ما بدأ قبل ساعات كخروجٍ عابر من غرفة ضيّقة طلباً لبعض الهواء، تحوّل الآن إلى شيء أضخم بكثير؛ لقد تحوّل إلى بابٍ فُتح على مصراعيه في رأسي. لم يكن الوقت متأخراً بما يكفي للنوم، ولا مبكراً بما يسمح للنعاس أن يكون عذراً، فبقيتُ عالقاً في تلك المنطقة الرمادية حيث تسكن الأسئلة.
كانت الغرفة ساكنة، ساكنة أكثر مما ينبغي، كأن الهواء نفسه ينتظر قراراً لم يُتخذ بعد. في هذا الصمت، جلستُ أمام الحاسوب دون استعجال، لم أطفئ الضوء ولم أفتحه بالكامل؛ فالإضاءة المتوسطة تجعل الأشياء أقل وضوحاً... وهذا ما أردته تماماً: مساحة للشك.
لم أبدأ بسؤال، ولم أكتب اسماً. كتبت كلمة واحدة فقط، كلمة تُستخدم كثيراً ولا تثير حساسية أحد، ثم انتظرت. ظهرت النتائج بسرعة خاطفة؛ أخبار قصيرة، مقتطفات، بيانات رسمية، صفحات تُغلق قبل أن تُقرأ حتى النهاية. فتحتُ الرابط الأول، قرأته حتى آخر سطر، ثم الثاني فالثالث... كانت كلها تتشابه في جفافها، تشترك في كونها لا تحكي قصة. لا أسماء، لا تواريخ، لا أسباب؛ مجرد أفعال منتهية ببرود: "تأخير، مغادرة، تسوية".
انتقلتُ بين الصفحات كمن يقرأ لغة يجهلها لكنه يشعر بإيقاعها. وفي إحدى الزوايا، توقفتُ قليلاً، ليس بسبب ما كُتب، بل بسبب الفراغ الذي تركه الكاتب عمداً؛ سطران فقط حيث توقعتُ فقرة، وبيان مختصر أكثر من اللازم. أغلقتُ الصفحة وفتحتُ غيرها لمدينة مختلفة وقطاع آخر، لكن النبرة كانت هي نفسها: تلك النبرة التي لا تريد أن تُتبع بسؤال.
مرّ الوقت وذاب الضوء خلف النافذة دون أن أشعر، حتى اخترق صوت أمي وهي تنادي للعشاء ذلك الحصار الرقمي. أغلقتُ الحاسوب فجأة، ليس لأنني انتهيت، بل لأنني خشيت أن يفسد الواقع ما بدأ يتشكّل في مخيلتي.
على طاولة العشاء، كان كل شيء في مكانه المعتاد: الطعام ساخن، الأطباق مرتبة، والمقاعد ثابتة. لكن حضور والدي كان مختلفاً هذه المرة؛ لم يكن غائباً، بل كان كمن يراقب شيئاً لا يراه الآخرون. رفع الملعقة، توقف، ثم أنزلها في صمتٍ مريب. أما أمي، فقد كانت تملأ الفراغ بحديث يومي رتيب، نبرة مدروسة بدقة لئلا يقتحم الصمت الطاولة.
تفرّقنا بعد ذلك دون اتفاق، كأننا جزيئات تبتعد عن بعضها. عدتُ إلى غرفتي، وإلى شاشتي التي تنتظر. هذه المرة، بدأتُ أتلاعب بالكلمات؛ أضفتُ واحدة، وحذفتُ أخرى، فبدأت النتائج تتشوه وتتشكل من جديد. تعليق مقتضب، إشارة عابرة لـ "إجراء داخلي"، تاريخ يتيم في خبرٍ ما، وغياب تام في آخر.
لم تكن القراءة العشوائية لتكشف شيئاً، لكن التكرار هو ما يفضح المستور.
وضعتُ الأخبار جنباً إلى جنب؛ لا شيء يربطها صراحة، لكن لا شيء يفصلها تماماً. وعندما أغلقتُ الحاسوب أخيراً، لم أشعر بالانتصار، بل شعرت بثقل المعلومة التي لم تكتمل بعد.
في الصباح، استيقظتُ قبل المنبه، لا لضجيج، بل لأن النوم نفسه اكتفى من مراوغتي. غسلتُ وجهي، والبيت غارق في سكونه الباكر. عدتُ للحاسوب للمرة الأخيرة، لا لأبحث، بل لأتصفح الخريطة.
نظرتُ إلى المدن المذكورة؛ لم تكن قريبة، لكنها لم تكن بعيدة أيضاً. وفي قاع إحدى الصفحات، استوقفني تعليق واحد، سطر قصير غامض، تجاهلته في البدء لكنه ظل يطنّ في رأسي كطنين النحل.
أغلقتُ الجهاز، وجلستُ أحدّق في الفراغ. أدركتُ حينها أنني لم أصل لنتيجة، لكنني لم أعد الشخص الذي بدأ البحث قبل ساعات. فهناك فرق هائل بين المعرفة، وبين الاستعداد لتقبّل المعرفة.
نهضتُ بهدوء، ارتديتُ معطفي، ولم أقرر إلى أين سأذهب، لكنني أيقنتُ أن البقاء هنا لم يعد ممكناً. فبعض الأسئلة لا تُجاب من خلف الزجاج، وبعض الحقائق تتطلب أن تلمسها بيدك. أغلقتُ باب الغرفة خلفي، ولأول مرة منذ ساعات، لم أشعر أنني أبحث عن شيء... شعرتُ فقط أنني بدأتُ التحرك باتجاهه.
