لم يكن هناك ضوء في نهاية النفق، ولا صوت ملاك يخبره بأنه "المختار" لإنقاذ العالم. كل ما شعر به "زين" هو إحساس مزعج بالدوار، كأن جسده قد تم تفكيكه وإعادة تركيبه بواسطة خوارزمية برمجية سيئة الأداء.
عندما فتح عينيه، لم يجد جدران غرفته المألوفة في الإسكندرية، ولا رائحة القهوة، ولا شاشة حاسوبه التي تحمل آخر ملفات "تحليل البيانات" لعام 2026. بدلاً من ذلك، وجد سقفاً حجرياً متهالكاً تتسرب منه خيوط شمس باهتة، ورائحة تراب رطب تعبق في المكان كأنها رائحة القرون الوسطى.
استقام زين جالساً، يفرك صدغيه بأصابعه. كعقل تحليلي نضج على المنطق والبيانات، كانت أول ردة فعل له هي جرد الواقع المحيط بدلاً من الصراخ:
الحالة الجسدية: أطرافه موجودة لكنها تبدو أنحل قليلاً، ملابسه استُبدلت بقميص من الكتان الخشن لم يرتدِ مثله قط.
المحيط: هو وحيد في ما يشبه معبداً قديماً أو كنيسة مهجورة تحولت إلى خرابة تسكنها العناكب.
الذاكرة: يتذكر حياته بوضوح، يتذكر طموحه، ويتذكر الروايات التي قرأها عن "الانتقال لعوالم أخرى".
"إذن.. إيسيكاي؟" تمتم بصوت خفيض حمل مسحة من السخرية المريرة. بحكم متابعته الطويلة لقصص الخيال، لم يصب بالذعر، بل أغمض عينيه وانتظر.. انتظر تلك "النافذة الشفافة" التي تظهر للأبطال عادةً لتشرح لهم قوانين اللعبة.
ثانية.. عشر ثوانٍ.. دقيقة كاملة. لا شيء.
"جميل، يبدو أن النظام يحتاج إلى تحديث، أو أنني مجرد وافد غير شرعي في هذا العالم،" سخر من نفسه وهو يحاول الوقوف. وبينما كانت يده تلامس الجدار الحجري البارد لتسنده، شعر بشيء غريب. لم يكن ملمساً عادياً؛ شعر وكأن وعيه قد اخترق بنية الحجر الذرية. فجأة، وفي زاوية رؤيته اليمنى، ظهر سطر من النصوص الذهبية الشفافة، خافت جداً وكأنه كود برمجي غير مكتمل:
[ جدار من الحجر الجيري المتآكل - القيمة السوقية: 0.0001 جوهر ]
[ الرصيد الحالي: ∞ ]
تجمد زين في مكانه. الكلمات لم تكن سحراً يملي عليه ما يفعل، بل كانت "واجهة مستخدم" اقتصادية مرتبطة بنظره. حوّل نظره إلى كومة من الخشب المحطم في الزاوية.
[ خشب الصنوبر الجاف - الكمية: 2 كجم - القيمة: 0.0005 جوهر ]
[ الرصيد الحالي: ∞ ]
"رصيد.. لانهائي؟" همس وقلبه يخفق للمرة الأولى بقوة. "لكن ما الفائدة من رصيد لانهائي إذا لم يكن هناك متجر لشراء الأسلحة أو المهارات؟"
بدأ يتجول في الخرابة بحذر، يختبر قدرته. وضع يده على مساحة فارغة من الأرضية الترابية وفكر بتركيز: "أريد رغيف خبز." لا شيء. الأرض بقيت تراباً.
فكر مجدداً: "أريد سيفاً أسطورياً."
بقي الهواء فارغاً.
"فكر يا زين، فكر كـ 'محلل بناء' وليس كـ 'ساحر أمنيات'." تذكر اسم القدرة التي رآها تومض للحظة: سجل الموارد. ربما القدرة لا تخلق المادة من العدم المطلق، بل "تشتري" المادة الخام لتعيد بناءها وفق مخططات هندسية.
