"لقد وصلنا يا سيدي الشاب..."
انقطع هدير عجلات العربة الخشبية وتوقفت تمامًا. انفتح الستار ليتراءى أمامه قصرٌ شاهق يمتد كالجبل الرابض، مبنيٌّ من الحجر الأسود المصقول الذي يعكس هيبة القرون الماضية. عُلّقت فوق البوابة الضخمة لافتة نحاسية عتيقة، نُقشت عليها بضربات سيف حادة وواثقة كلماتٌ تقطر قسوة: [قصر عائلة ماو: لا مكان للضعفاء، عائلة ماو ترحب بالأقوى فقط].
تقدم الخادم بظهره المنحني وتحدث مع الحراس بضع كلمات بنبرة حذرة، قبل أن يتقدم أحد الحراس مفتول العضلات ويفتح باب العربة بخشونة، ملقيًا نظرة فاحصة سريعة، ثم أشار بيده معلنًا الإذن بالدخول.
"تفضل بالنزول يا سيدي الشاب، لقد وصلنا إلى الساحة الرئيسية."
وطأت قدما رين ماو الأرض القاحلة للساحة. التفت حوله بنظرات باردة ونفَسٍ عميق؛ لم يكن القصر يختلف بشيء عما رآه وعاشه منذ زمن بعيد قبل العوده بزمن، كل زاوية، وكل عمود رخامي، وكل جدار كان ينضح بذات الهالة المألوفة. في تلك اللحظة، رصدت عيناه تجمعًا من الأطفال الذين يقاربون العاشرة من العمر، كانوا يتهامسون ويتدربون بحماس.
في الماضي، لم تسر الأمور بهذا الشكل؛ فقد وصل متأخرًا ومصابًا بجروح بالغة بسبب كمين قطاع الطرق، مما غيّر مجرى الأحداث حينها. أما الآن، وبسبب وصوله المبكر وتغير بعض التفاصيل، وقف في مواجهة هؤلاء الأطفال الذين طمس الزمان ملامحهم من ذاكرته؛ فلم يعد يتذكر حقًا أسمائهم أو هوياتهم بسبب مئات السنين التي قضاها في معارك العالم .
انفصل طفلٌ من بين الحشود، ذو شعر بني وعينين خضراوين تشعان غطرسة، وتقدم بخطوات واسعة متبوعًا بفتيين آخرين. نظر إلى رين ماو وثيابه البسيطة وجسده الهزيل، ثم انفجر ضاحكًا باستهزاء:
"ماذا أرى؟ هل أنت حقًا من سينافسنا في قتال العشائر اليوم؟ إنه لأمر مضحك للغاية! ألم يجدوا غير هذا الهيكل العظمي ليمثل فرعهم؟"
تعالت ضحكات الصبية من خلفه، ممتلئة بالتهكم الصبياني.
رمق رين ماو الفتى بنظرة جليدية فارغة، ولم يكلف نفسه عناء الرد؛ بل تجاوزه بخطوات ثابتة وكأنه يعبر بجانب صخرة لا حياة فيها.
صُدم الفتى ذو الشعر البني من هذا التجاهل التام، واشتعل وجهه حمرة من الغيظ. ركض ليقطع ممر رين ماو وصاح محتدًا:
"أنت! أيها الحثالة، هل تتجاهلني حقًا؟ هل تعلم من يكون أخي الأكبر؟! إنه—"
توقف رين ماو. التفت برأسه ببطء، ولم يبدِ أي اهتمام أو تعبير على وجهه وهو يقاطعه بصوت منخفض سكنت له الرياح:
"هل تظن أن ذكر اسم أخيك الأكبر سيحمي عنقك حينما أقرر قطعه؟"
تابع رين ماو خطوته، ملتفتًا بنظرة خالية تمامًا من المشاعر الإنسانية، وأردف: "إن أردت قتلك... فلن يستغرق الأمر مني خمس ثوانٍ. فلا تختبر صبري."
في تلك اللحظة، انبعثت من حدقتيه الزرقاوين نية قتل حقيقية، نية قتل صُقلت عبر بحور من الدماء والمجازر في حياته . تجمد الهواء حول الفتية، وشعروا وكأن وحشًا كاسرًا يقف أمامهم ويمسك برقابهم. ارتجفت ركبتا الفتى ذو الشعر البني، وتراجع خطوتين للوراء وهو يبلع ريقه برعب، ولم تمر ثوانٍ حتى استدار الفتية وفروا هاربين بنبضات قلب متسارعة.
تمتم رين ماو في سره ببرود:
'إنهم مجرد أطفال لا يستحقون هدر الطاقة... يجب أن أعثر على مكان هادئ للراحة وتثبيت قنوات الطاقية حتى تبدأ النزالات الرسمية.'
"هههه! أنت مضحك حقًا يارجل. لقد قمت بإخافة هؤلاء الفتية بمجرد تهديد لفظي بسيط."
جاء الصوت النبر المليء بالثقة والهدوء من خلفه. التفت رين ماو بهدوء ليرى مصدر الصوت، وتصلبت نظراته لبرهة.