لذا توجهتُ إلى الخارج، بدايةً كنت أحتاج بعض المساعدة لذلك أجريت اتصالاً.. لكن لم أجد سوى رفيقي المقرب، رغم أنه ليس ذكياً لكن يمكنه أن يكون سائقي.
[تريد التوجه إلى الميناء الغربي؟]
"أجل، إذا كنت مشغولاً فدعني أستعير سيارتك"
[ماذا تقول... لحظة رامون هل يحدث شيء في المنزل؟]
"لا شيء تحديداً، أريد فقط التحقيق في شيء"
[تباً.. هذا ما قصدته بالضبط، رامون... قطع]
"؟؟؟" انقطع الخط فجأة، حاولت أن أعيد الاتصال لكن يبدو أن رصيدي لم يكن كافياً.
لحسن الحظ أعاد رفيقي الاتصال بعد قليل.
[رامون.. انتظر مكانك لا تذهب إلى أي مكان حتى أصل]
"لا، دعنا نلتقي في ميناء قريب من منزلي"
[لماذا؟]
"لدي أسبابي، أنا متجه إلى هناك بالفعل"
[حسناً، صادف أنني في مكان قريب]
"جيد"
انتهت المكالمة بعد اتفاق ضمني، وبهذا حصلت على وسيلة للتنقل، توجهتُ إلى الميناء وقبل ذلك قمت بشراء مذكرة صغيرة وقلم، انتظرتُ قليلاً عند الرصيف ثم أتى اتصال من أجل الاتفاق على الموقع ولم يتأخر كثيراً.
"يا رجل ما خطب هذه الملابس التي ترتديها؟"
هذا مزعج ما خطب ملابسي، لكن هذا ليس مهماً "هل لديك وقت؟"
تنهد فايل وسأل "ماذا تحاول أن تفعل هذه المرة؟"
"أنت تسأل كثيراً، لنذهب، سوف أشتري لك مشروباً لاحقاً"
فايل شخص يحب المشروبات، هذه الكلمة تسعده لكنه لم يبدُ سعيداً، فقط ظل صامتاً يحدق بي ثم تنهد مجدداً.
إنه شخص يحب أن يتنهد كثيراً، حتى في مرة سابقة كان يتنهد كثيراً، لكنه شخص جيد، وسوف يساعدني دون مقابل أو كثير من الأسئلة بعد هذا.
عندما أحصل على راتبي يجب أن أكافئه جيداً.
"لنذهب"
"إلى أين؟"
"دعنا نتجه إلى شركة والدي أولاً، أحتاج لشيء"
ها هو مجدداً يتنهد قبل أن ينطلق، لكن كما توقعت لم يسأل كثيراً، وبفضله عدنا بسرعة إلى الشركة، لم أتسلل ولم أكن بحاجة لذلك.
رغم نظرات الجميع نحوي إلا أنني تصرفت بشكل طبيعي وتوجهت إلى منطقة السجلات وأعدت التقاط ذلك السجل وأخذت صورة لكل شيء كدليل أولي قبل مغادرة الشركة دون أن يعلم أحد لما أتيت أصلا.
خرجتُ ووجدت السيارة تنتظرني و فايل كان يستند عليها ويدخن بينما يتحدث بالهاتف.
"فايل، لنذهب"
"آه.. حسناً" أغلق المكالمة ثم أطفأ السيجارة وصعدنا متوجهين نحو الميناء الغربي وهناك حيث تقع المنطقة التي تقع تحت مسؤولية الشركة التي يعمل فيها والدي.
"دعني أسألك، هل أنت متأكد مما تفعله؟"
أثناء الطريق سأل فايل فجأة "بالطبع، هل رأيتني أخطئ من قبل؟"
لم يجب، فقط تنهد، وذلك دليل على أنني لم أخطئ من قبل في هذا النوع من الأشياء، وبعد هذا السؤال توجهنا بصمت إلى الميناء وبعد النزول توقف فايل بسبب مكالمة.
لم أتطفل ولكن بعد إنهاء المكالمة اعتذر لي:
"رامون، حدث شيء في المنزل، لمَ لا نؤجل الأمر إلى الغد؟"
"لا بأس، يمكنك الذهاب، شكراً على التوصيلة"
"لا، ليس هذا ما أعنيه" ها هو يتنهد مجدداً، لقد توقعت ذلك قبل أن يتنهد "حسناً لا تغادر المكان، سوف أعود بسرعة"
ابتسمتُ وودعته، لم يكن له دور كبير فيما أفعل لكن أحياناً كان يطرح أفكاراً جيدة
بعد مغادرته، لم أذهب إلى مكان بعيد، كنت أحاول أن أتصرف بشكل عادي لكن نظرات الجميع ظلت تمر عليّ.
ربما بسبب التوتر كنت أبحث عن سيجارة في معطفي لكن لم أجد شيئاً، لقد خرجت بسرعة وربما نسيتها في المنزل، لكن حتى لا ألفت انتباهاً أكثر قررت الذهاب وشراءها.
لستُ مدخناً لكن يساعدني ذلك على التفكير بهدوء.
ومن أجل توفير الوقت، توجهت مباشرة إلى مكان محدد، ولم يكن من الصعب الدخول، لذلك بدأت أجمع معلومات بهدوء حول الهدف: إدارة شؤون الميناء.
المشكلة كيف أدخل إلى هناك... ليس لدي إذن قانوني أو أي سبب يجبرهم على التعاون ولا وقت للحصول عليه.
إذن الحل الوحيد هو التسلل... رغم أنني قلت إنني لن أتسلل.