ركز نظره على الفجوة الكبيرة في سقف المعبد التي كانت تهدد بالانهيار. تخيل في عقله "مخططاً" بسيطاً لسد تلك الفجوة بنفس نوع الحجر الموجود في الجدران. فجأة، اهتز الهواء اهتزازاً طفيفاً، وظل سطر ذهبي جديد يلمع:
[ أمر بناء: ترميم السقف ]
[ الموارد المطلوبة: 150 كجم حجر جيري - التكلفة: 0.15 جوهر ]
[ هل تريد التنفيذ؟ نعم / لا ]
ضغط زين بذهنه على "نعم". في جزء من الثانية، وبدون أي انفجار أو أضواء سحرية مبهرة، ظهر الحجر تماماً في مكانه، مسدداً الفجوة بدقة هندسية مرعبة لا يمكن لأي بناء بشري القيام بها. المكان أصبح مظلماً قليلاً، لكنه أصبح "آمناً".
جلس زين على الأرض يلهث. اكتشف أن القوة لا تستهلك طاقة جسدية، بل تستهلك "تركيزاً ذهنياً".
"إذن، أنا لست محارباً يحمل سيفاً.. أنا 'المعمار' الذي يملك ميزانية مفتوحة. يمكنني تحويل هذه الخرابة إلى حصن، لكنني ما زلت لا أملك ما يسد جوعي."
بينما كان غارقاً في حساباته، سمع وقع أقدام ثقيلة من الخارج. لم يكن صوت وحش، بل كان صوتاً بشرياً.. أو شيئاً قريباً منه. صوت معدن يرتطم بمعدن.
سحب زين جسده خلف عمود حجري ضخم، يراقب المدخل المحطم. دخل شخصان؛ أحدهما رجل يرتدي درعاً جلدياً مهترئاً ويحمل رمحاً صدئاً، والآخر فتاة تبدو في سن العشرين، تلهث بشدة وتطبق يدها على جرح في كتفها ينزف بوضوح.
"قلت لكِ يا 'ميرا'، لا فائدة من الهرب إلى هذا المكان الملعون،" قال الرجل بصوت غليظ ومضطرب. "إذا لم يجدنا جنود 'البارون' هنا، ستجدنا ذئاب الغابة."
"اصمت يا 'توما'.." ردت الفتاة وهي تجلس بضعف مستندة إلى العمود الذي يختبئ خلفه زين مباشرة. "على الأقل سنموت في مكان هادئ، بعيداً عن سجونهم."
راقبهم زين من خلف العمود. عقله التحليلي بدأ يعمل بسرعة البرق، محولاً الموقف إلى نقاط بيانات:
هؤلاء ليسوا أعداءً له، بل هاربون ومضطهدون.
هؤلاء هم "مصدر معلوماته" الأول والوحيد عن هذا العالم.
هما مصابان ويحتاجان لمساعدة فورية، وهو يملك "الموارد اللانهائية".
لكن، كيف يظهر؟ إذا برز فجأة، فقد يظنونه عدواً ويطعنه الرجل برمحه بدافع الخوف. عليه أن يستخدم "قدرته" ليخلق انطباعاً أولاً قوياً.. انطباعاً يوحي بالهيبة والغموض.
نظر زين إلى الأرضية الترابية أمامهم، ورسم في مخيلته "مخططاً" بسيطاً: موقد نار حجري، وطاولة خشبية صغيرة تحمل كؤوس ماء وضمادات.
[ مطلوب: 10 كجم خشب، 2 لتر ماء، قماش كتاني - التكلفة: 0.002 جوهر ]
[ التنفيذ؟ نعم ]
بينما كان "توما" و"ميرا" غارقين في يأسهم، حدث شيء جعل عيونهم تجحظ. في وسط القاعة المظلمة، وبدون أي تمتمة سحرية أو لفافات، ظهرت نار مشتعلة فجأة داخل موقد مصمم بجمال، وبجانبه طاولة صغيرة تحمل كؤوساً معدنية لامعة مليئة بالماء الطازج.
"سـ.. سحر؟" تمتم توما وهو يرفع رمحه بيد ترتجف بعنف. "ميرا.. هل ترين هذا؟ هل هذا فخ من البارون؟"
خرج زين من خلف العمود ببطء، رافعاً يديه ليوضح أنه أعزل، وعلى وجهه تلك الابتسامة الهادئة والباردة التي كان يواجه بها أعقد المشاكل في حياته السابقة.
"ليست فخاً،" قال زين بصوت واثق، مكتشفاً أن النظام يترجم كلماته لغتهم تلقائياً. "اعتبروها خدمة من صاحب هذا المكان.. مقابل بعض الإجابات."