبي القديم والنقوش المألوفة.

​"هذا المكان... أليس هذا منزل عائلة 'ماو' قبل مئة عام؟! كيف يعقل هذا؟"

​قبل أن يسترسل في أفكاره المشوشة، دُفع الباب الخشبي بخفة، ودلفت فتاة صغيرة تحمل ملامح القلق. صرخت بلهفة ودست يديها في صدرها:

"سيدي الشاب! سيدي الشاب، هل استيقظت أخيرًا؟"

​تصلب جسد الفتى، وتوسعت عيناه الزرقاوان اللتان حملتا بريقًا باردًا وعميقًا لا يناسب سنّه: "تشانغ إير؟ هل... هل لا تزلين على قيد الحياة؟"

​بدت نظراته غارقة في بحور من الدماء والرماد، وكأنه عاد للتو من الجحيم، غير مستوعب للواقع الحالي. نظرت إليه الخادمة الصغيرة بحيرة ممزوجة بالخوف، وسألته بصوت مرتدوف:

"سيدي... هل أحضر لك بعض الماء لتستعيد وعيك؟"

​أومأ برأسه إيماءة خفيفة: "حسناً..."

​في الخارج، كانت السماء تلبدت بغيوم رمادية كثيفة، تحجب أشعة الشمس وكأنها تنذر بمطر وشيك. نهض رين ماو من فراشه بخطوات ثقيلة. تفحص جسده؛ كان جسد صحي الى حد كبير لم يكن من الواضح ان هناك اي سوء معامله، و. يبدو أنه في العاشرة من عمره فقط في هذا الزمن. على العكس الغرفة التي يقطنها كانت معزولة ومهمشة، تفتقر إلى أدنى مظاهر الاهتمام، ما يدل على مكانته المتدنية الحالية في العشيرة.

​أحضرت الخادمة الماء، فاقترب وغسل وجهه. انعكست صورته على سطح الماء الصافي؛ وجه رقيق يحمل بعض الشقوق والندوب الصغيرة الناتجة عن سوء التغذية والإهمال، لكن ملامحه الحادة كانت لا تزال تشي بأصوله النبيلة كابن لعائلة غنية.

​قالت الخادمة وهي تجفف يديها بتوتر: "سيدي الشاب، اليوم هو يوم مهم للغاية، يجب أن تعتني بنفسك جيدًا وتستعد."

​توقف رين ماو عن الحركة، ونظر إليها لثوانٍ قبل أن تضرب الكلمات عقله كالصاعقة.

اليوم... إنه يوم اختبار أبناء العشيرة!

​تذكر تفاصيل هذا اليوم المشؤوم في حياته السابقة. سيد العشيرة الحالي—والده—لم يرَ أيًا من أطفاله منذ ولادتهم بسبب انشغاله بالتدريب المغلق، واليوم هو اليوم المحدد لاختيار الوريث الشرعي. قبل عودتي بالزمن، كان ابن رئيسة العشيرة (زوجة الأب الشرعية) هو النجم الساطع؛ وفرت له والدته كل الحبوب الروحية، والظروف الممتازة، والموارد الهائلة لينشأ كعبقري لا يلتفت إليه أحد.

​ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي رين ماو. 'إذا فزت في هذا الاختبار، سأحصل على الموارد والمميزات التي تضمن صعودي مجددًا. رغم أن هذا الجسد يفتقر إلى بعد الأشياء لس صقل إلى انهو في الوقت الحالي، إلا أن هذه المسابقة ليست سوى قتال بين أطفال... خبرتي وروحي تفوقهم بأجيال، هذا الجسد سيكون أكثر من كافٍ.'

​قاطعت الخادمة شروده قائلة بصوت منخفض: "سيدي... هل أنت شارد الذهن؟ هل ستشارك حقًا؟"

​رد رين ماو بنبرة حازمة خالية من التردد: "نعم. جهزي العربة، سأكون جاهزًا خلال دقائق."

"حاضر، ولكن... هل تريد أن تأخذ معك ملابسك الفاخرة الأخرى؟"

نظر إلى ثيابه البسيطة وقال برصانة: "لا حاجة، ملابسي الحالية اكثر من كافية لاداعي لي اشياء غير ضروريه ."

بلعت الخادمة ريقها وأجابت بطاعة: "حسنًا، مفهوم سيدي."

​انطلقت العربة عبر طريق ترابي قاحل، يحيط به ضباب كثيف يحجب الرؤية عن بُعد، بينما كان صوت عجلاتها الخشبية يتردد بحدة في الأرجاء.

​جلس رين ماو داخل العربة بوضعية اللوتس، وأغمض عينيه، ثم قال بنبرة صارمة وجهها للخادم في الخارج:

"أيها الخادم، لا تقم بمقاطعتي مهما كان السبب إلا في حالة طارئة تهدد الحياة. أفهمت؟"

أجاب الخادم من موقع القيادة بفزع: "حاضر، سيدي الشاب!"

​'يجب عليّ إعادة بناء قنوات الطاقة (الميريديان) وتدريب روحي حتى نصل إلى قاعة الاختبار.'

ركز رين ماو وعيه، وبدأ في استدعاء تقنية تنفس قديمة ومحظورة. مع شدة التركيز وتدفق الطاقة الروحية الخام في جسده الضعيف، بدأت العروق الزرقاء تبرز بوضوح على جبينه ونقاط طاقته، متحملاً ألمًا يعجز البالغون عن تحمله.