كان الواقف أمامه شابًا صغيرًا يتميز بشعر خليط من الاشقر والابيض مسترسل يصل إلى حدود رقبته، وعينين فضيتين غريبتين تتمازج في أعماقهما شذور ذهبية غامضة. كان أنفه صغيرًا وحادًا، وعيناه مدببتين بشكل فريد يمنحه مظهرًا أشبه بالثعالب ، بينما كانت بشرته البيضاء صافية كاليشم النقي. ملابسه الحريرية المطرزة بخيوط الفضة كانت منظمة ونظيفة للغاية، مما يعكس بوضوح أنه أحد أبناء المحظيات اللواتي يتمتعن بسلطة ونفوذ عظيمين داخل العشيرة.
لكن بعد تمعن وتدقيق في تفاصيل وجهه، اهتزت روح رين ماو من الداخل.
إنه هو... "تنين البحار الأعمى"!
هذا اللقب المرعب الذي سيهز أركان القارة الغربيه بأكملها في المستقبل. قبل عودته بزمن ، كان هذا الطفل بمثابة كابوس يسير على الأرض؛ عبقري أوزع مجازر وأفعالاً أعجزت كبار زعماء العشائر الأسطورية. بعد بلوغ هذا الطفل سن الرابعة عشرة فقط، سيقوم بمجزرة دموية تطهر العشيرة بأكملها ويعتلي العرش فوق جثث أقاربه.
ارتسمت ابتسامة خفيفة، غامضة، وساخرة على شفتي رين ماو وهو ينظر إليه، وفكر في نفسه:
'حتى أنا لم أكن بتلك القسوة المفرطة لدرجة إبادة كل من يحمل دمي... أفعالك في المستقبل تجاوزت الحدود حقًا.'
لاحظ الشاب تلك الابتسامة الغريبة، فضيق عينيه الفضيتين وقال بتعجب: "ماذا بك ياهذا؟ لم تنظر إليّ هكذا وكأنك تعرفني؟"
استعاد رين ماو هدوءه الخارجي فورًا، ورد بنبرة رصينة: "لاشيئ... كنت فقط أفكر في هوية السيد الشاب الذي يقف أمامي ويوجه إليّ الحديث."
تغيرت ملامح الشاب إلى الود، وفرك مؤخرة رأسه ضاحكًا: "حسنًا، يبدو أني أخطأت ونسيت أن أرحب بنفسي أولاً. أنا أدعى يان ماو."
عند سماع الاسم، التمعت عينا رين ماو لكسر من الثانية بريق أحمر قرمزي متفجر، ناتج عن استثارة طاقته وشغفه برؤية هذا الوحش المستقبلي في طور نموه. حبس الطاقة فورًا، ومد يده برزانة مصافحًا:
"سررت بلقائك، أيها السيد الشاب يان."
نظر يان ماو إلى اليد الممدودة إليه، وشعر بوخز خفيف من الحذر غير المبرر، لكنه مد يده وصافحه بابتسامة: "وأنا أيضًا... لكنك لم تخبرني باسمك بعد؟"
أطلق رين ماو ضحكة خفيفة، خالية من أي توتر، وقال بثقة: "اسمي تشانغ ماو."
استعار رين ماو هذا الاسم عمدًا؛ فـ "تشانغ" كان اسم ابن المحظية الثالثة المهمل، ومن النادر جدًا أن يعرف يان ماو تفاصيل أبناء المحظيات الدنيا أو يربط بين الوجوه. في هذا الوقت الحرج، كان من الأفضل عدم الإفصاح عن اسمه الحقيقي "رين ماو" لتجنب لفت انتباه قادة العشيرة أو الجواسيس مبكرًا.
أومأ يان ماو برأسه، وبدت ملامحه راضية: "حسنًا، تشانغ ماو. سررت بلقائك، وأتمنى أن نكون أصدقاء في هذا الاختبار."
رد رين ماو بابتسامة مصطنعة متقنة، تُخفي خلفها حسابات مرعبة: "لا بأس بذلك، الصداقة أمر جيد دائمًا."
وفجأة، وقبل أن يتحرك رين ماو، امتدت يد يان ماو بسرعة وقبضت بقوة على ذراع رين ماو، وضغطت عليها بشكل أظهر قوة بدنية لا تناسب عمره. التقت عيناه الفضيتان بعيني رين ماو، وتحولت نظرته الودية فجأة إلى نظرة حادة ومستبدة، نظرة تحمل طابع الأمر والسيطرة أكثر من كونها طلبًا بين أصدقاء.
وقال بصوت خفيف: "بما أننا أصدقاء الآن... هل تود أن ترى شيئًا مثيرًا للاهتمام قبل أن تبدأ النزالات؟"
شعر رين ماو بالقوة الكامنة في قبضة الصبي، لكن ملامحه لم تهتز، ولم يبدِ أي ألم. نظر إلى اليد القابضة على ذراعه ثم رفع عينيه الزرقاوين والتقت النظرات في صراع صامت، قبل أن يجيب بنبرة هادئة:
"حسنًا... لا بأس بذلك، أرني ما لديك."