​بعد مرور ثلاث ساعات من السير المتواصل، فجأة...

بام!

​اهتزت العربة بعنف وتوقفت فجأة، كادت تدفع برين ماو خارج وضعية التأمل. انفتحت عيناه الزرقاوان بنقمة، وهتف بصوت جليدي:

"ماذا يحدث؟ ألم أحذرك من إزعاجي أثناء تدريبي؟!"

​جاء صوت الخادم يرتجف من الخارج: "أنا... أنا آسف سيدي الشاب! لكن يبدو أن هناك قطاع طرق قطعوا علينا المسار!"

"قطاع طرق؟"

​خرج رين ماو من العربة ببرود. كان هناك حشد من الرجال الأشداء، ملامحهم تدل على أنهم قرويون متمردون يعيشون في الجبال القريبة، لكن نظراتهم كانت تخفي شيئًا أكثر خبثًا من مجرد سرقة عادية.

​تقدم زعيمهم، وحمل فأسه الضخم صائحًا باستهزاء: "هيا، أخرج كل ما تملكه في هذه العربة وسنضمن لك موتاً رحيماً! أتسير في أرضنا وتظن نفسك آمنًا؟"

​نظر إليه رين ماو بنظرة احتقار، وقال بصوت هادئ ومخيف: "ولماذا عليّ دفع المال لكم؟ هل تعرفون حقًا أي عربة قمتم بعرقلتها؟"

​ضحك أحد قطاع الطرق بسخرية: "أيها الصغير المدلل! أنت لا تفهم معنى الموت. أتظن أن اسم عائلتك الكبيرة سيحميك منا في هذا المكان الموحش؟ لا أحد هنا لينقذك، استعد لموتك!"

​ضيق رين ماو عينيه، وقرأ ملامح وجوههم بدقة. 'حركاتهم منظمة للغاية بالنسبة لقطاع طرق عادين...'

وقال بنبرة ساخرة: "مجرد بعض المهرجين أرسلهم أحد الأقارب بالتأكيد... هل أرسلكم 'ليان ماو' لتصفياتي قبل الاختبار الوراثي؟"

​عند سماع هذا الاسم، تيبست أجساد القرويين وتغيرت ألوان وجوههم بالكامل، مما أكد شكوكه. صرخ زعيمهم بارتباك ليداري صدمته: "اقتلوه!!! لا تدعوه يخرج من هنا حي!"

​هاجم الجميع دفعة واحدة، مشهرين أسلحتهم البيضاء.

صرخ الخادم برعب: "انتبه سيدي الشاب—!"

​ولكن قبل أن يُتم الخادم كلمته، تحركت نية القتل في أعماق رين ماو. انبعثت قوة روحية مرعبة وغامضة من عينيه الزرقاوين. في تلك اللحظة، بدا وكأن العالم قد تباطأ، وتحول المشهد بالكامل إلى اللونين الأبيض والأسود لثوانٍ معدودة.

​شــاش!

​لم يرَ أحدٌ كيف تحرك، ولم يلمح الخادم أي نصل. تناثرت الدماء بغزارة في الهواء، وتساقطت جثث القرويين مقطعة الأشلاء على الأرض القاحلة دفعة واحدة، وتحول المكان إلى بركة من الدماء في رمشة عين.

​وقف الخادم متجمدًا، وعيناه متسعتان من شدة الصدمة والذهول، غير قادر على استيعاب أن هذا الطفل الهزيل قد أباد مجموعة من المقاتلين في لحظة.

​في هذه الأثناء، التفتت نظرات رين ماو الحادة نحو الأشجار الكثيفة على جانب الطريق. كان هناك شخص مخبأ يراقب المشهد، وعلامات الرعب ترتسم على وجهه بعد رؤية المجزرة. بمجرد أن التقت عيناه بعيني رين ماو، شعر ببرودة الموت، فاستدار وهرب بأقصى سرعته مستغلاً مهارة خفة الحركة.

​لم يقم رين ماو بمطاردته، بل أدار ظهره وقال للخادم ببرود وهو يعود لداخل العربة:

"تابع السير، لا تهتم بما حدث. لقد كنت أجرّب إحدى التقنيات للنزالات فقط."

​استعاد الخادم وعيه بالكاد، وارتعدت فرائصه وهو يجيب بصوت متقطع: "حـ... حاضر سيدي الشاب!"

​تحركت العربة مجددًا وسط الدماء المتناثرة. وفي الداخل، نظر رين ماو إلى كفه النحيل الذي كان يرتجف قليلاً بسبب الضغط على جسده صغير، وتنهد في نفسه:

'تقنية "رماد الموت"... إنها التقنية الهجومية الوحيدة التي يمكنني تنفيذها بوعيي الحالي دون تدمير قنوات طاقتي. يجب أن أصل لعشيرة ماو وأحصل على حبوب الشفاء؛ حتى يبرأ هذا الجسد تمامًا ويعود إلى ذروة قوته السابقة... وحينها، كل من تآمر ضدي سيتمنى لو أنه لم يولد.'

2026/06/25 · 6 مشاهدة · 1094 كلمة
Atwhwjwh
نادي الروايات - 2026